تل أبيب - أعلن الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، أن فريق القتال التابع للواء «غولاني»، بقيادة الفرقة 36، أنهى مهمته في المنطقة الأمنية بجنوب لبنان ويخرج لفترة انتعاش، بعد أشهر من النشاط العملياتي في المنطقة.
ويأتي الإعلان بعد إنهاء عملية عسكرية على مستوى لواء في بلدة المنصوري بقضاء صور، بالتزامن مع خفض عدد الألوية الإسرائيلية المنتشرة في جنوب لبنان من 8 إلى 6، من دون إعلان انسحاب من المنطقة التي تصفها إسرائيل بأنها «المنطقة الأمنية».
وقال الجيش الإسرائيلي إن قوات اللواء 55، بقيادة الفرقة 91 وبالتعاون مع وحدة «يهلوم»، دمرت أكثر من 600 موقع وصفها بأنها «بنى تحتية» لـ«حزب الله»، إضافة إلى 8 مسارات تحت الأرض والعثور على عشرات منصات الإطلاق.
وتطرح هذه التطورات تساؤلات بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، وما إذا كانت عمليات الاقتحام والهدم في بعض البلدات تمهد لتقليص الوجود البري المباشر، مقابل الإبقاء على قدرة أوسع على المراقبة والاستهداف بالنيران من مواقع أكثر تحصيناً.
«السيطرة بالنار» بدلاً من الانتشار المباشر
يرى العميد الركن المتقاعد الدكتور بهاء حلال أن ما يجري في المنصوري قد يحمل مؤشرات على تحول في طبيعة السيطرة الإسرائيلية في جنوب لبنان، من الانتشار المباشر على الأرض إلى نمط يعتمد بصورة أكبر على القدرة على الاستطلاع والاستهداف عن بُعد.
وقال حلال لـ«الشرق الأوسط» إن العملية في المنصوري لا تبدو، في قراءته، مجرد عملية عسكرية مؤقتة، مشيراً إلى أن إسرائيل أعلنت في 28 سبتمبر/أيلول إنهاء عملية واسعة قالت إنها استهدفت بنية تحتية لـ«حزب الله».
وأضاف أن العملية سبقتها أوامر بإخلاء السكان بنحو شهرين، بالتوازي مع عمليات هدم وقصف طالت منازل ومنشآت في البلدة، مشيراً إلى تسجيل 17 عملية هدم خلال ليلة واحدة.
وبحسب حلال، فإن السؤال لم يعد فقط متعلقاً بكيفية دخول القوات الإسرائيلية إلى البلدة، وإنما بكيفية جعلها، بعد العمليات العسكرية، أقل قابلية لإعادة السكان أو إعادة التمركز فيها.
وأوضح أن الانتشار البري التقليدي يتطلب أعداداً كبيرة من المشاة والقوات الخاصة والهندسة والاحتياط، بينما يمكن لحزام أمني أصغر وأكثر قابلية للدفاع أن يسمح بتقليص القوات البرية، مع زيادة الاعتماد على المدرعات والاستطلاع والمسيّرات والمدفعية والقدرات النارية الدقيقة.
إعادة تشكيل للقوات الإسرائيلية
ويربط حلال هذا الاحتمال بإعادة تشكيل القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، مع خفض عدد الألوية المنتشرة من 8 إلى 6، وخروج وحدات من المشاة والنخبة والاحتياط، مقابل إدخال تشكيلات أخرى، بينها اللواء المدرع 188.
ويقول إن دلالة هذه الخطوة لا تتعلق بعدد الألوية وحده، وإنما بطبيعة الوحدات التي تبقى في المنطقة والمهام التي تتولاها.
وأضاف أن مصطلح «الخط الرمادي» يمكن استخدامه، من الناحية التحليلية فقط وليس باعتباره خطاً إسرائيلياً رسمياً، لوصف خط تثبيت وانتشار، فيما تتحول المناطق الواقعة خلفه باتجاه ما تبقى من جنوب الليطاني إلى نطاق يمكن التحكم فيه من خلال المراقبة والاستهداف بالنيران.
وبحسب هذه القراءة، لن تحتاج إسرائيل إلى وجود دائم داخل كل مساحة من جنوب لبنان، طالما احتفظت بقدرة على مراقبة التحركات واستهدافها والتحكم عسكرياً بما يجري من مسافة.
المنصوري «مختبر عملياتي»
ويصف حلال المنصوري بأنها قد تشكل «مختبراً عملياتياً» يقوم على ثلاث مراحل: إخلاء السكان، ثم تفكيك البنية الهندسية والعسكرية والمنازل والممرات التي يمكن أن تسهّل إعادة التمركز أو العودة السريعة، ثم الانتقال إلى نمط من السيطرة عن بُعد.
ويرى أن المدرعات تصبح أكثر ملاءمة في مرحلة التثبيت، لأنها توفر القدرة على تأمين المحاور وحماية المواقع الأمامية والتحرك السريع وتوفير نيران مباشرة، في وقت تتراجع فيه الحاجة إلى أعداد كبيرة من وحدات الاقتحام والمشاة.
ويضيف أن الانسحاب من قرية لا يعني بالضرورة التخلي عنها من الناحية العملياتية، إذا استمر وجود المسيّرات ووسائل الاستطلاع والمدفعية والمدرعات ونقاط المراقبة والقدرة الجوية.
ويطرح حلال ثلاثة احتمالات لمسار الانتشار الإسرائيلي: انسحاب تدريجي فعلي، أو الإبقاء على حزام أمني مصغر وأكثر تحصيناً، أو الجمع بين الحزام الأمني والسيطرة بالنار على المناطق الواقعة خلفه.
ويربط كذلك هذه القراءة بانتهاء مهمة «اليونيفيل» المقرر بنهاية عام 2026، معتبراً أن أي تراجع في الوجود الدولي قد يزيد أهمية الاستطلاع والضربات عن بُعد بديلاً عن إبقاء أعداد كبيرة من الجنود داخل القرى.
خبراء: المنصوري ليست بالضرورة نموذجاً نهائياً
في المقابل، يحذر العميد الركن المتقاعد خالد حمادة من اعتبار ما يجري في المنصوري نموذجاً نهائياً للمرحلة المقبلة.
وقال لـ«الشرق الأوسط» إن إسرائيل تستفيد، بحسب تقديره، من حالة الجمود التي يعاني منها «اتفاق الإطار»، بهدف تجريف البنى التحتية وتدمير ما أمكن من القرى، بالتوازي مع تطوير وجودها العسكري في جنوب لبنان باتجاهات مختلفة.
وأشار حمادة إلى أن نموذج التدمير الذي تشهده المنصوري قد يتكرر في قرى أخرى، لكنه تحدث في الوقت نفسه عن مسار آخر يقوم على توسيع العمليات نحو مناطق تتجاوز ما وصفه بـ«الخط الأصفر»، مشيراً إلى قصف مناطق الريحان وسجد والمرتفعات المتبقية شرق النبطية.
وأكد أنه من المبكر، وفق قراءته، تحديد شكل نهائي للعمليات الإسرائيلية، مرجحاً أن تكون هناك مجموعة من الأنشطة المتزامنة بدلاً من اعتماد نموذج عملياتي واحد.
«اتفاق الإطار» وغياب التفعيل
ويعتبر حمادة أن «العامل الحرج» في المرحلة الحالية هو عدم تفعيل «اتفاق الإطار»، مشيراً إلى احتمال ارتباط العمليات الإسرائيلية بالضغوط الرامية إلى دفع الدولة اللبنانية نحو تطبيق الاتفاق والانتقال إلى المناطق التجريبية والاتفاق على معايير التحقق.
وفي المقابل، يقول إن إسرائيل تتعامل في هذه المرحلة مع أي موقع في جنوب لبنان يمكن أن تعتبره بنية تحتية لـ«حزب الله» باعتباره قابلاً للاستهداف والتدمير.
كما توقف حمادة عند اقتراب انتهاء مهمة «اليونيفيل»، معتبراً أن إسرائيل قد تسعى إلى الإمساك ببعض النقاط التي تنتشر فيها القوات الدولية وتحويلها إلى مواقع ثابتة.
وقال إن ذلك قد يؤدي، في حال تحقق، إلى تحول الانتشار الإسرائيلي الحالي إلى شريط عسكري ثابت في جنوب لبنان.
موقع المنصوري وأهمية محيط صور
ويرى حمادة أن موقع المنصوري يمنحها أهمية عسكرية، كونها تشرف على المحور الغربي وعلى مدينة صور، معتبراً أن السيطرة عليها ومنع عودة السكان إليها بعد تدمير أجزاء منها قد يتيح تحويلها إلى موقع عسكري يشرف على المدينة والمحور الساحلي.
وأشار إلى أن الجيش الإسرائيلي، في الإعلان المتعلق بالعملية، تحدث عن تدمير بنية تحتية لـ«حزب الله»، لكنه لم يعلن، وفق ما نقلته «الشرق الأوسط»، عن وجود بنية تحتية للحزب في منطقة المنصوري تحديداً.
وأضاف أن نطاق العمليات قد يكون قابلاً للتوسع باتجاه سجد وإقليم التفاح، فيما قد تصبح عمليات إخلاء السكان في مناطق أخرى أحد عوامل الضغط على الدولة اللبنانية لدفعها نحو تطبيق «اتفاق الإطار».
تصعيد متواصل في الجنوب
وبالتوازي مع التطورات في المنصوري، نفذ الجيش الإسرائيلي تفجيرات في بلدات ميس الجبل ومجدل زون وزوطر الشرقية، بالتزامن مع قصف مدفعي استهدف وادي السلوقي وعدداً من المنازل في الأطراف الغربية لميس الجبل.
كما أطلقت دبابة «ميركافا» متمركزة في بلدة البياضة قذائف مدفعية باتجاه بلدة المنصوري.
وتشير التطورات الميدانية والتقليص المعلن في حجم القوات إلى استمرار إعادة تشكيل الانتشار الإسرائيلي في جنوب لبنان، فيما تبقى طبيعة المرحلة المقبلة مرتبطة بمسار العمليات وبمستقبل الترتيبات الأمنية والسياسية على الحدود.







