وكالات - يبدو أن حماس الرئيس الأميركي دونالد ترمب لفرض قيود واسعة على صادرات الديزل بدأ يتراجع، في ظل مخاوف داخل الإدارة الأميركية من أن يؤدي تقليص الصادرات إلى ارتفاع أسعار وقود أخرى، وفي مقدمتها البنزين.
وقال ترمب للصحفيين إنه لا يزال يبحث مع وزير الطاقة كريس رايت ووزير الداخلية دوغ بورغوم خيارات التعامل مع ارتفاع أسعار الديزل، لكنه أقر بالمخاطر التي حذر منها مسؤولون في إدارته بشأن التداعيات غير المقصودة لأي حظر واسع على الصادرات.
وأوضح ترمب أن خفض صادرات الديزل قد يساعد في زيادة المعروض محلياً وخفض سعره، لكنه قد يؤدي في المقابل إلى ارتفاع أسعار منتجات نفطية أخرى، خصوصاً البنزين.
وكان ترمب قد أعلن في وقت سابق من سبتمبر/أيلول تأييده لفكرة وقف صادرات الديزل، في وقت قفزت فيه أسعار الوقود إلى مستويات قياسية في الولايات المتحدة وأوروبا. إلا أن وزير الطاقة كريس رايت حذر لاحقاً من أن حظر الصادرات لن يكون حلاً فعالاً، وقد يدفع أسعار البنزين ووقود الطائرات إلى الارتفاع.
أوروبا قد تطرح إمدادات جديدة
وفي محاولة للحد من ضغوط الأسعار، أشار رايت إلى احتمال وصول إمدادات إضافية من الديزل إلى الأسواق الأوروبية، قائلاً إن الولايات المتحدة تتوقع «إعلانات من أصدقائنا في أوروبا» بشأن إمدادات جديدة من الوقود.
وتبحث الإدارة الأميركية كذلك إمكانية تشجيع بعض الدول الأوروبية التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الديزل الأميركي على الإفراج عن جزء من مخزوناتها الاستراتيجية.
وتأتي هذه التحركات في ظل ضغوط على أسواق الوقود العالمية، بعدما أدت الاضطرابات في إنتاج وتصدير النفط والمنتجات المكررة إلى تقلص المعروض وارتفاع هوامش تكرير الديزل.
وتملك دول الاتحاد الأوروبي كميات كبيرة من احتياطيات المنتجات النفطية، فيما تتركز نسبة مهمة من مخزونات الديزل الاستراتيجية في ألمانيا وفرنسا. ووفق بيانات نقلتها «رويترز»، تمثل الدولتان نحو 35% من إجمالي احتياطيات الديزل الاستراتيجية في الاتحاد الأوروبي البالغة نحو 39 مليون طن.
واشنطن تضغط للإفراج عن المخزونات
وتنتقد الإدارة الأميركية ما تعتبره بطئاً من بعض الدول الأوروبية في تنفيذ تعهداتها ضمن اتفاق الإفراج المنسق عن احتياطيات النفط العالمية.
وقال رايت إن عدداً من الدول الأوروبية لم يفرج سوى عن جزء من النفط الخام والمنتجات البترولية التي تعهدت بها، في حين أكد مسؤولون أوروبيون استمرار الوفاء بالالتزامات المتعلقة بمستويات المخزونات الاستراتيجية.
وقال بورغوم إنه لا يريد استباق الإعلانات التي قد تصدرها الدول الأوروبية بشأن احتياطياتها، لكنه أشار إلى أن لدى أوروبا فرصة للمساعدة في خفض الأسعار من خلال الإفراج الطوعي عن كميات كبيرة من المنتجات النفطية.
وتناقش الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية أيضاً إمكان إجراء عمليات إفراج إضافية من المخزونات إذا استدعت ظروف السوق ذلك، بعدما نسقت الوكالة في وقت سابق من العام عملية إفراج عالمية عن نحو 400 مليون برميل على خلفية اضطرابات الإمدادات المرتبطة بالحرب مع إيران.
لماذا قد يرفع حظر الديزل أسعار البنزين؟
يحذر مسؤولو قطاع النفط ومحللون من أن فرض قيود كبيرة على صادرات الديزل قد يؤدي إلى نتائج عكسية في السوق الأميركية.
ويرجع ذلك إلى طبيعة عملية التكرير، إذ تنتج المصافي مجموعة من المشتقات النفطية في الوقت نفسه، بما يشمل الديزل والبنزين ووقود الطائرات.
وفي حال اضطرت المصافي إلى خفض معدلات التشغيل بسبب تراجع قدرتها على تصريف الديزل في الأسواق الخارجية، فقد ينخفض إنتاج البنزين أيضاً، وهو ما قد يضغط على الإمدادات المحلية ويرفع الأسعار في محطات الوقود.
وكان رايت قد حذر صراحة من هذا السيناريو، قائلاً إن حظر صادرات الديزل قد لا يحقق الهدف المطلوب، بينما يؤدي إلى ارتفاع أسعار البنزين ووقود الطائرات.
خيارات أخرى على طاولة الإدارة الأميركية
ولا تقتصر الخيارات التي تبحثها الإدارة الأميركية على فرض حظر شامل على الصادرات.
وتشمل البدائل المطروحة تشجيع شركات التكرير على الحد طوعاً من صادرات الديزل، إلى جانب إجراءات أخرى تستهدف زيادة المعروض المحلي أو تخفيف العبء الضريبي على بعض أنواع الوقود.
وتبحث الإدارة أيضاً إمكانية توسيع استخدام الديزل المعفى من بعض الضرائب، المعروف باسم «الديزل الأحمر»، في قطاعات مثل الزراعة والإنشاءات. إلا أن محللين يشككون في قدرة هذا الإجراء وحده على زيادة المعروض أو خفض أسعار الديزل في السوق بصورة كبيرة.
كما أعلنت الولايات المتحدة في 29 سبتمبر/أيلول أنها ستتيح إقراض شركات الطاقة ما يصل إلى 40 مليون برميل من النفط الخام من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي، ضمن مساهمة واشنطن في عملية الإفراج العالمية المنسقة مع وكالة الطاقة الدولية.
تقلبات حادة في سوق الديزل
شهدت أسواق الديزل في الولايات المتحدة وأوروبا تقلبات قوية منذ أن بدأ ترمب في سبتمبر/أيلول الحديث عن احتمال فرض قيود على الصادرات.
وتراجعت عقود الديزل الأميركية في إحدى جلسات التداول بعد تقارير عن خطة محتملة لفرض حظر مؤقت، قبل أن تنفي الإدارة الأميركية وجود قرار نهائي بفرض حظر شامل. وأدى تضارب التصريحات إلى زيادة حساسية السوق تجاه أي تصريحات جديدة من البيت الأبيض أو مسؤولي الطاقة.
وفي السوق الأميركية، وصل متوسط سعر الديزل بالتجزئة إلى مستوى قياسي بلغ نحو 6.53 دولار للغالون، وفق أحدث البيانات التي أوردتها «رويترز»، فيما ظلت أسعار البنزين أيضاً مرتفعة.
وتأتي هذه القفزة في وقت تعاني فيه أسواق المنتجات المكررة عالمياً من نقص نسبي في المعروض، مع اضطراب عمليات الإنتاج والتصدير في عدد من الدول المنتجة.
مخاوف من تأثير القيود في الأسواق العالمية
وتُعد الولايات المتحدة مصدراً رئيسياً للديزل إلى عدد من الأسواق، بينها أوروبا ودول في أميركا اللاتينية، ولذلك فإن أي خفض كبير في صادراتها يمكن أن ينعكس على توازن العرض والطلب خارج الولايات المتحدة أيضاً.
وأشارت «رويترز» إلى أن صادرات الديزل الأميركية ارتفعت بأكثر من 20% مقارنة بمستويات العام السابق، لتصل إلى نحو 1.3 مليون برميل يومياً، في وقت تراجعت فيه مخزونات الديزل الأميركية إلى مستويات منخفضة تاريخياً بالنسبة إلى هذا الوقت من العام.
ويعني ذلك أن أي قرار بتقليص الصادرات قد يخفف الضغط على السوق الأميركية من جهة، لكنه قد يزيد الضغوط على الأسواق المستوردة من جهة أخرى، خصوصاً في ظل محدودية الطاقة التكريرية المتاحة عالمياً.
الحظر لا يزال قيد الدراسة
ورغم تراجع نبرة التأييد داخل الإدارة، لم يستبعد ترمب بصورة نهائية خيار حظر صادرات الديزل.
وقال الرئيس الأميركي في 30 سبتمبر/أيلول إنه لا يزال يدرس هذا الخيار، مشيراً إلى أن تقليص الصادرات يمكن أن يخفض أسعار الديزل محلياً، لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى زيادة أسعار البنزين.
وبذلك، تبدو الإدارة الأميركية أمام معادلة معقدة: محاولة زيادة إمدادات الديزل داخل الولايات المتحدة من دون الإضرار بإنتاج البنزين ووقود الطائرات، وفي الوقت نفسه تجنب نقل أزمة المعروض إلى الأسواق العالمية.
وفي ظل استمرار البحث عن بدائل، يظل الإفراج عن الاحتياطيات الأوروبية، وزيادة المعروض من المصافي، والإجراءات الطوعية لتقليص الصادرات، من بين الخيارات المطروحة إلى جانب الحظر الذي لم يتحول حتى الآن إلى قرار نهائي.







