تل أبيب - يواجه الجيش الإسرائيلي صعوبة كبيرة في التعامل مع الطائرات المسيرة المتفجرة التي يطلقها حزب الله باتجاه قواته في جنوب لبنان، في تطور وصفه تقرير ميداني إسرائيلي بأنه غيّر قواعد اللعبة على الجبهة بشكل كامل، وأجبر المؤسسة العسكرية والصناعات الأمنية على البحث بصورة عاجلة عن حلول جديدة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة هآرتس، فإن الجيش الإسرائيلي يعمل على شق طرق وإقامة جسور وإنشاء تحصينات إضافية لحماية قواته المنتشرة في جنوب لبنان، بالتزامن مع استمرار تدمير عدد من القرى ذات الغالبية الشيعية، تحت ذريعة استهداف البنية التحتية التي يقول الجيش إن حزب الله تركها خلفه.
وأشار التقرير إلى أن هذه العمليات لا تقتصر، وفق التقدير الذي أورده، على الأهداف العسكرية، وإنما تهدف عمليًا إلى منع السكان من العودة إلى منازلهم لسنوات.
عودة إلى الحرب دون تفوق جوي كامل
ووفق التقرير، استأنف الجيش الإسرائيلي عملياته العسكرية في لبنان خلال مارس/آذار الماضي، بالتزامن مع الحرب على إيران، من دون امتلاكه خططًا تشغيلية كافية لهذه الجبهة، فيما كان سلاح الجو الإسرائيلي منشغلًا بدرجة كبيرة بالعمليات ضد إيران.
وأدى ذلك إلى دخول القوات البرية الإسرائيلية إلى جنوب لبنان مع دعم جوي محدود، وهو ما وفر، بحسب التقرير، ظروفًا ميدانية مختلفة عن تلك التي اعتاد عليها الجيش الإسرائيلي خلال السنوات الماضية.
لكن التطور الأبرز جاء في أبريل/نيسان، عندما بدأ حزب الله باستخدام مسيرات متفجرة مرتبطة بالألياف البصرية، وهي منظومة يقول التقرير إنها نجحت في تجاوز جزء مهم من وسائل الحرب الإلكترونية الإسرائيلية.
وأوضح التقرير أن المسيرات التي تعمل عبر الألياف البصرية يمكن تشغيلها من مسافات تصل إلى نحو 10 إلى 15 كيلومترًا، كما تحلق على ارتفاع منخفض وبحجم صغير، ما يجعل اكتشافها صعبًا، ولا يمنح القوات الإسرائيلية سوى ثوانٍ معدودة قبل وصولها إلى هدفها وانفجارها.
وبحسب التقرير، تسببت هذه المسيرات في مقتل 16 ضابطًا وجنديًا إسرائيليًا منذ نهاية أبريل/نيسان.
«ميدان القتال تغير خلال أسابيع»
ونقل التقرير عن ضابط إسرائيلي وصفه للتغيرات التي شهدتها الجبهة بأنها شبيهة بالانتقال من أساليب الحرب العالمية الأولى إلى الحرب العالمية الثانية، لكن خلال فترة زمنية قصيرة للغاية.
وتظهر آثار هذه المواجهات، وفق التقرير، في انتشار آليات عسكرية إسرائيلية متضررة على طرق جنوب لبنان، بينها شاحنات وجرافات، معظمها مدرع، وقد تعرض لأضرار يجري العمل على إصلاحها وإعادتها إلى الخدمة.
ويرى التقرير أن التطور الأساسي لا يتعلق فقط بزيادة عدد المسيرات، وإنما بتغير طبيعة التهديد الجوي الذي تواجهه القوات الإسرائيلية، بعد سنوات تمتعت خلالها إسرائيل بتفوق جوي واسع على خصومها.
حزب الله يستفيد من تجارب الحروب الحديثة
وبحسب التقرير، تمكن حزب الله من تطوير أسلوب عملياتي جديد مستفيدًا من إدخال أعداد كبيرة من المسيرات، بعضها مصنوع في إيران، إلى جانب الاستفادة من الدروس المستخلصة من استخدام الطائرات المسيرة في الحرب الروسية الأوكرانية، مع الإشارة إلى احتمال الاستفادة من تطورات صينية في هذا المجال.
ولا تقتصر المخاوف الإسرائيلية على المسيرات المستخدمة حاليًا، إذ يحذر الجيش من احتمال الانتقال إلى هجمات منسقة تعتمد على أسراب من المسيرات الصغيرة والمتفجرة، بعضها مزود بقدرات متطورة على الاستطلاع والهجوم.
ويثير هذا السيناريو قلقًا إسرائيليًا أوسع، خصوصًا في ظل احتمال انتقال تقنيات المسيرات منخفضة التكلفة إلى جبهات أخرى، بينها الضفة الغربية وقطاع غزة والحدود المصرية.
إسرائيل تبحث عن حلول ولا «حل سحري»
ونقل التقرير عن ضابط إسرائيلي أن المؤسسة العسكرية والصناعات الأمنية تعمل على إيجاد حلول لتهديد مسيرات الألياف البصرية، إلا أنه لا يوجد في الوقت الراهن حل واحد يمكنه إنهاء المشكلة.
وبحسب الضابط، تراهن إسرائيل على تطوير حلول تكنولوجية خلال الأشهر المقبلة، مع دراسة تجارب دول أخرى، ولا سيما التجربة الأوكرانية التي شهدت إنشاء وحدات متخصصة في تشغيل المسيرات واستخدامها في العمليات القتالية.
وفي موازاة ذلك، يعمل الجيش الإسرائيلي على خطة لإنتاج نحو 100 ألف مسيرة هجومية سنويًا، ضمن توجه لإعادة تشكيل بعض وحداته القتالية، بما في ذلك تقليص جزء من التشكيلات التقليدية للكتائب والألوية وإنشاء وحدات متخصصة في تشغيل المسيرات والأسلحة الروبوتية.
مخاوف من تحول المسيرات إلى سلاح أسراب
ويتمثل التحدي الأكبر بالنسبة للجيش الإسرائيلي، وفق التقرير، في إمكانية الجمع بين مسيرات الألياف البصرية والطائرات المسيرة التقليدية ضمن هجمات متزامنة، بما يزيد من صعوبة اكتشافها واعتراضها.
ويرى التقرير أن نجاح حزب الله في فرض هذا النوع من التهديد على القوات الإسرائيلية يعكس تحولًا مهمًا في طبيعة المعركة، إذ لم تعد الأفضلية الجوية الإسرائيلية وحدها كافية لضمان حماية القوات البرية.
وفي ظل استمرار البحث عن حلول، يبقى القلق داخل الجيش الإسرائيلي مركزًا على قدرة الخصم على تطوير وسائل منخفضة التكلفة نسبيًا قادرة على إحداث تأثير كبير في القوات والآليات، وهو تحدٍ قد يمتد إلى جبهات أخرى خلال المرحلة المقبلة.





