ترجمات - لطالما ارتبطت الشؤون الإنسانية والسياسية بقاعدة تاريخية شهيرة مفادها أن الشعوب والدول التي تفشل في التعلم من أخطاء الماضي تصبح أكثر عرضة لتكرارها. ولعل العبارة الأكثر شهرة في هذا السياق تعود إلى الفيلسوف الأمريكي المولود في إسبانيا جورج سانتايانا، الذي حذر من أن عدم تذكر الماضي يقود إلى تكراره.
وبعد أكثر من خمسة عقود على حرب فيتنام، تعود هذه المقولة إلى الواجهة في سياق الحرب الأمريكية مع إيران، في ظل تشابهات متزايدة بين الطريقة التي اتخذت بها واشنطن قراراتها في الستينيات والطريقة التي تدير بها الصراع الحالي.
ويعيد كتاب الصحفي الأمريكي الراحل ديفيد هالبرستام، «الأفضل والألمع»، الذي صدر للمرة الأولى عام 1972، طرح الأسئلة نفسها حول حدود القوة الأمريكية، وخطر الثقة المفرطة بالنخب السياسية والعسكرية، وكيف يمكن لصناع القرار أن يتحولوا من إدارة أزمة محدودة إلى حرب واسعة دون امتلاك تصور واضح لكيفية إنهائها.
«الأفضل والألمع».. عندما تتحول الكفاءة إلى نقطة ضعف
يحمل عنوان كتاب هالبرستام دلالة ساخرة أكثر مما يحمل مديحاً مباشراً. فقد كان مستشارو الرئيس جون إف. كينيدي يتمتعون بسجل أكاديمي ومهني استثنائي، وكان بينهم شخصيات مثل ماكجورج بوندي وروبرت ماكنمارا، اللذين مثّلا نموذجاً للنخبة الأمريكية التي آمنت بقدرة العقل والبيانات والتخطيط المنهجي على حل المشكلات المعقدة.
كان ماكنمارا، الذي شغل منصب وزير الدفاع في عهدي كينيدي وليندون جونسون، مثالاً بارزاً على هذا التفكير التكنوقراطي. فقد اشتهر بقدرته الاستثنائية على التعامل مع البيانات وتحليلها، وبثقته الكبيرة في إمكانية تحويل الحرب إلى مجموعة من المؤشرات والأرقام التي يمكن قياسها ومقارنتها.
لكن هالبرستام رأى في هذه العقلانية المفرطة أحد أسباب الكارثة.
فالمشكلة، وفق هذا المنظور، لم تكن في نقص الذكاء لدى صناع القرار، بل في الطريقة التي استخدموا بها ذكاءهم. إذ تمكنت الإدارة الأمريكية من بناء منظومة شديدة التعقيد من التحليلات والتقارير والمؤشرات، لكنها عجزت في المقابل عن الإجابة عن السؤال الأساسي: ما الهدف السياسي النهائي من الحرب، وكيف يمكن تحقيقه، ومتى ينبغي الانسحاب؟
أوجه تشابه بين فيتنام وإيران
يرى التحليل أن الحرب الحالية مع إيران تحمل عدداً من السمات التي تذكر بالتجربة الفيتنامية.
ففي الحالتين، تبدو الأهداف الأمريكية عرضة للتغير، كما بدأت العمليات العسكرية في ظل تصور شديد الثقة بقدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها من خلال التفوق التكنولوجي والقوة النارية.
كما أن التخطيط اتسم بدرجة كبيرة من السرية، بينما ظل النقاش العام حول الاستراتيجية النهائية للحرب محدوداً. والأهم من ذلك أن واشنطن لم تقدم تصوراً واضحاً لشكل «النصر»، أو للكيفية التي يمكن أن تنتهي بها الحرب من دون تحولها إلى صراع طويل الأمد.
وهنا تكمن إحدى أخطر مشكلات الحروب التي تعتمد على التفوق العسكري: إلحاق الضرر بالخصم لا يعني بالضرورة تحقيق الهدف السياسي.
كانت الولايات المتحدة تمتلك تفوقاً هائلاً في القوة النارية خلال حرب فيتنام، لكنها لم تتمكن من تحويل ذلك التفوق إلى انتصار سياسي مستدام. والتجربة نفسها تطرح سؤالاً مشابهاً اليوم: إذا كانت واشنطن قادرة على إلحاق أضرار كبيرة بإيران، فهل يعني ذلك بالضرورة أنها قادرة على فرض النتيجة السياسية التي تريدها؟
غموض الأهداف.. مشكلة تتكرر
يبرز هالبرستام في كتابه مشكلة أخرى شديدة الأهمية، وهي اعتقاد صناع القرار بأنهم ما زالوا يمتلكون خيارات واسعة، في حين كانت التطورات على الأرض تغلق هذه الخيارات تدريجياً.
ومع مرور الوقت، تتحول الحرب نفسها إلى عامل يحدد القرارات المقبلة. فكل تصعيد جديد يخلق التزامات جديدة، وكل خسارة تفرض رداً، وكل رد يرفع سقف المواجهة.
وفي نهاية المطاف، تجد الإدارة نفسها أمام خيارين أكثر صعوبة: الاستمرار في الحرب رغم ارتفاع التكلفة، أو الانسحاب مع تحمل تبعات سياسية وعسكرية محتملة.
وهذه المعضلة تكتسب أهمية خاصة في الحالة الإيرانية، حيث لا تبدو القوة العسكرية وحدها كافية لتحديد طبيعة النظام السياسي الذي سيخرج من الحرب أو شكل التوازن الإقليمي الذي سيليها.
إدارة أمريكية أقل خبرة من «الأفضل والألمع»
المفارقة الأبرز في المقارنة الحالية أن منتقدي الإدارة الأمريكية يرون أن فريق ترامب لا يمتلك حتى الخبرة المؤسسية التي كانت متوفرة لدى بعض صناع القرار في حقبة كينيدي وجونسون.
ففي عهد كينيدي، كان بين صناع القرار أكاديميون بارزون ومديرون تنفيذيون ومسؤولون أمضوا سنوات في العمل الحكومي. أما الإدارة الحالية، وفق هذا الطرح، فتضم عدداً من الشخصيات التي وصلت إلى مناصبها العليا بسرعة، من دون مسار طويل في إدارة مؤسسات ضخمة أو ممارسة السلطة التنفيذية.
ويُطرح وزير الدفاع بيت هيغسيث ووزير الخارجية ومستشار الأمن القومي ماركو روبيو ونائب الرئيس جيه دي فانس ضمن هذه المقارنة، إلى جانب شخصيات أخرى لعبت أدواراً مؤثرة في السياسة الخارجية الأمريكية.
لكن المشكلة، بحسب منتقدي الإدارة، لا تقتصر على الخبرة الفردية، بل تتعلق أيضاً بثقافة اتخاذ القرار نفسها، وبمدى استعداد صناع القرار للاستماع إلى الأصوات المعارضة أو إعادة تقييم افتراضاتهم عندما تتغير المعطيات.
التفوق العسكري لا يضمن نهاية الحرب
تظهر الضغوط العسكرية المتزايدة بوصفها أحد أبرز المؤشرات على صعوبة إدارة الصراع.
فمع استمرار العمليات، بدأت الولايات المتحدة تواجه ضغوطاً على مخزون بعض الأنظمة العسكرية المتطورة، في وقت يتطلب فيه الحفاظ على التفوق العسكري نشر موارد ضخمة بصورة مستمرة.
وتتجاوز المشكلة حدود إيران نفسها، إذ إن استنزاف الذخائر والأنظمة الدفاعية والقدرات اللوجستية يمكن أن يؤثر في قدرة الولايات المتحدة على التعامل مع أزمات أخرى محتملة في مناطق مثل شرق آسيا وأوروبا.
وبذلك تتحول الحرب من عملية عسكرية محددة إلى مسألة تتعلق بإدارة الموارد الاستراتيجية للقوة الأمريكية على مستوى العالم.
أكثر من 250 يوماً في البحر.. الاستنزاف البشري يتزايد
ولا يقتصر الاستنزاف على المعدات والذخائر.
فالتقارير عن تدهور الروح المعنوية داخل بعض الوحدات البحرية الأمريكية، بعد عمليات انتشار طويلة، تكشف جانباً آخر من تكلفة الحرب لا تظهره عادة أرقام الميزانيات أو معدلات الضربات الجوية.
وتصبح هذه المشكلة أكثر خطورة عندما تتزامن مع زيادة الإنفاق الدفاعي بصورة كبيرة، لأن ضخ المزيد من الأموال في المؤسسة العسكرية لا يحل بالضرورة المشكلات المتعلقة بالجاهزية البشرية أو الاستدامة العملياتية أو وضوح الهدف السياسي.
إيران تتعلم من الحرب أيضاً
في المقابل، لا تبدو إيران طرفاً ثابتاً في هذه المعادلة.
فالحرب نفسها تمنح طهران فرصة للتعلم من نقاط القوة والضعف الأمريكية، وهو ما عبر عنه مسؤول إيراني بارز عندما قال إن الأشهر الأولى من المواجهة أتاحت لطهران اكتساب خبرة عملية في كيفية القتال ضد الولايات المتحدة.
وهذه النقطة تعيد إلى الذاكرة أحد دروس الحروب الطويلة: الخصم لا يبقى ساكناً بينما تتعلم أنت منه؛ بل يتعلم منك أيضاً.
وبالتالي، فإن التفوق العسكري الأمريكي الذي يبدو هائلاً في بداية الصراع قد لا يحافظ بالضرورة على المستوى نفسه إذا تمكن الطرف المقابل من تطوير أساليبه الدفاعية والهجومية والتكيف مع طبيعة العمليات الأمريكية.
الخطر الحقيقي.. عندما يصبح الخطاب بديلاً عن الاستراتيجية
ربما تكمن أكثر النقاط إثارة للقلق في المقارنة بين فيتنام وإيران في العبارة التي نسبها هالبرستام إلى فريق كينيدي وجونسون: أن الكلام تحول تدريجياً إلى غاية بحد ذاته.
فعندما تصبح التصريحات السياسية جزءاً من منطق الحرب، يبدأ صانع القرار في الدفاع عن مواقفه السابقة بدلاً من إعادة تقييمها. وكلما ارتفع سقف الخطاب، أصبحت العودة عنه أكثر تكلفة سياسياً.
وهنا يمكن أن يتحول الهدف من تحقيق نتيجة استراتيجية إلى إثبات أن القرارات السابقة كانت صحيحة.
وهذه واحدة من أخطر المراحل التي يمكن أن تصل إليها أي حرب، لأن الإدارة تبدأ عندها في خوض الصراع ليس فقط ضد الخصم الخارجي، بل أيضاً دفاعاً عن روايتها الداخلية للحرب.
درس فيتنام الذي لم يُستوعب؟
لا تعني المقارنة بين إيران وفيتنام أن الصراعين متطابقان. فطبيعة إيران وموقعها الجغرافي وتركيبتها السياسية والقدرات العسكرية المتاحة اليوم تختلف جذرياً عن فيتنام في الستينيات.
لكن التشابه يكمن في طريقة التفكير أكثر من تفاصيل الحرب نفسها.
الثقة المفرطة بالقوة، الاعتقاد بأن التكنولوجيا قادرة على حل مشكلات سياسية، غموض الأهداف، صعوبة تحديد نقطة الخروج، وتهميش الأصوات المخالفة، كلها عوامل يمكن أن تدفع القوة العظمى إلى حرب أطول وأكثر تكلفة مما توقعت في البداية.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كانت الولايات المتحدة تستطيع إلحاق هزيمة عسكرية بإيران، بل ما إذا كانت قادرة على تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية قابلة للاستمرار، ثم معرفة اللحظة المناسبة لإنهاء الحرب.
وهنا تحديداً تبدو مقولة سانتايانا أكثر حضوراً من أي وقت مضى: التاريخ لا يكرر نفسه حرفياً، لكنه قد يعيد إنتاج أخطائه عندما يرفض صناع القرار الاعتراف بأن الماضي يحمل دروساً لا تزال صالحة للحاضر.
مجلة فورين بوليسي






