ترجمات - تتجه المواجهة الإقليمية إلى مرحلة أكثر تعقيداً مع تصاعد نشاط جماعة الحوثيين في البحر الأحمر، في تحرك يُنظر إليه باعتباره امتداداً للاستراتيجية الإيرانية الهادفة إلى توسيع نطاق الضغط على خصومها وتهديد أحد أهم الممرات البحرية العالمية، بالتزامن مع استمرار التوتر حول مضيق هرمز.
وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، اختارت طهران تفعيل جبهة باب المندب في الوقت الذي كان فيه الجدل محتدماً بشأن مدى قدرة الأطراف المتصارعة على إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام حركة الملاحة. وبينما ظلّت إيران طرفاً رئيسياً في المواجهة المباشرة، تولى الحوثيون مهمة ممارسة الضغط على الممر البحري الآخر، بما يتيح لطهران توسيع نطاق الأزمة دون تحمل التكلفة المباشرة للتصعيد العسكري.
وتزامن ذلك مع سلسلة من التحركات الحوثية ضد أهداف سعودية، أعقبت توترات مرتبطة بحركة الطيران والقيود المفروضة على مطار صنعاء، لتتطور لاحقاً إلى استهداف منشآت ومواقع داخل السعودية.
وأدى تصاعد المخاطر في المنطقة إلى زيادة القلق في أسواق الطاقة، في وقت تجاوز فيه سعر خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، وفق المعطيات الواردة في التقرير.
باب المندب.. نقطة اختناق جديدة
لم يكن استخدام باب المندب كورقة ضغط مفاجئاً تماماً، إذ سبقت التصعيد الحالي دعوات صريحة في إيران إلى إغلاق المضيق واستخدامه أداة للضغط على الخصوم.
وكان حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة كيهان والمقرّب من دوائر صنع القرار الإيراني، قد دعا إلى إغلاق باب المندب، مشيراً إلى قدرة إيران على التأثير في المضيق من خلال الصواريخ بعيدة المدى.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية استراتيجية بالنظر إلى موقع باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويشكل أحد المسارات الرئيسية لحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.
وبالتالي، فإن استمرار تهديد الملاحة في باب المندب لا يعني بالضرورة إغلاق المضيق فعلياً، إذ يمكن لمجرد ارتفاع المخاطر الأمنية أن يؤدي إلى زيادة تكاليف التأمين والشحن، ودفع الشركات إلى تغيير مسارات السفن، وهو ما يرفع تكلفة التجارة والطاقة حتى في حال استمرار مرور جزء من السفن.
«حزام المقاومة» يمتد من هرمز إلى باب المندب
يتوافق التصعيد البحري مع تصور إيراني أوسع يقوم على استخدام شبكة الحلفاء والجماعات المسلحة المرتبطة بطهران لتوسيع نطاق الضغط الجغرافي.
وكان قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني قد تحدث عن «حزام أمني للمقاومة» يمتد من مضيق هرمز إلى باب المندب، في إشارة إلى أهمية الممرين البحريين ضمن الحسابات الاستراتيجية الإيرانية.
وبحسب التقرير، فإن إعلان الحوثيين في يوليو/تموز عن إغلاق باب المندب جاء بعد تقارير عن توجيه إيران تعليمات للجماعة بالتحرك في حال تعرض البنية التحتية للطاقة الإيرانية لهجمات أمريكية.
وإذا صحت هذه المعطيات، فإنها تشير إلى أن القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة الحوثية لم تكن مجرد رد فعل على التطورات الأخيرة، وإنما كانت جزءاً من استعداد أوسع لاستخدام البحر الأحمر كورقة ضغط في الحرب الإقليمية.
طائرات مسيرة رخيصة مقابل كلفة دفاعية مرتفعة
تستند استراتيجية الحوثيين بدرجة كبيرة إلى عدم التناسب بين تكلفة الهجوم وتكلفة التصدي له.
فإطلاق طائرة مسيرة منخفضة التكلفة أو صاروخ مضاد للسفن يمكن أن يجبر خصماً على استخدام طائرات مقاتلة أو أنظمة دفاع جوي وسفن حربية باهظة الثمن، كما يمكن أن يؤدي إلى رفع أقساط التأمين وتعطيل حركة التجارة.
ولا تتوقف آثار هذا النوع من الهجمات عند الخسائر العسكرية المباشرة، إذ يمكن للتهديد وحده أن يدفع شركات الشحن إلى إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بالمرور في المنطقة.
ومن هذا المنظور، تتحول شركات التأمين والملاحة إلى جزء من المعادلة العسكرية؛ فحتى من دون تدمير عدد كبير من السفن، يمكن أن تؤدي زيادة المخاطر إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، أو إلى تحويل السفن إلى طرق أطول وأكثر كلفة.
السعودية أمام معادلة أكثر صعوبة
يمثل التصعيد الحوثي تحدياً خاصاً للسعودية، التي حاولت خلال السنوات الأخيرة الانتقال من المواجهة العسكرية المفتوحة في اليمن إلى مسار أكثر تركيزاً على تثبيت نفوذها وترتيب المشهد الداخلي اليمني.
لكن تصاعد الهجمات يعيد الرياض إلى معادلة أمنية شديدة الحساسية.
فمن جهة، قد يؤدي الرد العسكري الواسع إلى إعادة إشعال حرب مفتوحة مع الحوثيين، ومن جهة أخرى، فإن تقديم تنازلات كبيرة تحت ضغط الهجمات قد يمنح الجماعة موارد إضافية ويعزز قدرتها العسكرية والسياسية.
وتزداد صعوبة الموقف لأن المطالب الحوثية تتعلق، وفق التقرير، بقضايا مثل رواتب موظفي القطاع العام، وفتح الموانئ، وتوسيع الرحلات الجوية من مطار صنعاء.
وتسعى الجماعة، من خلال حصر مطالبها المعلنة في قضايا مرتبطة بالحرب اليمنية، إلى إبقاء مسافة سياسية بينها وبين المواجهة الإيرانية الأوسع مع الولايات المتحدة.
استراتيجية الحوثيين: ضغط اقتصادي دون الانجرار إلى حرب أمريكية مباشرة
يبدو أن الحوثيين يتعاملون بحذر مع العلاقة بين الصراع اليمني والمواجهة الإقليمية.
ففي الوقت الذي يضغطون فيه على السعودية، يتجنبون في خطابهم العلني تقديم هجماتهم باعتبارها جزءاً مباشراً من الحرب الإيرانية ضد الولايات المتحدة.
ويتيح هذا الأسلوب للجماعة تحقيق عدة أهداف في الوقت نفسه؛ أبرزها الحفاظ على مساحة للتفاوض مع الرياض، وتجنب منح واشنطن مبرراً سهلاً لتوسيع تدخلها العسكري المباشر في اليمن، فضلاً عن استخدام التهديد البحري كورقة ضغط اقتصادية.
كما أن إبقاء قنوات التواصل مع السعودية مفتوحة يمنح الحوثيين خيار التفاوض على ترتيبات ثنائية، رغم أن أي اتفاق شامل سيظل مرتبطاً بموقف الحكومة اليمنية وباقي الأطراف الداخلية.
خطر «الابتزاز» السياسي
لكن هذا النهج يحمل مخاطر كبيرة بالنسبة إلى السعودية والحكومة اليمنية.
فإذا تم تقديم تنازلات مالية أو إدارية للحوثيين خارج إطار اتفاق سياسي شامل، فقد تتحول الموارد الحكومية إلى مصدر تمويل غير مباشر للجماعة، ما يسمح لها بإعادة بناء قدراتها العسكرية وتعزيز نفوذها.
وبذلك قد يؤدي التهدئة التكتيكية إلى إطالة أمد الصراع بدلاً من إنهائه.
وفي المقابل، فإن رفض تقديم التنازلات مع استمرار الهجمات قد يدفع الرياض إلى خيار التصعيد، وهو ما قد يعيد اليمن إلى مرحلة الحرب المفتوحة.
إيران تستفيد بأقل تكلفة
بالنسبة إلى طهران، تبدو المعادلة أكثر ملاءمة.
فإيران تستطيع ممارسة الضغط على الملاحة والطاقة من خلال حليف إقليمي، من دون الحاجة إلى استخدام قواتها بصورة مباشرة في كل عملية، ما يقلل احتمالات تعرضها لرد عسكري مباشر.
كما أن استمرار التوتر في البحر الأحمر يرفع الضغوط على أسواق الطاقة ويزيد الأعباء على الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين ودول الخليج، في وقت تواجه فيه واشنطن حسابات سياسية داخلية مرتبطة بالحرب والانتخابات وصلاحيات استخدام القوة العسكرية.
وتقوم الفكرة الأساسية للاستراتيجية الإيرانية، وفق التقرير، على استغلال اللحظة الراهنة قبل تغير البيئة السياسية الأمريكية، ولا سيما إذا تراجعت الضغوط التي يمكن أن تستفيد منها طهران، مثل ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الأسواق وزيادة تكاليف الانتشار العسكري الأمريكي.
البحر الأحمر يتحول إلى ساحة للحرب الاقتصادية
لا تقتصر أهمية التحرك الحوثي على البعد العسكري، إذ إن الجماعة تدرك أن تهديد الملاحة قد يكون أكثر فاعلية من تنفيذ هجمات واسعة النطاق.
فمجرد الاعتقاد بأن السفن المرتبطة بالسعودية أو المتجهة إلى موانئها قد تواجه مخاطر متزايدة يمكن أن يدفع شركات الشحن إلى رفع أسعار خدماتها، بينما قد ترفع شركات التأمين قيمة التغطية أو ترفض تأمين بعض الرحلات.
وفي هذه الحالة، تتحول الحرب إلى معركة على «القدرة على تحمل المخاطر» بدلاً من كونها مواجهة تقليدية بين الأساطيل.
وهذا يمنح الحوثيين ميزة نسبية، لأن تكلفة استمرار التهديد بالنسبة إليهم تبقى محدودة مقارنةً بالكلفة التي يتحملها خصومهم لحماية خطوط الملاحة.
تصعيد إقليمي متعدد الجبهات
يتزامن التصعيد في البحر الأحمر مع هجمات بطائرات مسيرة استهدفت، وفق التقرير، منشآت طاقة سعودية في الرياض والمنطقة الشرقية، في تحرك يُنظر إليه باعتباره جزءاً من ضغط أوسع على المملكة.
ويعني ذلك أن السعودية تواجه احتمال التعامل مع شبكة من التهديدات الممتدة من البحر الأحمر إلى منشآت الطاقة في الداخل، بينما تستمر التوترات في الخليج ومحيط مضيق هرمز.
وهذه الصورة ترفع أهمية الدفاعات الجوية والمنشآت النفطية وخطوط الإمداد والموانئ، لكنها في الوقت نفسه تجعل حماية كل نقاط الضعف أمراً بالغ الصعوبة ومكلفاً.
الحوثيون بين النفوذ الإيراني والضغوط الداخلية
ورغم المكاسب التي تحققها الجماعة على المستوى الإقليمي، فإن وضعها الداخلي في اليمن لا يخلو من نقاط ضعف.
فالتوترات مع بعض الجماعات القبلية، والضغوط الاقتصادية، وحملات التجنيد، والانتقادات المرتبطة بإدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها، كلها عوامل يمكن أن تحد من قدرتها على الاستمرار في التصعيد إلى أجل غير محدد.
كما أن الاعتقالات التي طالت عاملين في مجال الإغاثة وأثارت مخاوف المنظمات الإنسانية زادت من عزلة الجماعة في المناطق التي تسيطر عليها.
وبالتالي، فإن استمرار التصعيد الخارجي قد يوفر للحوثيين نفوذاً تفاوضياً، لكنه قد يزيد أيضاً الضغوط الداخلية التي تواجهها الجماعة.
واشنطن أمام معضلة جديدة
أما الولايات المتحدة، فتجد نفسها أمام معادلة مختلفة عن تلك التي واجهتها خلال مراحل سابقة من الصراع.
فزيادة الانتشار العسكري لحماية الملاحة قد تكون مكلفة، بينما لا يضمن التفوق العسكري وحده إعادة شركات الشحن إلى المنطقة إذا بقيت المخاطر التأمينية مرتفعة.
وفي الوقت ذاته، فإن توجيه ضربات مباشرة إلى الحوثيين قد يفتح جبهة إضافية ويقوض الترتيبات التي حدّت من المواجهة الأمريكية المباشرة مع الجماعة.
وتزداد حساسية الموقف مع اقتراب الاستحقاقات السياسية الأمريكية، إذ يمكن أن تتحول الحرب في اليمن والإنفاق العسكري وصلاحيات الرئيس في استخدام القوة إلى ملفات داخلية تؤثر في قدرة الإدارة على اتخاذ قرارات طويلة الأمد.
الخلاصة: إيران تنقل كلفة المواجهة إلى خصومها
تكشف التطورات الأخيرة في البحر الأحمر عن استراتيجية إيرانية تقوم على توسيع نطاق الضغط من دون تحمل كامل تكلفته.
فمن خلال الحوثيين، تستطيع طهران تهديد واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، ورفع تكاليف الشحن والتأمين، والمساهمة في إبقاء أسعار الطاقة تحت الضغط، وفي الوقت نفسه تحميل السعودية الجزء الأكبر من تداعيات التصعيد المباشر.
أما الحوثيون، فيحصلون على ورقة تفاوضية إضافية في صراعهم مع الرياض، لكنهم يخاطرون في المقابل بدفع السعودية إلى مواجهة عسكرية أوسع.
وبذلك، لا تبدو معركة البحر الأحمر مجرد فصل جديد من الحرب اليمنية، بل جزءاً من صراع إقليمي أكبر تتداخل فيه الملاحة والطاقة والانتخابات الأمريكية والنفوذ الإيراني وأمن الخليج.
وفي حال استمر الضغط على باب المندب بالتوازي مع التوتر في مضيق هرمز، فقد تتحول الممرات البحرية إلى أداة رئيسية في إعادة تشكيل حسابات القوى الإقليمية والدولية، مع انتقال جزء متزايد من تكلفة المواجهة إلى الأسواق العالمية وشركات الشحن والدول المستوردة للطاقة.
مجلة فورين بوليسي






