تل أبيب - تكشف التطورات المتلاحقة في بلدة قصرة جنوب نابلس عن تصعيد جديد في ملف الاستيطان والاعتداءات على الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، بعد إقامة مستوطنين بؤرة استيطانية في ساحة منزل فلسطيني ومحاصرة عائلات داخل المنطقة، بالتزامن مع إجراءات عسكرية أدت إلى إخلاء فلسطينيين من منازلهم بدلاً من إخلاء المستوطنين.
وبعد أربعة أيام من اقتحام مستوطنين منزلًا فلسطينياً في قصرة وإقامة بؤرة استيطانية في ساحته، وصل إلى البلدة صباح الأربعاء عدد من كبار قادة الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، بينهم قائد القيادة الوسطى أفي بلوط، وقائد فرقة "يهودا والسامرة" يعقوب هيلر، وقائد وحدة "يهودا والسامرة" في حرس الحدود نيسو غوئيتا.
وقال الجيش الإسرائيلي إن القادة أجروا جولة في البلدة والبؤر الاستيطانية المحيطة بها، والتقوا بالعائلة الفلسطينية التي تقيم في المنزل المستهدف، واستمعوا إلى إفادتها بشأن وجود شبكتي الكهرباء والمياه في المنزل.
غير أن زيارة القادة جاءت، وفق ما كشفه السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، على خلفية طلب أميركي يتعلق بمالك المنزل الفلسطيني، الذي يحمل الجنسية الأميركية. ووصف هاكابي المستوطنين الذين اقتحموا المكان بأنهم "إرهابيون إسرائيليون".
وتزامنت زيارة القادة العسكريين مع استمرار التوتر في المنطقة، وسط انتقادات بشأن طريقة تعامل القوات الإسرائيلية مع البؤرة التي أقامها المستوطنون في ساحة المنزل الفلسطيني.
وبحسب المعطيات الواردة في التقارير الإسرائيلية، أعلن الجيش أنه اتخذ إجراءات لإخلاء المستوطنين وإزالة المنشآت التي أقيمت في الموقع، إلا أن الوقائع الميدانية التي أعقبت ذلك أظهرت استمرار وجود المستوطنين ومعداتهم في المنطقة.
وأفادت تقارير بأن أعداداً كبيرة من المستوطنين توجهت إلى محيط المنزل بعد انتشار أنباء عن محاولة إخلائهم، وأغلقت طرقاً بالحجارة ورشقت المنزل الفلسطيني بالحجارة، في وقت غادرت فيه القوات الإسرائيلية المنطقة وأعلنتها لاحقاً منطقة عسكرية مغلقة، ومنعت صحافيين من الوصول إليها.
كما أشارت التقارير إلى أن ما جرى إزالته من الموقع لم يكن البؤرة الاستيطانية نفسها، وإنما غطاءً كان يستخدمه المستوطنون، فيما أظهرت تسجيلات مصورة استمرار وجودهم في المكان.
وفي تطور موازٍ، عقد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير تقييماً للوضع في قصرة بمشاركة عدد من كبار الضباط، وأصدر توجيهات بتعزيز الانتشار العسكري في المنطقة ومنع تدهور الوضع الأمني.
وأعلن الجيش إدخال كتيبة مشاة نظامية إلى محيط قصرة بهدف تعزيز وجوده العملياتي، مع إبقاء قوات أخرى في حالة استعداد للتدخل إذا تطلب الوضع ذلك.
لكن هذه الإجراءات أثارت تساؤلات حول طبيعة الدور الذي تؤديه القوات الإسرائيلية في مواجهة المستوطنين، في ظل استمرار البؤرة الاستيطانية، مقابل استخدام الانتشار العسكري لضبط تحركات الفلسطينيين ومنع احتمال اندلاع مواجهات داخل البلدة.
وفي تطور أثار انتقادات واسعة، أُجبرت نحو 20 عائلة فلسطينية في قصرة على إخلاء منازلها، فيما تلقت العائلات المحاصرة في المنزل الذي أقيمت البؤرة الاستيطانية في ساحته تعليمات بمغادرة المكان، بذريعة تنفيذ نشاط عسكري يستمر عدة أيام لمنع الاحتكاك بين الفلسطينيين والمستوطنين.
ويرى منتقدون لهذه الإجراءات أن إخلاء السكان الفلسطينيين بدلاً من إزالة البؤرة الاستيطانية يخلق واقعاً ميدانياً يصب في مصلحة المستوطنين، خصوصاً مع استمرار إقامة البؤر الجديدة في مناطق مختلفة من الضفة الغربية.
وتأتي أحداث قصرة في سياق أوسع من التوسع الاستيطاني في الضفة، وسط تحركات إسرائيلية تستهدف تعزيز السيطرة على الأراضي الفلسطينية وتوسيع نطاق المستوطنات والبؤر الاستيطانية.
كما تتزامن التطورات مع تصريحات لوزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، المسؤول عن ملف الاستيطان، بشأن توسيع النشاط الاستيطاني في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، بما في ذلك مناطق تقع ضمن المنطقتين "أ" و"ب" وفق ترتيبات اتفاق أوسلو.
وتحذر جهات فلسطينية ودولية من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تغيير تدريجي في الواقع الديموغرافي والجغرافي للضفة الغربية، عبر الاستيلاء على الأراضي وإقامة البؤر الاستيطانية ومحاصرة التجمعات الفلسطينية.
كما يثير استمرار هذه الإجراءات مخاوف من اتساع دائرة الاعتداءات وارتفاع احتمالات المواجهة في القرى والبلدات الفلسطينية، في ظل تزايد هجمات المستوطنين وتراجع قدرة السكان على الوصول إلى أراضيهم وممتلكاتهم.
وتكتسب قصرة أهمية خاصة في هذا السياق، إذ تحولت خلال الأيام الأخيرة إلى نموذج للتوتر المتصاعد بين الفلسطينيين والمستوطنين، حيث تتداخل الاعتداءات الميدانية مع إجراءات عسكرية وإدارية قد تترك آثاراً طويلة الأمد على السكان والأرض.
وفي الوقت الذي يعلن فيه الجيش الإسرائيلي أنه يسعى إلى منع التصعيد والحفاظ على "النظام والسيطرة العملياتية"، فإن استمرار وجود المستوطنين في موقع البؤرة وإخلاء فلسطينيين من منازلهم يطرح تساؤلات متزايدة حول الجهة التي تدفع ثمن هذه الإجراءات، وما إذا كانت ستسهم فعلياً في خفض التوتر أم ستؤدي إلى مزيد من التصعيد في الضفة الغربية.






