وكالات - لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستخدام حق النقض «الفيتو» ضد التشريعات التي يطرحها الديمقراطيون، في خطوة تعكس تصاعد المواجهة السياسية بين البيت الأبيض وخصومه داخل الكونغرس، وتؤكد تمسك الرئيس باستخدام صلاحياته الدستورية لمنع تمرير القوانين التي لا تتوافق مع توجهاته.
لكن امتلاك الرئيس الأميركي حق النقض لا يعني امتلاكه سلطة مطلقة على العملية التشريعية، إذ يضع الدستور الأميركي مجموعة من القيود والضوابط التي تحول دون استخدام الفيتو باعتباره وسيلة لفرض إرادة البيت الأبيض على السلطتين التشريعية والتنفيذية.
وبينما يستطيع ترامب إعادة مشروعات القوانين التي يرفضها إلى الكونغرس، فإن المشرعين يمتلكون بدورهم أدوات دستورية وسياسية لمواجهة قراراته، تشمل تجاوز الفيتو، وممارسة الرقابة البرلمانية، والتحكم في الاعتمادات المالية، والموافقة على التعيينات الرئاسية.
وفي هذا السياق، تبرز 6 حدود رئيسية تكشف نطاق سلطة الرئيس الأميركي في استخدام حق النقض.
1- الفيتو يعطل القوانين ولا يمنح ترامب سلطة التشريع منفردا
يمنح الدستور الأميركي الرئيس صلاحية رفض مشروع قانون وافق عليه مجلسا الكونغرس، النواب والشيوخ، وإعادته إلى المجلس الذي بدأ منه، مصحوبا بالأسباب التي دفعته إلى الاعتراض عليه.
لكن هذه الصلاحية تقتصر على منع صدور التشريع بصيغته المعروضة، ولا تمنح الرئيس حق إصدار قانون بديل من تلقاء نفسه أو إجبار المشرعين على تبني السياسات التي يريدها.
وبمعنى آخر، يستطيع ترامب تعطيل مشروع قانون لا يتفق مع توجهاته، لكنه لا يستطيع استخدام الفيتو لإقرار برنامجه السياسي دون المرور بالإجراءات التشريعية التي يحددها الدستور.
ولا تتوقف أهمية هذه الأداة عند استخدامها فعليا، إذ يمكن للتهديد الرئاسي بالفيتو أن يؤثر في المفاوضات داخل الكونغرس، ويدفع المشرعين إلى تعديل بعض بنود مشروعات القوانين قبل إرسالها إلى البيت الأبيض، تجنبا لمواجهتها بالرفض.
وبذلك يمثل الفيتو وسيلة ضغط تفاوضية مهمة، لكنه لا يتحول إلى تفويض مفتوح يسمح للرئيس بالتحكم منفردا في التشريع.
2- أغلبية الثلثين في الكونغرس تستطيع تجاوز الفيتو
لا يمثل رفض الرئيس لمشروع قانون نهاية المسار التشريعي، إذ يتيح الدستور للكونغرس تجاوز الفيتو وإقرار المشروع رغم اعتراض البيت الأبيض، شريطة الحصول على موافقة ثلثي الأعضاء المصوتين في كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ، مع توافر النصاب القانوني.
وعند اكتمال عضوية المجلسين ومشاركة جميع الأعضاء في التصويت، يتطلب تجاوز الفيتو الحصول على 290 صوتا في مجلس النواب و67 صوتا في مجلس الشيوخ.
وهذا يعني أن موافقة أغلبية بسيطة في أحد المجلسين أو كليهما لا تكفي لإبطال اعتراض الرئيس، كما أن الحصول على أغلبية الثلثين في مجلس واحد دون الآخر لا يؤدي إلى تجاوز الفيتو.
وسبق أن واجه ترامب هذا السيناريو خلال ولايته الأولى، عندما تجاوز الكونغرس اعتراضه على قانون تفويض الدفاع للسنة المالية 2021.
ففي الأول من يناير 2021، وافق مجلس النواب على تجاوز الفيتو بأغلبية 322 صوتا مقابل 87، قبل أن يقر مجلس الشيوخ الخطوة بأغلبية 81 صوتا مقابل 13.
وتكشف هذه الواقعة أن الفيتو، رغم قوته، لا يمثل قرارا نهائيا عندما تتوافر داخل الكونغرس أغلبية واسعة قادرة على تجاوز اعتراض الرئيس.
3- لا يستطيع ترامب تعطيل التحقيقات البرلمانية أو إجراءات عزله
من أبرز القيود المفروضة على سلطة الفيتو أنها لا تمتد إلى التحقيقات التي يجريها الكونغرس أو جلسات الاستماع البرلمانية، إذ يستطيع المشرعون بدء التحقيقات وممارسة صلاحيات الرقابة على الإدارة الأميركية دون الحاجة إلى موافقة الرئيس.
وبالتالي، لا يمكن لترامب استخدام حق النقض لمنع مجلس النواب أو مجلس الشيوخ من استدعاء المسؤولين أو طلب المعلومات أو فتح تحقيقات تتعلق بأداء الإدارة والقرارات الحكومية.
لكن البيت الأبيض قد يلجأ إلى وسائل قانونية أخرى للاعتراض على بعض مطالب الكونغرس، من بينها التمسك بما يعرف بـ«الامتياز التنفيذي»، الذي تستخدمه الإدارات الرئاسية لحماية بعض الاتصالات والمعلومات الداخلية من الكشف.
ومع ذلك، يظل الامتياز التنفيذي مسألة دستورية وقانونية مستقلة عن الفيتو، وقد يتحول الخلاف بشأنه إلى مواجهة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية أمام القضاء.
كما لا يستطيع الرئيس نقض إجراءات عزله أو تعطيلها باستخدام صلاحياته الرئاسية.
فالدستور يمنح مجلس النواب سلطة توجيه الاتهام إلى الرئيس بأغلبية بسيطة، بينما يتولى مجلس الشيوخ إجراء المحاكمة، وتتطلب إدانة الرئيس وعزله موافقة ثلثي الأعضاء الحاضرين في المجلس.
وهذه الإجراءات الدستورية لا تُعرض على الرئيس للتوقيع أو الاعتراض، ما يجعلها خارج نطاق سلطة النقض الرئاسية.
4- لا يستطيع فرض مرشحيه على مجلس الشيوخ
تواجه سلطة ترامب حدودا أخرى في ملف التعيينات، خصوصا المناصب التي يشترط الدستور موافقة مجلس الشيوخ عليها.
وتشمل هذه المناصب قضاة المحكمة العليا والسفراء وعددا من كبار المسؤولين الفيدراليين، إذ يستطيع الرئيس ترشيح الأسماء التي يراها مناسبة، لكن تعيينها يتطلب الحصول على موافقة مجلس الشيوخ وفقا للإجراءات الدستورية.
وفي حال رفض المجلس أحد المرشحين، أو امتنع عن التصويت بشأنه، لا يستطيع ترامب استخدام الفيتو لإجبار أعضاء المجلس على الموافقة.
ويعني ذلك أن صلاحيات الرئيس في اختيار المسؤولين تظل مرتبطة بدور مجلس الشيوخ الرقابي، الذي يمتلك القدرة على قبول الترشيحات أو رفضها، بما يشكل أحد أهم أدوات التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
5- لا يمنحه الفيتو أموالا رفض الكونغرس تخصيصها
يمثل الإنفاق الحكومي أحد أبرز مجالات المواجهة بين البيت الأبيض والكونغرس، خصوصا أن الرئيس لا يستطيع استخدام حق النقض للحصول على التمويل الذي يريده أو إنفاق أموال لم يوافق المشرعون على تخصيصها.
فرغم قدرة ترامب على رفض مشروع قانون للإنفاق، فإن هذا الرفض لا يؤدي تلقائيا إلى اعتماد الميزانية التي اقترحها البيت الأبيض، ولا يمنح الإدارة سلطة سحب الأموال من الخزانة دون سند قانوني.
ويشترط الدستور الأميركي وجود اعتماد مالي يقره الكونغرس قبل إنفاق الأموال العامة، ما يجعل المشرعين أصحاب دور أساسي في تحديد أولويات التمويل الحكومي وتخصيص الموارد للبرامج والوزارات المختلفة.
وقد يؤدي تعثر المفاوضات بشأن الاعتمادات المالية إلى توقف بعض الأنشطة الحكومية، إذا انتهت صلاحية التمويل المتاح دون إقرار تمويل جديد، باستثناء الأنشطة التي يسمح القانون باستمرارها.
وفي هذه الحالة، قد تتحول المواجهة بين البيت الأبيض والكونغرس إلى أزمة إغلاق حكومي، بدلا من تحقيق انتصار سياسي واضح لأي من الطرفين.
ولا تسمح الصلاحيات الرئاسية أيضا باستخدام ما يعرف بـ«الفيتو الجزئي» (Line-item Veto)، الذي كان سيسمح للرئيس بإلغاء بنود محددة من مشروع قانون مع الإبقاء على بقية أحكامه.
فقد قضت المحكمة العليا الأميركية عام 1998 بعدم دستورية القانون الذي منح الرئيس هذه الصلاحية، وبذلك يظل الفيتو الدستوري موجها إلى مشروع القانون بأكمله، وليس إلى بنود منفردة يختارها الرئيس.
6- الدستور يحدد مهلة زمنية للقرار الرئاسي
لا يستطيع الرئيس الأميركي إبقاء مشروعات القوانين معلقة إلى أجل غير محدد، إذ يمنحه الدستور مهلة تبلغ 10 أيام، باستثناء أيام الأحد، لاتخاذ قرار بشأن المشروع بعد إحالته إليه.
وخلال هذه الفترة، يمكن للرئيس توقيع مشروع القانون ليصبح نافذا، أو إعادته إلى الكونغرس مع توضيح أسباب الاعتراض عليه.
وإذا لم يوقع الرئيس المشروع ولم يُعده خلال المهلة الدستورية، يصبح قانونا دون الحاجة إلى توقيعه، بشرط استمرار انعقاد الكونغرس وإمكانية إعادة المشروع إليه.
لكن الدستور يحدد استثناء يتعلق بانتهاء انعقاد الكونغرس خلال فترة الأيام العشرة، بما يمنع إعادة المشروع إلى المجلس الذي أقره.
وفي هذه الحالة، يستطيع الرئيس الامتناع عن توقيع المشروع، ليسقط تلقائيا، فيما يعرف باسم «فيتو الجيب» (Pocket Veto).
ولا يمكن استخدام هذه الآلية لمجرد تأجيل اتخاذ القرار أو إبقاء التشريع معلقا، بل ترتبط تحديدا بالظروف التي يتعذر فيها إعادة مشروع القانون إلى الكونغرس بسبب انتهاء انعقاده.
الفيتو ورقة تفاوضية لا سلطة مطلقة
تكشف القيود الدستورية أن حق النقض يمنح ترامب نفوذا مهما في مواجهة خصومه السياسيين داخل الكونغرس، لكنه لا يلغي الصلاحيات المستقلة التي يتمتع بها المشرعون، ولا يحول الرئيس إلى صاحب الكلمة الأخيرة في جميع الملفات السياسية والتشريعية.
فبينما يستطيع البيت الأبيض تعطيل القوانين التي لا تحظى بموافقته، يظل الكونغرس قادرا على تجاوز الفيتو بأغلبية الثلثين، وممارسة التحقيقات والرقابة، والتحكم في الاعتمادات المالية، إلى جانب دوره في المصادقة على التعيينات الرئاسية.
وتعني هذه المعادلة أن المواجهة بين ترامب والديمقراطيين لا تحسم بمجرد التلويح باستخدام الفيتو، وإنما تتوقف على موازين القوى داخل المجلسين، وقدرة كل طرف على حشد الأصوات وبناء التوافقات السياسية.
وفي حال غياب الاتفاق، قد تتجه العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس إلى مزيد من التعطيل المتبادل، سواء عبر إسقاط التشريعات أو عرقلة التمويل أو إطالة أمد المواجهات السياسية.
وبذلك، يستطيع ترامب استخدام الفيتو لمنع خصومه من تمرير بعض سياساتهم، لكنه لا يستطيع الاعتماد عليه وحده لفرض سياساته أو تجاوز القيود التي وضعها الدستور الأميركي للفصل بين السلطات.







