باريس - أطلقت زعيمة اليمين الفرنسي المتطرف مارين لوبان حملتها للانتخابات الرئاسية، الأحد، مقدمةً نفسها باعتبارها المرشحة القادرة على استعادة النظام والوحدة في فرنسا، التي وصفتها بأنها تواجه اضطرابات وتراجعًا على مستويات متعددة، وفق ما نقلته صحيفة «فاينانشال تايمز».
وخلال تجمع انتخابي في مدينة أورليان، تبنت لوبان نبرة متفائلة، متعهدة بإعادة فرنسا إلى مجدها السابق، في خطاب جاء بينما تواجه البلاد احتجاجات متواصلة وتحديات اقتصادية وأمنية تضغط على حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون.
وقالت لوبان أمام نحو 8500 من أنصارها: «حتى لو كانت الكلمات التي تتبادر إلى أذهاننا اليوم هي الخراب والتراجع والمحو وأعمال الشغب، بل الفوضى والانحلال والاختفاء، فإننا نؤمن بالإنسانية وبشعبنا وبفرنسا، وبالتالي بالمستقبل؛ وهو مستقبل يجب أن نستعيده من أجل أطفالنا».
وأضافت أن الفرنسيين بحاجة إلى استعادة الثقة بأنفسهم وبقدرتهم على التعامل مع الأحداث المتلاحقة والسيطرة عليها، في إشارة إلى الأزمات التي تشهدها البلاد والاحتجاجات التي تحولت إلى تحدٍ سياسي للحكومة.
وتطرقت زعيمة حزب «التجمع الوطني» بصورة غير مباشرة إلى الاحتجاجات التي اندلعت في 17 أكتوبر/تشرين الأول، وتصاعدت إلى أعمال عنف ونهب، وأدخلت الحكومة في أزمة.
خفض الضرائب ودعم الصناعة ورفض رفع سن التقاعد
على الصعيد الاقتصادي، تعهدت لوبان بضبط الإنفاق العام وخفض الضرائب المفروضة على الشركات، إلى جانب تقليص البيروقراطية وتعزيز الصناعة والابتكار والاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
كما أكدت رفضها أي زيادة إضافية في سن التقاعد، في موقف يستهدف الاستجابة لمطالب اجتماعية تمثل أحد محاور الجدل السياسي في فرنسا.
وتطرح لوبان هذه التعهدات في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطًا اقتصادية، تشمل تعثر النمو وموجة بيع للسندات الفرنسية في الأسواق، بحسب «فاينانشال تايمز»، وسط استياء شعبي من تكاليف المعيشة وأداء الحكومة.
وفي ملف الهجرة والأمن، تبنت لوبان موقفًا متشددًا، متعهدة باستعادة الرقابة على الحدود وترحيل المجرمين الأجانب فورًا، إلى جانب اتخاذ إجراءات صارمة ضد العصابات وتجار المخدرات.
ويشكل تشديد الهجرة والأمن أحد المحاور الرئيسية في خطاب حزب «التجمع الوطني»، الذي تسعى لوبان منذ سنوات إلى توسيع قاعدته الانتخابية وجعله أكثر جاذبية خارج دائرته التقليدية المناهضة للهجرة.
احتجاجات تضغط على حكومة ماكرون
تأتي الحملة الانتخابية في وقت تكافح فيه الحكومة الفرنسية والرئيس إيمانويل ماكرون لاحتواء سلسلة من الأزمات، تشمل الاضطرابات الاجتماعية والضغوط الاقتصادية وتصاعد التوترات الأمنية.
وكان طلاب المدارس الثانوية قد أطلقوا شرارة الاحتجاجات في سبتمبر/أيلول، اعتراضًا على تدهور أوضاع التعليم، قبل أن تتسع التحركات لتشمل مطالب اجتماعية أوسع، من بينها الاعتراض على ارتفاع تكاليف المعيشة والتعبير عن الاستياء من ماكرون.
وزادت حادثة إطلاق نار وقعت الجمعة من حدة التوتر، بعدما قتل مسلح رجلًا وأصاب خمسة آخرين بالقرب من باريس. ووصف الرئيس الفرنسي الهجوم بأنه ذو دوافع عنصرية، فيما قال رئيس البلدية إن المستهدفين كانوا من المسلمين وأصحاب البشرة السمراء.
وفي المقابل، تجنبت فرنسا خلال عطلة نهاية الأسبوع تكرار موجة العنف والنهب الواسعة التي شهدتها البلاد قبل أسبوع، وهو ما أتاح للمسؤولين الأمنيين التقاط الأنفاس، بحسب التقرير.
وكانت الحكومة قد نشرت أعدادًا أكبر من أفراد الشرطة، السبت، بعد إقرارها بإخفاقها في التعامل مع احتجاجات 17 أكتوبر/تشرين الأول.
وأظهر تحديث لوزارة الداخلية، صباح الأحد، أن عدد المعتقلين بلغ 1314 شخصًا، مقارنة بـ2628 معتقلًا في 17 أكتوبر. كما سُجلت إصابة 53 من أفراد الأجهزة الأمنية، مقابل 1144 إصابة في الأسبوع السابق.
إجراءات أمنية مشددة خلال تجمع أورليان
نظم حزب «التجمع الوطني» فعالية انتخابية استمرت يومين في أورليان، وسط إجراءات أمنية مشددة فرضتها السلطات المحلية بهدف منع وقوع مواجهات بين أنصار الحزب ومعارضيه.
وشملت الإجراءات إغلاق جميع الأنشطة التجارية وتعليق خدمات النقل العام، فيما انتشرت قوات الشرطة لتأمين المدينة خلال الفعالية.
وفي اليوم السابق، نظمت مجموعات من الناشطين اليساريين والنقابات العمالية مسيرة سلمية في أورليان، للتنديد بما وصفته بـ«كراهية الأجانب وسياسات الانقسام» التي يتبناها الحزب.
وبحسب التقرير، أسهم نشر نحو ثلاثة آلاف شرطي وفرض إجراءات الإغلاق في تجنب وقوع اضطرابات خلال التجمعات والتحركات الاحتجاجية.
وتعكس هذه التدابير حجم الحساسية المحيطة بالحملة الانتخابية، في ظل الانقسام السياسي والاجتماعي بشأن خطاب اليمين المتطرف وسياساته المتعلقة بالهجرة والهوية الوطنية.
استطلاعات تضع لوبان في صدارة الجولة الأولى
تدخل لوبان السباق الرئاسي وهي تحتل موقعًا متقدمًا في استطلاعات الرأي. وأظهر استطلاع أجرته مؤسستا «إيبسوس» (Ipsos) و«بي في إيه» (BVA) خلال الأسبوع الجاري أنها قد تحصل على ما بين 32% و34% من أصوات الجولة الأولى.
لكن صورة المنافسة في جولة الإعادة تظل أقل حسمًا، إذ أشارت «فاينانشال تايمز» إلى أن استطلاعات هذه المرحلة، قبل نحو ستة أشهر من الانتخابات، لا تزال محاطة بدرجة من عدم اليقين، رغم تقدم لوبان في السيناريوهات الافتراضية التي تناولها التقرير.
ولا يزال التنافس على التأهل إلى الجولة الثانية مفتوحًا أمام عدد من المرشحين. ويحظى زعيم اليسار المتطرف جان لوك ميلانشون بتأييد يبلغ 17%، فيما تتراوح نسبة تأييد رئيس الوزراء السابق المنتمي إلى اليمين إدوار فيليب بين 13% و15%، مقابل ما بين 13% و16% لرافاييل جلوكسمان، المنتمي إلى اليسار المعتدل.
ومن شأن فوز مرشحة شعبوية مناهضة للاتحاد الأوروبي برئاسة فرنسا، ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، أن يترك تداعيات سياسية واسعة داخل التكتل، وفق الصحيفة.
ورغم أن لوبان لم تعد تدعو إلى خروج فرنسا من الاتحاد الأوروبي، فإنها تتعهد بمواجهة قيادته ومؤسساته، وهو ما يثير تساؤلات بشأن مستقبل العلاقة بين باريس والتكتل الأوروبي في حال وصولها إلى قصر الإليزيه.
لوبان تسعى إلى توسيع قاعدة «التجمع الوطني»
أمضت لوبان أكثر من عشر سنوات في محاولة إعادة تشكيل صورة حزبها وتوسيع قاعدة مؤيديه، بهدف اجتذاب ناخبين جدد خارج الدائرة التقليدية المناهضة للهجرة.
وتولت زعامة الحزب عام 2011 خلفًا لوالدها، الذي أسس الحزب باسم «الجبهة الوطنية»، قبل تغيير اسمه لاحقًا إلى «التجمع الوطني».
وخلال حملتها الحالية، تسعى لوبان إلى تقديم الحزب باعتباره قادرًا على تشخيص مشكلات فرنسا وتقديم بديل سياسي للحكومات التي تعاقبت على إدارة البلاد.
كما تحاول تبديد المخاوف من أن يؤدي وصولها إلى الرئاسة إلى اندلاع احتجاجات واضطرابات، وهي مخاوف دأب اليسار، بقيادة ميلانشون، على التحذير منها.
وقالت لوبان إن «رغبتنا في توحيد الشعب الفرنسي هي ما يدفعنا إلى المضي في هذا الاتجاه»، داعية المواطنين، على اختلاف خلفياتهم ومواهبهم ووجهات نظرهم، إلى المشاركة في ما وصفته بحركة تجديد فرنسا.
وأضافت أن مشروعها يهدف إلى جمع الفرنسيين حول مستقبل مشترك، في رسالة تسعى من خلالها إلى تقديم نفسها بوصفها مرشحة قادرة على تجاوز الانقسامات السياسية والاجتماعية.
ومع تصدرها استطلاعات الجولة الأولى، تبقى قدرة لوبان على تحويل هذا التقدم إلى نتيجة انتخابية نهائية مرتبطة بتطورات الحملة ومواقف المنافسين ومآلات الأزمات التي تواجه فرنسا خلال الأشهر المقبلة.







