لندن - أرجأ رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنام الموافقة النهائية على عقد دفاعي تبلغ قيمته ملياري جنيه إسترليني، يُرجح أن تفوز به شركة «لوكهيد مارتن» الأميركية لتطوير منظومة «سكاي نت» البريطانية للاتصالات العسكرية عبر الأقمار الاصطناعية، في ظل مخاوف بشأن مستقبل الوظائف والقدرات الصناعية المحلية.
وطلب بيرنام ضمانات لحماية العمالة البريطانية والحفاظ على الخبرات الوطنية في قطاع الأقمار الاصطناعية، وسط ضغوط يمارسها اتحاد «يونايت» العمالي للإبقاء على المشروع لدى شركة «إيرباص» الأوروبية، التي تتولى العمل على المنظومة منذ عام 1974، وفق ما أوردته صحيفة «التايمز» البريطانية.
وكانت إدارة الدفاع الرقمي التابعة لوزارة الدفاع البريطانية قد فضّلت عرض «لوكهيد مارتن» على العرض المنافس الذي قدمته «إيرباص»، غير أن إتمام التعاقد لا يزال يتطلب موافقة رئيس الوزراء.
ويواجه بيرنام مهلة حتى منتصف نوفمبر المقبل لحسم المنافسة بين الشركتين، قبل انتهاء صلاحية العرضين، ما يضع الحكومة أمام قرار يجمع بين الاعتبارات الاقتصادية والصناعية ومتطلبات الأمن القومي.
ويشمل العقد تطوير منظومة «سكاي نت»، بما في ذلك تصنيع أقمار اصطناعية جديدة، وتحديث المحطات الأرضية وأنظمة الاتصالات الآمنة للقوات المسلحة البريطانية، بهدف ضمان استمرار خدمات الاتصال العسكري خلال العقود المقبلة.
مخاوف من تهديد آلاف الوظائف البريطانية
تتركز إحدى أبرز نقاط الخلاف على مستقبل العاملين في منشآت «إيرباص» بمدينة ستيفينيدج وميناء بورتسموث، اللتين تمثلان جزءاً مهماً من قاعدة صناعة الأقمار الاصطناعية العسكرية في بريطانيا.
ووفقاً لما أوردته «التايمز»، قد يؤدي فقدان «إيرباص» العقد إلى تهديد نحو 3 آلاف وظيفة متخصصة مرتبطة بالمشروع، فضلاً عن تداعيات محتملة على شبكة الموردين والشركات التي تعتمد على أنشطة الشركة في قطاع الصناعات الفضائية.
وتدعم أنشطة «إيرباص» في بريطانيا نحو 18 ألف وظيفة ضمن سلاسل التوريد المرتبطة بصناعة الأقمار الاصطناعية، ما يثير مخاوف من أن تتجاوز آثار القرار المنشآت التابعة للشركة وتمتد إلى مؤسسات صناعية أخرى.
وحذرت الشركة من أن خسارة العقد قد تدفعها إلى إغلاق منشأتها لتصنيع الأقمار الاصطناعية في ستيفينيدج، إلى جانب تقليص كبير في عملياتها بمدينة بورتسموث.
وفي المقابل، تعهدت «لوكهيد مارتن» بإنشاء مصنع جديد للأقمار الاصطناعية في مقاطعة دورهام شمال شرقي إنجلترا، مع توفير نحو 500 وظيفة مباشرة ودعم ما يقارب ألفي وظيفة إضافية.
لكن اتحاد «يونايت»، الذي تقوده الأمينة العامة شارون جراهام، شكك في ضمان تنفيذ المشروع الجديد، محذراً من أن خسارة وظائف صناعية قائمة قد لا تعوضها الوعود بتوفير فرص عمل مستقبلية.
ويعكس هذا الخلاف تبايناً في تقييم الأثر الاقتصادي لكل عرض؛ إذ تركز «إيرباص» على الحفاظ على قاعدة إنتاج وخبرات قائمة، بينما تراهن «لوكهيد مارتن» على إنشاء منشآت جديدة وجذب استثمارات إلى شمال شرقي إنجلترا.
السيادة على الاتصالات العسكرية في صلب المنافسة
لا يقتصر الجدل حول العقد على الوظائف والاستثمارات، بل يمتد إلى مستقبل استقلالية بريطانيا في إدارة البنية التحتية للاتصالات العسكرية، ومدى اعتمادها على التكنولوجيا والشركات الأميركية في تشغيل أنظمة حساسة للأمن القومي.
وتؤدي منظومة «سكاي نت» دوراً استراتيجياً في توفير الاتصالات العسكرية الآمنة للقوات المسلحة البريطانية عبر الأقمار الاصطناعية، ومن المتوقع أن يستمر النظام المطور في دعم العمليات الدفاعية البريطانية خلال أربعينيات القرن الحالي.
وتزايدت حساسية هذه القضية في ظل النقاشات الأوروبية بشأن الاعتماد على خدمات الاتصالات الفضائية التي تخضع لسيطرة جهات خارجية، خصوصاً بعد الخلافات المتعلقة بإمكانية وصول القوات الأوكرانية إلى خدمات اتصالات أميركية، من بينها شبكة «ستارلينك» المملوكة لإيلون ماسك.
وأثارت هذه التطورات تساؤلات بشأن قدرة الدول الأوروبية على ضمان استمرار اتصالاتها الحيوية في أوقات الأزمات، ومدى امتلاكها بدائل مستقلة عن الأنظمة التي تديرها شركات خارجية.
وفي رسالة بعث بها إلى بيرنام خلال أكتوبر، حذر الرئيس التنفيذي لشركة «إيرباص»، جيوم فوري، من أن إسناد عقد «سكاي نت» إلى «لوكهيد مارتن» قد يضعف موقع بريطانيا في صناعة الأقمار الاصطناعية العسكرية الأوروبية لعقود مقبلة.
وأشار فوري إلى أن خسارة الشركة أعمالها في هذا القطاع داخل بريطانيا قد تهدد طموح البلاد للتحول إلى مركز أوروبي رئيسي للاتصالات العسكرية الفضائية.
وتأتي هذه التحذيرات بالتزامن مع تحركات أوروبية لدمج الأنشطة الفضائية لشركات «إيرباص» و«تاليس» و«ليوناردو»، بهدف إنشاء كيان قادر على منافسة الشركات الأميركية الكبرى وتعزيز القدرات الصناعية والتكنولوجية الأوروبية.
«لوكهيد مارتن» تدافع عن عرضها وتتعهد باستثمارات محلية
في المقابل، تؤكد «لوكهيد مارتن» أن عرضها من شأنه تعزيز القدرات الفضائية السيادية لبريطانيا، عبر الاستثمار في منشآت صناعية جديدة، وتوفير فرص عمل، وتوسيع مشاركة الشركات البريطانية في سلاسل التوريد.
وقالت الشركة إن فرعها البريطاني سيتولى تنفيذ المشروع، مع وجود سلطة محلية للتصميم ومهندس رئيسي في بريطانيا، بما يتيح الاحتفاظ بالخبرات الفنية اللازمة لتطوير المنظومة وتشغيلها.
كما نفت أن يؤدي اختيارها إلى إخضاع الأقمار الاصطناعية البريطانية لسيطرة الحكومة الأميركية، مشيرة إلى أن الاستثمارات المقترحة ستوفر فرصاً للتصدير وتدعم تطوير قطاع الصناعات الفضائية في المملكة المتحدة.
ويحظى العرض بدعم بعض السياسيين في شمال شرقي إنجلترا، الذين يرون أن إنشاء المصنع المقترح قد يجذب استثمارات صناعية متقدمة ويوفر وظائف متخصصة في المنطقة.
في المقابل، يطالب نواب يمثلون بورتسموث وستيفينيدج بالحفاظ على القدرات الصناعية القائمة، محذرين من أن نقل المشروع إلى شركة أخرى قد يهدد خبرات تراكمت على مدى عقود، ويؤثر في منظومة الموردين المرتبطة بها.
وبذلك، يتجاوز الخلاف المقارنة بين عرضين تجاريين، ليشمل تقييم قدرة كل شركة على توفير الوظائف، والحفاظ على الخبرات الوطنية، وتوسيع التصنيع المحلي، وضمان أمن الاتصالات العسكرية على المدى الطويل.
وزارة الدفاع تؤكد استمرار تقييم العرضين
أكدت وزارة الدفاع البريطانية أن إجراءات المنافسة لا تزال مستمرة، وأنه لم يُتخذ قرار نهائي بشأن الشركة التي ستتولى تنفيذ المشروع، وفقاً لما نقلته «التايمز».
وأوضحت الوزارة أن العرضين يخضعان للتقييم وفق المعايير المعتمدة، وأن الشركة الفائزة ستكون ملزمة بتجميع الأقمار الاصطناعية ودمج أنظمتها واختبارها داخل بريطانيا، مع الحفاظ على القدرات الفنية والتكنولوجية الأساسية المرتبطة بالأمن القومي.
وكان من المقرر حسم المنافسة خلال الصيف الماضي، قبل تأجيل القرار إلى موعد يُتوقع أن يكون بحلول منتصف نوفمبر المقبل.
وتضع المهلة المحددة الحكومة أمام ضرورة الموازنة بين الحفاظ على قاعدة صناعية دفاعية قائمة، وجذب استثمارات جديدة، وضمان استمرار القدرات الوطنية اللازمة لتشغيل منظومة الاتصالات العسكرية وتطويرها.
قرار «سكاي نت» اختبار للسياسة الصناعية والأمنية البريطانية
تواجه حكومة بيرنام مفاضلة بين مسارين: الاستمرار مع «إيرباص» بما يعنيه ذلك من الحفاظ على منشآت وخبرات صناعية قائمة، أو اختيار «لوكهيد مارتن» التي تتعهد بإقامة مصنع جديد وتوفير فرص عمل إضافية.
وتتداخل في القرار اعتبارات حماية العمالة وسلاسل التوريد مع متطلبات الأمن القومي والاستقلال التكنولوجي، فضلاً عن طموحات بريطانيا في تعزيز موقعها داخل قطاع الصناعات الفضائية الأوروبية.
ومع اقتراب الموعد النهائي للاختيار، ستظل الضمانات المتعلقة بالوظائف والتصنيع المحلي والسيطرة الفنية على المنظومة من أبرز العوامل المطروحة أمام الحكومة قبل إقرار العقد.
ولم يُحسم بعد اسم الشركة الفائزة، لكن القرار المرتقب سيحدد جانباً مهماً من مستقبل صناعة الأقمار الاصطناعية العسكرية في بريطانيا، ويكشف كيفية موازنة الحكومة بين جذب استثمارات جديدة والحفاظ على القدرات الصناعية والاستراتيجية القائمة.







