رام الله - عقدت وزارتا الخارجية والمغتربين والعمل، اليوم الخميس، جلسة إحاطة مشتركة لسفراء دولة فلسطين ورؤساء البعثات الدبلوماسية الفلسطينية في الخارج، بهدف تكثيف التحركات الدبلوماسية لحماية حقوق العمال الفلسطينيين، وتوسيع فرص التشغيل والتدريب، وتعزيز حضور قضيتهم على المستوى الدولي.
وشاركت في الجلسة وزيرة الخارجية والمغتربين فارسين شاهين، ووزيرة العمل إيناس العطاري، التي استعرضت تداعيات الأزمة المتفاقمة التي يواجهها سوق العمل الفلسطيني، والخسائر الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن حرمان أعداد كبيرة من العمال من الوصول إلى أماكن عملهم، إلى جانب جهود الوزارة لحماية حقوقهم وتوفير فرص جديدة للتشغيل.
وبحثت الجلسة الدور المطلوب من السفارات والبعثات الدبلوماسية الفلسطينية في حشد الدعم الدولي، وتعزيز الشراكات مع الدول والمؤسسات الدولية والقطاع الخاص، بما يسهم في توفير فرص عمل وتدريب مهني، ويدعم قدرة العمال الفلسطينيين على مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة.
شاهين: ضرورة إبقاء قضية العمال على أجندة التواصل الدولي
وأكدت وزيرة الخارجية والمغتربين فارسين شاهين أهمية الدور الذي تضطلع به السفارات والبعثات الدبلوماسية الفلسطينية في نقل صورة موثقة عن أوضاع العمال الفلسطينيين والانتهاكات الإسرائيلية التي يتعرضون لها، وضمان بقاء قضيتهم حاضرة على أجندة التواصل السياسي والدبلوماسي مع الدول والمؤسسات الدولية.
وشددت شاهين على ضرورة توظيف العلاقات الثنائية ومتعددة الأطراف لتوسيع نطاق التضامن الدولي مع العمال الفلسطينيين، والدفاع عن حقوقهم استناداً إلى المواثيق والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
كما أكدت أهمية فتح آفاق جديدة للتعاون مع الدول والمؤسسات الدولية في مجالات التشغيل والتدريب المهني والتنمية الاقتصادية، بما يساعد على إيجاد فرص عمل إضافية أمام الفلسطينيين، ويدعم الجهود الوطنية الرامية إلى الحد من آثار الأزمة التي يعاني منها سوق العمل.
ودعت إلى استمرار التنسيق بين وزارتي الخارجية والعمل، وتزويد البعثات الدبلوماسية بمعلومات محدثة بشأن تطورات سوق العمل واحتياجاته، بما يعزز فاعلية التحركات الفلسطينية في المحافل الدولية، ويدعم جهود حماية حقوق العمال وتوسيع فرص التشغيل والتدريب.
البطالة تقترب من نصف القوى العاملة الفلسطينية
من جهتها، قالت وزيرة العمل إيناس العطاري إن سوق العمل الفلسطيني يواجه أزمة متفاقمة بفعل السياسات والإجراءات الإسرائيلية التي حرمت عشرات الآلاف من العمال من الوصول إلى أماكن عملهم، وأثرت بصورة مباشرة وغير مباشرة على مصادر رزق مئات الآلاف من الفلسطينيين.
وأوضحت أن هذه التطورات أسهمت في ارتفاع معدلات البطالة وتراجع الدخول وتفاقم الأعباء المعيشية على الأسر الفلسطينية، بالتزامن مع تراجع النشاط الاقتصادي وتعطل قطاعات إنتاجية واسعة.
وبحسب الأرقام التي عرضتها العطاري خلال جلسة الإحاطة، بلغ معدل البطالة نحو 49% على المستوى الفلسطيني خلال الربع الثاني من عام 2026، فيما وصل إلى نحو 28% في الضفة الغربية، وتجاوز 80% في قطاع غزة.
وأرجعت الوزيرة الارتفاع الحاد في البطالة إلى استمرار الحرب على قطاع غزة، وتدمير المنشآت الاقتصادية وتعطل الأنشطة الإنتاجية، إلى جانب القيود المفروضة على حركة العمال والبضائع في الضفة الغربية، وما ترتب عليها من تراجع فرص العمل وتقلص قدرة المنشآت على مواصلة نشاطها.
وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي يتعرض لها سوق العمل الفلسطيني، في ظل تراجع فرص التشغيل وازدياد أعداد الباحثين عن عمل، بما ينعكس على مستويات الدخل والقدرة الشرائية والاستقرار المعيشي للأسر.
حرمان أكثر من 140 ألف عامل من الوصول إلى أماكن عملهم
وأشارت العطاري إلى أن أكثر من 140 ألف عامل فلسطيني مُنعوا من الوصول إلى أماكن عملهم داخل الخط الأخضر منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، الأمر الذي حرمهم من مصادر دخلهم المعتادة وألقى بتداعيات واسعة على أسرهم والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بإنفاقهم.
وأضافت أن نحو 300 ألف عامل في الضفة الغربية تأثروا بصورة مباشرة وغير مباشرة نتيجة الحواجز العسكرية والإغلاقات والقيود المفروضة على الحركة والوصول إلى أماكن العمل والأسواق.
وأوضحت أن تأثير هذه الإجراءات لا يقتصر على العمال الذين فقدوا وظائفهم أو تعذر عليهم الوصول إليها، بل يمتد إلى قطاعات اقتصادية تعتمد على دخلهم وإنفاقهم، وإلى المنشآت التي تواجه صعوبات في نقل السلع والوصول إلى الزبائن ومواصلة الإنتاج.
خسائر الأجور تصل إلى 902 مليون شيقل شهرياً
وقدّرت وزيرة العمل الخسائر المرتبطة بالأجور بنحو 902 مليون شيقل شهرياً، بما يعادل قرابة 10.8 مليارات شيقل سنوياً.
وقالت إن هذه الخسائر تنعكس بصورة مباشرة على دخول الأسر الفلسطينية وقدرتها الشرائية، كما تؤثر في حركة الأسواق والنشاط الاقتصادي المحلي، نتيجة تراجع الأموال المتاحة للإنفاق على السلع والخدمات الأساسية.
وتشكل خسارة هذه الدخول ضغطاً إضافياً على الاقتصاد الفلسطيني، في وقت تواجه فيه الأسر ارتفاعاً في الأعباء المعيشية، وتواجه فيه المنشآت الاقتصادية تراجعاً في الطلب وصعوبات في التشغيل والإنتاج.
وأكدت العطاري أن معالجة الأزمة تتطلب العمل على مسارات متوازية، تشمل حماية حقوق العمال ومستحقاتهم، وتوفير فرص تشغيل بديلة، وتعزيز التدريب المهني، وتوسيع الشراكات التي يمكن أن تتيح للفلسطينيين الوصول إلى فرص عمل جديدة.
انتهاكات بحق العمال ومطالب بالمساءلة الدولية
وتطرقت العطاري إلى الانتهاكات التي يتعرض لها العمال الفلسطينيون، بما يشمل القتل والإصابات والاعتقال وسوء المعاملة، مؤكدة أن آثار هذه الممارسات لا تتوقف عند العمال أنفسهم، بل تمتد إلى أسرهم والمجتمع الفلسطيني عموماً.
وشددت على ضرورة تحرك دولي أكثر فاعلية لضمان احترام حقوق العمال الفلسطينيين، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات وفق القانون الدولي والاتفاقيات ذات الصلة.
ويأتي هذا المطلب في إطار الجهود الفلسطينية الرامية إلى إبقاء أوضاع العمال ضمن الملفات التي تتابعها الدول والمؤسسات الدولية، والعمل على توفير حماية لحقوقهم، وضمان عدم تعرضهم لممارسات تحرمهم من العمل أو تهدد سلامتهم وكرامتهم.
مساعدات بأكثر من 30 مليون شيقل لعمال غزة
وفيما يتعلق بالاستجابة الوطنية للأزمة، أوضحت العطاري أن وزارة العمل قدمت مساعدات عاجلة للعمال المتضررين في قطاع غزة تجاوزت قيمتها 30 مليون شيقل، في إطار الجهود الرامية إلى التخفيف من التداعيات الاقتصادية والإنسانية التي يواجهها العاملون وأسرهم.
وأضافت أن الوزارة بذلت جهوداً لحماية حقوق العمال ومستحقاتهم وإيراداتهم داخل الخط الأخضر، بقيمة تجاوزت 1.48 مليار شيقل، إلى جانب توفير أكثر من 8,800 فرصة تشغيل وتدريب مدفوعة الأجر.
وأشارت إلى أن هذه البرامج تستهدف دعم العمال والباحثين عن عمل، وتعزيز مشاركتهم في النشاط الاقتصادي، وتوفير مسارات بديلة تساعدهم على مواجهة فقدان الوظائف وتراجع مصادر الدخل.
وأكدت أن استمرار برامج الدعم والتشغيل والتدريب يمثل جزءاً من الاستجابة الوطنية للتحديات التي يشهدها سوق العمل، إلى جانب التحرك الدبلوماسي لحشد الموارد والشراكات اللازمة لتوسيع نطاق هذه البرامج.
استراتيجية وطنية للتشغيل حتى عام 2027
واستعرضت العطاري الاستراتيجية الوطنية للتشغيل للأعوام 2025-2027، التي تتضمن مجموعة من المسارات الهادفة إلى توسيع فرص العمل وتعزيز قدرة سوق العمل الفلسطيني على الاستجابة للاحتياجات الاقتصادية.
وتشمل الاستراتيجية تطوير برامج التدريب المهني والتقني بما يتوافق مع احتياجات سوق العمل، ودعم ريادة الأعمال والمشاريع الصغيرة، وتعزيز دور التعاونيات في توفير مصادر دخل مستدامة، إلى جانب توسيع استخدام الحلول الرقمية في خدمات التشغيل.
ومن بين المبادرات التي أشارت إليها الوزيرة منصة «JobMatch»، الهادفة إلى ربط الباحثين عن عمل بأصحاب العمل، وتسهيل الوصول إلى الفرص المتاحة وتحسين عملية المواءمة بين المهارات المطلوبة واحتياجات المنشآت.
وتسعى هذه التوجهات إلى تعزيز فرص دخول الباحثين عن عمل إلى السوق، وتطوير المهارات المهنية، ودعم المشاريع التي يمكن أن توفر فرص تشغيل جديدة، بما يساهم في تخفيف آثار الأزمة الاقتصادية وارتفاع البطالة.
دعوة للسفراء لبناء شراكات وتوسيع فرص العمل
ودعت وزيرة العمل سفراء دولة فلسطين ورؤساء البعثات الدبلوماسية إلى تكثيف التواصل مع الدول المضيفة والمؤسسات الدولية والقطاع الخاص، والعمل على بناء شراكات تتيح فرصاً إضافية للتشغيل والتدريب المهني.
كما دعت إلى استكشاف أسواق عمل مناسبة للكفاءات الفلسطينية، وحشد الدعم الدولي للبرامج الوطنية الهادفة إلى حماية العمال وتعزيز صمودهم الاقتصادي.
وأكدت أهمية الاستفادة من العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية الفلسطينية في تطوير مسارات تعاون عملية، يمكن أن توفر فرصاً مهنية جديدة وتدعم تدريب العمال وتأهيلهم وفق احتياجات الأسواق المختلفة.
وشددت شاهين، في ختام الجلسة، على ضرورة استمرار التنسيق بين الوزارتين وتحديث المعلومات المتعلقة بأوضاع العمال واحتياجات سوق العمل، بما يعزز قدرة البعثات الفلسطينية على الدفاع عن حقوقهم في المحافل الدولية، ويوسع فرص التعاون مع الدول والمؤسسات الدولية والقطاع الخاص.
وتأتي هذه التحركات في ظل أزمة اقتصادية متواصلة يواجهها العمال الفلسطينيون، مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع الدخول واتساع القيود على الحركة والعمل، ما يجعل حماية الحقوق العمالية وتوفير فرص تشغيل بديلة وتعزيز الشراكات الدولية من أبرز الملفات المطروحة أمام المؤسسات الفلسطينية.






