تل أبيب - تتصاعد في إسرائيل تكهنات بشأن احتمال أن يؤدي تصعيد أمني على جبهة واحدة أو أكثر إلى تأجيل الانتخابات المقررة في 27 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، في خطوة قد تخدم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وسط استطلاعات تشير إلى احتمال خسارته الانتخابات.
وبحسب المحلل العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، فإن نتنياهو ينظر إلى خسارة الحكم باعتبارها تهديدًا شخصيًا بالغ الخطورة، إذ يعتقد، وفق انطباعات نقلها أشخاص تحدثوا معه خلال السنوات الأخيرة، أن خروجه من السلطة قد يقود إلى إدانته في محاكمته الجنائية، وربما إلى السجن. ويختلف هذا التصور عن تقديرات عدد من المحللين القانونيين الذين يرجحون إمكان التوصل إلى صفقة مع النيابة العامة في حال خسارته الحكم.
ورأى هرئيل أن سلوك نتنياهو وتصريحاته في الفترة الأخيرة تعكس، بحسب تقديره، استعدادًا لاستخدام وسائل سياسية وإعلامية مختلفة لتحقيق أهدافه، إذا كان من شأنها إبعاد احتمال خسارته السلطة وما قد يترتب عليها.
نتنياهو يثير احتمال التصعيد وإسرائيل ترفع جهوزيتها
أشار هرئيل إلى أن نتنياهو كرر خلال الأسابيع الأخيرة التحذير من احتمال حدوث تصعيد أمني، وقال، أول من أمس، إن المؤشرات تتزايد على أن أعداء إسرائيل يخططون لعمل ما عشية الانتخابات.
وفي السياق ذاته، أفادت القناة 12 الإسرائيلية بأن نتنياهو بحث مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب احتمال شن إسرائيل هجومًا على إيران بمفردها أو بالتعاون مع الولايات المتحدة. ووفق التقرير، دعا ترامب نتنياهو إلى الاستعداد لهذا السيناريو، لكنه لم يمنحه موافقة أميركية على تنفيذ الهجوم.
من جانبه، قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، خلال زيارة إلى مقر القيادة الوسطى للجيش، إن احتمالات اندلاع مواجهة إقليمية ارتفعت، في ظل تكاثر الإنذارات على مختلف الجبهات وحساسية المرحلة الحالية.
وبحسب هرئيل، رفعت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية مستوى جهوزيتها إلى درجة عالية جدًا، واتخذت خطوات أولية تحسبًا لاحتمال التصعيد.
إيران في صلب الحسابات الأميركية والإسرائيلية
لفت هرئيل إلى أن ترامب عاد هذا الأسبوع إلى توجيه تهديدات لإيران، بعدما كان قد ألغى هجومًا عليها في بداية آب/ أغسطس. وأضاف أن الرئيس الأميركي كان يميل، حتى وقت قريب، إلى تجنب شن هجوم قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، المقررة بعد أسبوع من الانتخابات الإسرائيلية.
لكن المحلل أشار إلى تقارير استخباراتية حديثة تتحدث عن استئناف إيران أنشطة في مجالات مرتبطة ببرنامجها النووي وتطوير الصواريخ البالستية.
وفي المقابل، اتهم هرئيل نتنياهو بتفسير المعلومات الاستخباراتية بما يخدم أهدافه السياسية، مشيرًا إلى أن مصادر أمنية إسرائيلية عدة لا ترى أن الوضع يتضمن ضرورة ملحة لشن هجوم خلال الأيام المتبقية قبل الانتخابات.
واعتبر أن أي تحرك عسكري ضد إيران يتوقف بدرجة أساسية على مواقف ترامب وزامير، إذ لا يمكن، بحسب تقديره، تنفيذ هجوم من دون دور حاسم لهما. كما أشار إلى أن ترامب حافظ على مسافة من نتنياهو، وامتنع حتى الآن عن إعلان دعمه علنًا قبيل الانتخابات.
وعزا هرئيل هذا التباعد جزئيًا إلى خيبة أمل ترامب من عدم تحقق توقعات نتنياهو بشأن احتمال سقوط النظام الإيراني، مع الإشارة إلى أن رئيس الحكومة الإسرائيلية مارس تأثيرًا كبيرًا على الرئيس الأميركي قبل تعقد الحرب الأخيرة في إيران.
زامير بين القرار العسكري والحسابات السياسية
استعاد هرئيل أحداثًا من عام 2025، قال إنها أظهرت قدرة زامير على تأخير تنفيذ مطالب عسكرية لم يكن يؤيدها. وذكر أن نتنياهو كان قد طالب باحتلال شمالي قطاع غزة بدلًا من المضي في صفقة لإعادة الرهائن، قبل أن تأمر الحكومة بعملية لاستهداف قيادة حركة حماس في قطر، انتهت بقصف الدوحة وفشل العملية، وفق روايته.
وأضاف أن ترامب غضب من العملية، ثم فرض بعد نحو شهر اتفاقًا نهائيًا على نتنياهو. ورأى هرئيل أن موقف زامير وخطوات ميدانية هدفت إلى تأخير العملية العسكرية في شمالي القطاع أسهما في الوصول إلى تلك النتيجة.
وبناء على ذلك، اعتبر هرئيل أن زامير قد يجد نفسه أمام مسؤولية صعبة إذا صدرت تعليمات بشن هجوم على إيران، بينما كانت لديه شكوك في أن الدافع وراء القرار هو الخوف من خسارة الانتخابات. وقال إن رئيس الأركان سيكون مطالبًا، في هذه الحالة، بالتعبير علنًا عن موقفه واتخاذ خطوات غير مسبوقة، ما يضعه بين ضغوط القيادة السياسية ومسؤولياته العسكرية.
احتمال التصعيد بعد الانتخابات
أشار هرئيل إلى أن شن هجوم على إيران بعد الانتخابات يظل احتمالًا قائمًا، مستشهدًا بما جرى في أيار/ مايو 2021، حين شنت إسرائيل عملية «حارس الأسوار» في قطاع غزة، بعد الانتخابات التي جرت في آذار/ مارس من العام نفسه، بينما كان نتنياهو يتنافس مع نفتالي بينيت ويائير لبيد على تشكيل الحكومة.
وأضاف أن حدوث فوضى أمنية في حال أفضت الانتخابات إلى نتائج غير حاسمة قد يصعّب على غادي آيزنكوت تشكيل حكومة، خصوصًا إذا اعتمدت على دعم أحزاب عربية من خارج الائتلاف الحكومي.
وبحسب هذا التقدير، فإن تداعيات التصعيد المحتمل لا تقتصر على الجبهة العسكرية، بل قد تمتد إلى مفاوضات تشكيل الحكومة وتوازنات القوى داخل الكنيست.
الضفة الغربية مرشحة لمزيد من التوتر
إلى جانب الجبهة الإيرانية، حذّر هرئيل من احتمال تصاعد المواجهات في الضفة الغربية، على خلفية هجمات المستوطنين على الفلسطينيين، ولا سيما المزارعين خلال موسم قطف الزيتون.
وقال إن هذه الهجمات تتكرر يوميًا، منتقدًا أداء الجيش الإسرائيلي والشرطة وجهاز الأمن العام «الشاباك»، ومعتبرًا أن هذه الجهات لا تبذل جهودًا كافية لوقف اعتداءات المستوطنين.
ورأى هرئيل أن المؤشرات لا توحي بانحسار التوتر في الضفة الغربية والقدس الشرقية قبل الانتخابات، بل إن استمرار الاعتداءات قد يفاقم الوضع الميداني ويزيد احتمالات اندلاع مواجهات أوسع.
وختم المحلل تحليله بالتحذير من أن بعض الأطراف قد ترى في إشعال الوضع الأمني وسيلة للتأثير على المشهد السياسي، بما في ذلك خلق ظروف قد تُستخدم للدفع نحو تأجيل الانتخابات، وإن ظل ذلك في إطار الاحتمالات والتكهنات التي تناولها تحليله.







