نيويورك - أظهر تقرير الوظائف الصادر عن مكتب إحصاءات العمل الأميركي، يوم الجمعة 6 نوفمبر، تحسناً ملحوظاً في سوق العمل خلال أكتوبر 2026، بعدما أضاف الاقتصاد 165 ألف وظيفة، بزيادة بلغت نحو 100 ألف وظيفة مقارنة بتوقعات خبراء الاقتصاد.
كما تراجع معدل البطالة بصورة غير متوقعة إلى 4.1%، في مؤشر على تحسن نسبي واسع النطاق في أوضاع سوق العمل، رغم استمرار بعض التحديات المرتبطة بمدة البحث عن وظائف واتجاهات التوظيف في قطاعات محددة.
وتكشف بيانات التقرير عن أربعة اتجاهات رئيسية ترسم صورة أكثر تفصيلاً لسوق العمل الأميركي، تشمل دور العمال المولودين في الخارج، وتعافي الصناعات التحويلية، وارتفاع مدة البطالة، إلى جانب التأثيرات المتباينة لتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي.
العمال المولودون في الخارج يقودون نمو التوظيف
كان العمال المولودون خارج الولايات المتحدة المحرك الأبرز للزيادة الأخيرة في معدلات المشاركة بالقوة العاملة والتوظيف، بعدما شهدت سوق العمل الأميركية تراجعاً ملحوظاً في حجم القوة العاملة خلال السنة الأولى من عودة الرئيس دونالد ترامب إلى منصبه.
وربط خبراء اقتصاد هذا الانخفاض بخروج أعداد كبيرة من العمال الأجانب من سوق العمل، في ظل تشديد إدارة ترامب إجراءاتها وسياساتها المتعلقة بالهجرة.
لكن الاتجاه بدأ يتغير خلال الأشهر الأخيرة، إذ سجلت القوة العاملة زيادة قوية، خصوصاً خلال الأشهر الثلاثة الماضية.
وأظهرت بيانات مسح الأسر المضمنة في تقرير الوظائف أن جميع المكاسب الصافية في معدلات المشاركة بالقوة العاملة والتوظيف جاءت من العمال المولودين في الخارج، بينما تراجعت معدلات التوظيف والمشاركة بين العمال المولودين في الولايات المتحدة منذ يوليو 2026.
وتسلط هذه الأرقام الضوء على الدور المتزايد للعمالة الأجنبية في دعم نمو سوق العمل الأميركي، بالتزامن مع استمرار التغيرات في سياسات الهجرة وتداعياتها على حجم القوى العاملة.
الصناعات التحويلية تستعيد وظائفها بعد خسائر العام الأول
برز قطاع الصناعات التحويلية باعتباره أحد القطاعات التي بدأت تسجيل تحول إيجابي في اتجاهات التوظيف، بعدما تكبد خسائر كبيرة خلال السنة الأولى من ولاية ترامب.
فقد القطاع 93 ألف وظيفة خلال تلك الفترة، رغم فرض الإدارة الأميركية رسوماً جمركية على السلع المستوردة، في إطار مساعيها لتعزيز الإنتاج المحلي وتشجيع التوظيف داخل المصانع الأميركية.
إلا أن البيانات تشير إلى تغير هذا المسار خلال عام 2026، إذ أضاف القطاع 101 ألف وظيفة منذ ديسمبر 2025، ما رفع صافي مكاسب الوظائف الصناعية منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض إلى نحو 8 آلاف وظيفة.
ويعكس هذا التحسن بداية تعافٍ في التوظيف داخل المصانع، بعدما شهد القطاع فترة من التراجع، وإن كانت البيانات لا تزال تشير إلى أن المكاسب الإجمالية جاءت بعد تعويض خسائر سابقة.
ارتفاع مدة البطالة رغم زيادة الوظائف
على الرغم من قوة أرقام التوظيف وتراجع معدل البطالة، لا تزال مدة بقاء العاطلين عن العمل دون وظيفة تمثل أحد أبرز التحديات في السوق الأميركية.
فقد أشار التقرير إلى أن الزيادة الأخيرة في التوظيف لم تنعكس بعد على تقليص الفترة التي يقضيها الأشخاص الذين فقدوا وظائفهم في البحث عن عمل جديد.
ورغم أن عمليات التسريح لا تزال محدودة، وأن عدد الوظائف الجديدة كان كافياً لدعم انخفاض معدل البطالة، فإن متوسط مدة البطالة ارتفع إلى 27.1 أسبوع.
وباستثناء الارتفاع الاستثنائي والمؤقت الذي شهدته معدلات البطالة خلال جائحة كوفيد-19، يمثل هذا المستوى الأطول منذ نحو عشر سنوات.
وتشير هذه البيانات إلى وجود فجوة بين تحسن إجمالي أعداد الوظائف ومقدرة الباحثين عن عمل على العودة سريعاً إلى سوق العمل، إذ لا يزال بعض العاطلين يواجهون فترات انتظار طويلة قبل الحصول على فرص جديدة.
الذكاء الاصطناعي يضغط على وظائف المعلومات والمالية
فيما يتعلق بتأثير الذكاء الاصطناعي على التوظيف، لا يرى معظم خبراء الاقتصاد أن التوسع في استخدام هذه التقنيات أدى حتى الآن إلى فقدان أعداد كبيرة من الوظائف على مستوى الاقتصاد الأميركي ككل.
لكن البيانات تشير إلى وجود تأثيرات متفاوتة بين القطاعات، خصوصاً في الأنشطة الأكثر تعرضاً لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وقال مايكل بيرس، كبير خبراء الاقتصاد الأميركيين في مؤسسة «أوكسفورد إيكونوميكس»، إن قطاعي المعلومات والخدمات المالية، وهما من أكثر القطاعات تعرضاً لتأثير الذكاء الاصطناعي، واصلا مواجهة صعوبات، مع استمرار فقدان الوظائف فيهما.
في المقابل، سجل قطاع الخدمات المهنية وخدمات الأعمال أداءً مغايراً، رغم اعتماده الكبير أيضاً على أدوات الذكاء الاصطناعي، بعدما أضاف 70 ألف وظيفة خلال أكتوبر.
كما شهدت بيانات الأشهر السابقة تعديلات بالزيادة، بما يعكس قوة أكبر في التوظيف داخل القطاع مما أظهرته التقديرات الأولية.
وشملت المكاسب خدمات التوظيف المؤقت، والاستشارات الإدارية، والخدمات التقنية، ما يشير إلى أن انتشار الذكاء الاصطناعي لا يؤدي بالضرورة إلى تراجع الوظائف في جميع الأنشطة التي تستخدمه، بل تختلف انعكاساته بحسب طبيعة الخدمات والمهام المطلوبة.
تحسن الأرقام لا ينهي تحديات سوق العمل
تعكس بيانات أكتوبر صورة متباينة للاقتصاد الأميركي؛ فمن ناحية، تجاوز نمو الوظائف التوقعات وتراجع معدل البطالة، مع ظهور مؤشرات تعافٍ في الصناعات التحويلية ونمو قوي في الخدمات المهنية والأعمال.
ومن ناحية أخرى، تكشف الأرقام عن استمرار تحديات تتعلق بتراجع مشاركة العمال المولودين في الولايات المتحدة، وطول فترات البطالة، والضغوط التي تواجه بعض القطاعات الأكثر تعرضاً للتحولات التكنولوجية.
وبذلك، لا يقتصر تقييم قوة سوق العمل الأميركي على عدد الوظائف الجديدة أو معدل البطالة وحدهما، بل يتطلب متابعة توزيع مكاسب التوظيف بين فئات العمال والقطاعات الاقتصادية، ومدى قدرة الاقتصاد على استيعاب التحولات المرتبطة بالهجرة والذكاء الاصطناعي.





