وكالات - سجل إنتاج منظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك» ارتفاعاً ملحوظاً خلال أكتوبر، مقترباً من مستويات ما قبل الحرب، مع تعافي الإمدادات النفطية القادمة من منطقة الخليج العربي، بقيادة المملكة العربية السعودية، التي عززت إنتاجها وصادراتها رغم استمرار التوترات العسكرية المرتبطة بالصراع الأميركي الإيراني.
وبحسب مسح أجرته وكالة «بلومبرغ»، ارتفع إنتاج المنظمة بمقدار 930 ألف برميل يومياً خلال أكتوبر، ليصل إلى 22.8 مليون برميل يومياً، بما يعادل نحو 88% من إجمالي الكميات التي ضخها أعضاء المنظمة في فبراير الماضي.
وجاءت السعودية في مقدمة الدول المساهمة في هذه الزيادة، مستفيدة من تحسن قدرتها على نقل شحنات النفط عبر مضيق هرمز، إلى جانب استخدام مسارات التصدير البديلة على ساحل البحر الأحمر، ما ساعدها على استعادة جزء كبير من الإمدادات التي تأثرت بتداعيات الحرب والاضطرابات في المنطقة.
وفي المقابل، ساهمت زيادات الإنتاج في العراق والكويت في تعزيز إجمالي إمدادات المنظمة، بينما حدّ تراجع الإنتاج في نيجيريا وإيران من حجم التعافي، خصوصاً مع انخفاض الإمدادات الإيرانية إلى مستويات غير مسبوقة منذ عقود نتيجة الحصار البحري الأميركي.
تعافي إمدادات أوبك يضغط على أسعار النفط
وساهمت عودة كميات إضافية من النفط إلى الأسواق العالمية في تخفيف الضغوط على الأسعار، بعدما سجلت مستويات مرتفعة خلال الشهر الماضي، مع تزايد المخاوف بشأن اضطرابات الإمدادات في منطقة الخليج العربي.
وتراجعت العقود المستقبلية لخام برنت خلال الأسبوع الجاري لتقترب من مستوى 98 دولاراً للبرميل، في ظل تحسن توقعات الإمدادات وتراجع المخاوف من استمرار التصعيد العسكري، بعدما أشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى احتمالات خفض التصعيد عقب هزيمة حزبه في انتخابات التجديد النصفي.
ولم يقتصر تأثير زيادة المعروض على أسواق العقود المستقبلية، بل امتد إلى سوق الشحنات النفطية الفعلية، إذ سجلت أسعار التداول الفوري للخام انخفاضات حادة في عدد من الأسواق، من الشرق الأوسط إلى بحر الشمال وأفريقيا.
وتُتداول الشحنات الفعلية عادة بعلاوات أو خصومات مقارنة بأسعار العقود المستقبلية، وقد تراجعت قيمتها مع تدفق إمدادات إضافية إلى الأسواق، بالتزامن مع استمرار ضعف مستويات الاستهلاك، ما زاد من الضغوط على الأسعار.
السعودية ترفع إنتاج النفط إلى 9.2 مليون برميل يومياً
استحوذت المملكة العربية السعودية على النصيب الأكبر من الزيادة في إنتاج «أوبك» خلال أكتوبر، بعدما رفعت إنتاجها بمقدار 970 ألف برميل يومياً، ليصل إلى 9.2 مليون برميل يومياً، وفقاً لمسح «بلومبرغ».
ورغم هذه الزيادة الكبيرة، لا يزال إنتاج المملكة أقل بنحو 800 ألف برميل يومياً مقارنة بالمستويات المسجلة في بداية العام، ما يعكس استمرار عملية استعادة الطاقة الإنتاجية والإمدادات التي تأثرت بالتطورات الجيوسياسية.
وعلى صعيد الصادرات، بلغ متوسط شحنات النفط السعودية نحو 7 ملايين برميل يومياً خلال أكتوبر، مقترباً من مستويات ما قبل الحرب، بحسب بيانات تتبع الناقلات التي جمعتها «بلومبرغ».
وتعكس هذه الأرقام قدرة المملكة على استعادة تدفقات النفط إلى الأسواق العالمية، مستفيدة من تعدد منافذ التصدير، بما في ذلك المسارات الممتدة عبر البحر الأحمر، وهو ما يتيح مرونة أكبر في التعامل مع الاضطرابات التي قد تؤثر على حركة الملاحة في مضيق هرمز.
وفي هذا السياق، قال أمين الناصر، الرئيس وكبير الإداريين التنفيذيين لشركة «أرامكو السعودية»، خلال مؤتمر لقطاع الطاقة عُقد في أبوظبي في وقت سابق من الأسبوع، إن الشركة تستهدف زيادة الإنتاج إلى أقصى مستوى ممكن خلال الفترة المقبلة من الربع الرابع.
وتشير تصريحات الناصر إلى توجه الشركة للاستفادة من تحسن ظروف التصدير وتعظيم الإمدادات النفطية خلال الفترة المتبقية من العام، بما يدعم استعادة مستويات الإنتاج والتصدير السابقة.
العراق والكويت يعززان إمدادات المنظمة
إلى جانب السعودية، ساهمت كل من العراق والكويت في زيادة إنتاج «أوبك» خلال أكتوبر، مع تسجيل البلدين مكاسب ملحوظة في كميات النفط الخام المنتجة.
وجاء العراق في المرتبة الثانية بين أكبر الدول المساهمة في زيادة الإنتاج، بعدما رفع ضخّه النفطي بمقدار 140 ألف برميل يومياً، ليصل إجمالي إنتاجه إلى 4.15 مليون برميل يومياً.
أما الكويت، فسجلت زيادة بلغت 130 ألف برميل يومياً، ليرتفع متوسط إنتاجها إلى مليوني برميل يومياً خلال الشهر، وفقاً للمسح.
وتعكس الزيادات المسجلة في الدول الثلاث الدور الرئيسي للمنتجين الخليجيين في استعادة إمدادات المنظمة، خصوصاً مع تحسن حركة الشحن والتصدير، وقدرة بعض الدول على الاستفادة من مسارات بديلة لنقل الخام إلى الأسواق الدولية.
إنتاج إيران يتراجع إلى أدنى مستوى منذ 1989
في المقابل، شهد إنتاج بعض أعضاء «أوبك» تراجعاً خلال أكتوبر، وكانت إيران ونيجيريا في مقدمة الدول التي سجلت انخفاضاً في الإمدادات.
وتراجع إنتاج إيران بمقدار 120 ألف برميل يومياً، ليصل إلى 1.9 مليون برميل يومياً، وهو أدنى مستوى في البيانات الشهرية التي تجمعها «بلومبرغ» منذ عام 1989، أي منذ ثلاثة عقود على الأقل.
ويأتي هذا التراجع في ظل استمرار الحصار البحري الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية، وما يفرضه من قيود على حركة تصدير النفط وقدرة طهران على إيصال شحناتها إلى الأسواق العالمية.
وأشارت بيانات صور الأقمار الاصطناعية إلى عدم رصد ناقلات نفط في محطات التحميل الرئيسية بإيران، ومن بينها جزيرة خرج، منذ أواخر أغسطس، في مؤشر على حجم التأثير الذي أحدثته القيود البحرية على عمليات تصدير الخام الإيراني.
ويضع هذا الانخفاض الإمدادات الإيرانية أمام تحديات كبيرة، خصوصاً مع استمرار القيود المفروضة على الموانئ ومسارات الشحن، وتراجع قدرة البلاد على تسويق إنتاجها النفطي خارجياً.
أوبك وحلفاؤها يستعدون لتحديد مستهدفات إنتاج 2027
وتأتي تطورات الإنتاج في وقت تستعد فيه «أوبك» وحلفاؤها لمراجعة الطاقة الإنتاجية الفنية لكل دولة عضو، تمهيداً لوضع مستهدفات الإنتاج الخاصة بعام 2027.
ومن المقرر أن يجتمع وزراء الدول المشاركة في 29 نوفمبر لمناقشة نتائج مراجعة القدرات الإنتاجية، التي ستشكل أحد العوامل الأساسية في تحديد حصص ومستهدفات الإنتاج خلال العام المقبل.
وتكتسب هذه المراجعة أهمية خاصة في ظل التغيرات التي شهدتها أسواق النفط العالمية، سواء على مستوى مستويات الإنتاج أو مسارات التصدير أو التوازن بين العرض والطلب، فضلاً عن استمرار المخاطر الجيوسياسية التي تؤثر على تدفقات الخام.
ويعتمد مسح «بلومبرغ» لتقدير إنتاج «أوبك» على مجموعة من المصادر، تشمل بيانات تتبع حركة ناقلات النفط، ومعلومات من مسؤولين في القطاع، إلى جانب تقديرات شركات استشارية متخصصة، من بينها «رابيدان إنرجي غروب» و«إف جي إي نيكسانت إي سي إيه» و«كبلر» و«ريستاد إنرجي».
وتعكس بيانات أكتوبر تحسناً واضحاً في قدرة المنظمة على استعادة إمداداتها النفطية، مع استمرار الدور المحوري للسعودية في قيادة التعافي، غير أن مسار الإنتاج خلال الأشهر المقبلة سيظل مرتبطاً بتطورات الأوضاع الجيوسياسية، واستقرار حركة الملاحة في الخليج، ومستويات الطلب العالمي على النفط.





