سماح شاهين- مصدر الإخبارية
منذ نحو عامين، يتلقى محمد الغندور الطرود الغذائية التي تصل إلى الأسر في قطاع غزة، لكنه بات يعرف محتوياتها قبل أن يفتحها فغالبًا ما تتكرر المعلبات والعدس والمواد الغذائية ذاتها، دون تغيير يُذكر في الأصناف أو تنويع يلبي الاحتياجات المختلفة للأسر.
ويقول الغندور لـ"شبكة مصدر الإخبارية" إن استلام الطرد لم يعد يحمل المفاجأة ذاتها، بعدما اعتادت العائلات على محتوياته المتكررة، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الأسر في غزة تحتاج إلى أصناف غذائية أكثر تنوعًا، تراعي احتياجات الأطفال وكبار السن والمرضى، بدلًا من اقتصار المساعدات على مجموعة محدودة من المواد التي تتكرر في كل مرة.
ومع استمرار توزيع الطرود بالمكونات نفسها على مدى فترات طويلة، تتراكم كميات من المعلبات والعدس داخل الخيام ومساكن النازحين، في وقت تعاني فيه الأسر من نقص في أصناف أخرى أكثر أهمية بالنسبة إليها، ما يثير تساؤلات حول مدى توافق محتويات الطرود مع الاحتياجات الفعلية للسكان.
ويصف الغندور هذا التكرار بأنه لا يعبّر عن حجم الاحتياجات الغذائية المتنوعة التي فرضتها ظروف الحرب والنزوح، موضحًا أن الأسر لا تحتاج فقط إلى الحصول على أي مواد غذائية، وإنما إلى مساعدات متوازنة ومتنوعة يمكن أن توفر لها وجبات أكثر تكاملًا، وتراعي اختلاف احتياجات أفراد الأسرة.
ويضيف أن بعض العائلات تضطر إلى الاحتفاظ بكميات من الأصناف المتكررة، بينما تبحث في المقابل عن مواد غذائية أخرى غير متوفرة في الطرود، الأمر الذي يجعل المساعدة أقل فاعلية بالنسبة إلى الأسر التي تعاني أصلًا من صعوبة في توفير احتياجاتها اليومية.
ويشير إلى أن استمرار النمط ذاته في توزيع الطرود منذ قرابة عامين يستدعي إعادة النظر في آلية تحديد محتوياتها، بحيث تستند إلى تقييم دوري لاحتياجات السكان، بدلًا من اعتماد أصناف ثابتة يجري توزيعها بصورة متكررة.
وفي ظل الظروف المعيشية الصعبة في قطاع غزة، يرى الغندور أن تنويع المساعدات الغذائية لم يعد ترفًا، بل حاجة أساسية للأسر التي تعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات لتأمين غذائها، خصوصًا مع ارتفاع معدلات الفقر وتراجع القدرة على شراء المواد الغذائية من الأسواق.
ويأمل أن تتجه الجهات المسؤولة عن توزيع المساعدات إلى الاستماع أكثر إلى ملاحظات المواطنين، وإعادة تقييم محتويات الطرود الغذائية، بما يضمن وصول مواد يحتاجها الناس فعلًا، ويمنع استمرار تكدس الأصناف نفسها داخل الخيام، بينما تبقى أصناف أخرى خارج نطاق المساعدات أو يصعب على الأسر الحصول عليها.
ظروف معيشية صعبة
تفتح سميرة زقوت الطرد الغذائي الذي يصل إلى أسرتها وهي تعرف مسبقًا تقريبًا ما ستجده في داخله أكياس من الأرز والبقوليات، إلى جانب المعلبات والزيت والطحين، وهي مواد أساسية لا تستغني عنها الأسرة في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يعيشها سكان قطاع غزة.
ورغم أهمية هذه المواد وقدرتها على توفير جزء من الاحتياجات اليومية، ترى زقوت أن محتويات الطرد لا تكفي وحدها لتأمين غذاء متوازن ومتنوع لأفراد الأسرة، خصوصًا مع غياب أصناف طازجة يحتاجها الجسم بصورة مستمرة، مثل الخضار والفواكه والبيض.
وتقول لـ"مصدر الإخبارية" إن الطرد يوفر مواد يمكن الاعتماد عليها لإعداد بعض الوجبات، لكنه لا يمنح الأسرة خيارات واسعة في إعداد الطعام، ما يجعلها مضطرة إلى البحث عن الأصناف الأخرى في الأسواق، في حال توفّر معها المال اللازم لشرائها.
وتزداد صعوبة الأمر بالنسبة للأسر التي تعتمد بصورة أساسية على المساعدات الغذائية، إذ لا تملك في كثير من الأحيان قدرة مالية تسمح لها باستكمال ما ينقصها من مواد غذائية وبينما تصل المواد الجافة والمعلبات ضمن الطرود، تبقى الخضار والفواكه والبيض وغيرها من الأصناف الطازجة مرتبطة بقدرة الأسرة على الشراء.
وتوضح زقوت أن المشكلة بالنسبة لها لا تتمثل في عدم فائدة المواد التي تحصل عليها، وإنما في محدودية تنوعها مقارنة بحجم الاحتياجات اليومية للأسرة، فوجود الأرز والطحين والزيت والبقوليات يخفف جزءًا من العبء، لكنه لا يلغي الحاجة إلى مواد أخرى لا يمكن الاستغناء عنها ضمن نظام غذائي متكامل.
ومع تكرار الاعتماد على الأصناف نفسها، تجد الأسر نفسها أمام معادلة صعبة: الاستفادة من المواد التي تصلها ضمن الطرد، ومحاولة توفير ما ينقصها من الأسواق، في وقت أصبحت فيه القدرة على شراء الغذاء مرتبطة بشكل مباشر بتوفر المال.
وتلفت إلى أن الطرد الغذائي يظل مساعدة ضرورية للأسرة، لكنه يحتاج إلى مزيد من التنوع حتى يستجيب بصورة أكبر للاحتياجات الفعلية للسكان، ولا يترك للأسر مهمة تأمين الأصناف الطازجة والأساسية من أسواق لا تستطيع جميع العائلات تحمل تكاليفها.
لا تلبي الاحتياجات
سيد الدريملي، أب لأربعة أطفال، يتلقى الطرود الغذائية التي تصل إلى أسرته، لكنه يقول إن محتوياتها لم تعد تلبي احتياجات العائلة، في ظل تكرار الأصناف نفسها وعدم إدخال تنويع يتناسب مع احتياجات الأطفال والأسر المتضررة من الحرب.
ويقول الدريملي لـ"مصدر الإخبارية" إن العائلة اعتادت منذ فترة طويلة على نمط ثابت من الطرود، غالبًا ما يضم المعلبات والعدس والأرز والبقوليات وغيرها من المواد الجافة، دون تغيير ملموس في محتوياتها، مشيرًا إلى أن هذه المواد تساعد الأسرة على توفير جزء من احتياجاتها، لكنها لا تكفي وحدها لتأمين غذاء متوازن لأطفاله الأربعة.
ويضيف أن الأطفال بحاجة إلى الخضار والفواكه وغيرها من الأصناف الغذائية الطازجة، إلى جانب احتياجات أساسية أخرى لا تتوفر عادة ضمن الطرود، معتبرًا أن المساعدات الغذائية يجب أن تراعي تنوع الاحتياجات بدلًا من التركيز على أصناف محددة تتكرر في كل مرة.
ويشير الدريملي إلى أن توفير هذه الأصناف من الأسواق ليس أمرًا سهلًا بالنسبة إلى أسرته، إذ فقد مصدر دخله خلال الحرب، ولم يعد قادرًا على شراء المواد التي لا تشملها الطرود الغذائية.
ويتابع أن الحرب لم تترك الأسرة أمام أزمة غذاء فقط، بل تسببت أيضًا في فقدان مصدر الرزق والاستقرار الذي كانت تعتمد عليه في حياتها اليومية، مضيفًا: "خسرنا كل شيء، ولم يعد لدينا مصدر دخل نعتمد عليه لتوفير احتياجات أطفالنا".
وبينما تعتمد الأسرة على ما يصلها من مساعدات لتأمين جزء من غذائها، يجد الدريملي نفسه مضطرًا إلى الاختيار بين الاحتياجات الأساسية التي لا يمكن تأجيلها، وما يستطيع تأمينه من مواد غذائية إضافية، في ظل محدودية الموارد المالية.
ويرى أن استمرار توزيع الطرود بالمكونات ذاتها لا ينسجم مع الاحتياجات المتغيرة للأسر، خصوصًا العائلات التي لديها أطفال، والتي تحتاج إلى غذاء أكثر تنوعًا يشمل المنتجات الطازجة إلى جانب المواد الأساسية.
ويطالب الدريملي بإعادة النظر في محتويات الطرود الغذائية، والاستماع إلى احتياجات الأسر المستفيدة منها، بحيث لا تقتصر المساعدات على المعلبات والعدس والمواد الجافة، وإنما تشمل أصنافًا غذائية متنوعة تساعد العائلات على توفير وجبات أكثر توازنًا لأطفالها، خصوصًا في ظل غياب مصادر الدخل وارتفاع صعوبة تأمين الغذاء من الأسواق.
مرتبطة بالتوريد والتنسيق
من جانبها، تقر وزارة التنمية الاجتماعية في غزة بوجود شكاوى من المواطنين بشأن تكرار محتويات الطرود الغذائية، ولا سيما العدس والمعلبات، وتتعامل معها باعتبارها قضية مرتبطة بمدى تنوع المساعدات وملاءمتها للاحتياجات الفعلية للأسر المستفيدة.
وتوضح المتحدثة باسم الوزارة في غزة عزيزة الكحلوت لـ"مصدر الإخبارية"، أن الوزارة ترصد حالات تكرار أو تداخل في أصناف المساعدات من خلال المتابعة الميدانية والتنسيق مع الجهات الإغاثية المختلفة، مشيرة إلى أن حجم هذه المشكلة يختلف من منطقة إلى أخرى، ومن فترة زمنية لأخرى، بحسب طبيعة التدخل والجهات المنفذة.
وبحسب الكحلوت، فإن تكرار بعض الأصناف يمثل مشكلة قائمة، لكنه لا يعني بالضرورة أنها تحدث على نطاق واسع في جميع مناطق القطاع، إذ تزداد احتمالات تكرار المساعدات في الحالات التي يكون فيها التنسيق بين الجهات المنفذة محدودًا، أو عندما تتعدد الجهات التي تقدم المساعدات للأسر نفسها دون تبادل كافٍ للمعلومات.
وتشير إلى أن تحديد الاحتياجات الغذائية للأسر لا يتم بصورة عشوائية، وإنما يستند إلى مجموعة من المعايير، من بينها بيانات الأسر المسجلة لدى الجهات المختصة، ومستويات الاحتياج والفقر، وعدد أفراد الأسرة، إلى جانب نتائج المسوحات والتقييمات الميدانية التي تُجرى لتحديد الأولويات الإنسانية.
وتضيف أن الوضع الإنساني المتغير في قطاع غزة وتوفر المواد الغذائية في الأسواق يدخلان أيضًا ضمن العوامل التي تؤخذ في الاعتبار عند تحديد طبيعة المساعدات، لافتة إلى وجود تنسيق مع الجهات الإغاثية بهدف توحيد محتويات الطرود الغذائية قدر الإمكان، والحد من تكرار الأصناف، مع تحديث الأولويات وفقًا للتغيرات في احتياجات الأسر.
وعن أسباب تكرار أصناف بعينها، توضح الكحلوت أن الأمر يرتبط في كثير من الحالات بعوامل تتعلق بالتوريد والتنسيق ودخول المساعدات إلى القطاع، أكثر من ارتباطه بغياب المواد الغذائية الأخرى بشكل كامل.
وتبين أن توحيد مواصفات الطرود، وتوفر كميات كبيرة من أصناف محددة، وتعدد الجهات الموردة والمنفذة، إضافة إلى ضعف تبادل المعلومات بينها، كلها عوامل يمكن أن تؤدي إلى تكرار بعض المواد في الطرود التي تصل إلى الأسر.
وفي المقابل، تلفت الكحلوت إلى أن نقص بعض الأصناف أو الصعوبات المرتبطة بإدخالها إلى قطاع غزة قد يضيّق خيارات الجهات المنفذة عند إعداد الطرود، لكنه ليس العامل الوحيد المسؤول عن محدودية التنوع.
وتؤكد الوزارة، وفق الكحلوت، أهمية ملاحظات المواطنين في تقييم المساعدات، مشيرة إلى أن الشكاوى المتعلقة بتكرار المحتويات تشكل إحدى الإشارات التي يمكن الاستناد إليها في مراجعة آليات توزيع المساعدات وتطوير محتويات الطرود بما يتلاءم بصورة أكبر مع الاحتياجات الفعلية للأسر.
وبينما ترى الوزارة أن تكرار بعض الأصناف لا يمثل بالضرورة ظاهرة واسعة النطاق، تكشف شهادات مواطنين عن معاناة مستمرة مع محدودية تنوع الطرود، خصوصًا لدى الأسر التي تعتمد عليها بصورة أساسية في تأمين غذائها.







