سماح شاهين- مصدر الإخبارية
لم تكن الطفلة سارة موسى ذات الأعوام الستة، تبحث عن أكثر من فرصة صغيرة لتستعيد شيئًا من حياتها التي تبدلت في لحظة، كانت تريد أن ترى وجه أمها، وتتعرف إلى ملامح والدها، وتراقب ضحكة شقيقها زين ذي الأعوام الثلاثة، وتستعيد تفاصيل عائلتها التي حفظتها قبل أن تفقد بصرها.
وبعد إصابتها، أصبحت تردد ما تحفظه من آيات القرآن الكريم بصوتها العذب، ثم ترفع دعاءها الصغير: "يارب أرجع أشوف ماما وبابا"، دون أن تعرف أن هذا الحلم البسيط سيقودها إلى رحلة علاج طويلة امتدت عامًا كاملًا وانتهت برحيلها بعيدًا عن بيتها في غزة.
في 30 ديسمبر/كانون الأول 2025، كانت سارة برفقة عائلتها خلال نزوحها من شمال قطاع غزة إلى منطقة أصداء في خان يونس، حين أصيبت داخل خيمتها برصاصة أطلقتها طائرة إسرائيلية من نوع "كواد كوبتر"، وفق رواية والدها حسن موسى.
اخترقت الرصاصة رأسها وأحدثت إصابة بالغة في الدماغ، وأفقدتها القدرة على الإبصار، لتبدأ منذ ذلك اليوم رحلة قاسية لم تكن تشبه حياة طفلة في السادسة من عمرها.
لم تعد سارة قادرة على متابعة تفاصيل يومها كما كانت، وأصبح جسدها الصغير يحتاج إلى رعاية طبية متواصلة، بينما بقيت عائلتها تتعلق بأي تحسن ولو كان بسيطًا.
أمضت سارة نحو ثلاثة أشهر في مستشفيات قطاع غزة، بين أجهزة التنفس وأقسام العناية المركزة، قبل أن تُجلى إلى الأردن بحثًا عن علاج أكثر تخصصًا.
وهناك بدأت مرحلة جديدة من المعاناة، إذ خضعت لنحو 30 عملية جراحية في الدماغ خلال فترة علاجها، في محاولة للسيطرة على المضاعفات التي لحقت بها بعد الإصابة، ولا سيما اضطراب تصريف السائل الدماغي وما نتج عنه من التهابات متكررة وحادة.
ويقول والدها إن الأطباء اضطروا إلى تغيير الأنابيب والشنط العلاجية بشكل متواصل، الأمر الذي جعل رأس الطفلة يخوض سلسلة طويلة من العمليات والإجراءات الطبية التي أنهكت جسدها الصغير.
يستعيد حسن موسى تلك الفترة بكثير من الألم، ويقول إن كل عملية كانت تحمل للعائلة احتمالين متناقضين، أملًا بأن تكون خطوة نحو إنقاذ ابنته، وخوفًا من أن تكون العملية التالية أكبر من قدرة جسدها على التحمل.
ويضيف أن العملية الأخيرة كانت الأصعب، بعدما حذر الأطباء من خطورة مضاعفاتها، لتقضي سارة بعدها أسبوعًا كاملًا في العناية المركزة، بين الحياة والموت، بينما بقيت والدتها إلى جانبها تترقب أي حركة أو استجابة تمنحها سببًا جديدًا للتمسك بالأمل.
وقبل ساعات قليلة من وفاتها، حدث ما اعتبرته العائلة علامة على تحسن حالتها فقد بدأت سارة تتمتم بكلمات خافتة وتحاول الاستماع والتفاعل مع من حولها، الأمر الذي أعاد إلى الأسرة شيئًا من الفرح بعد أشهر طويلة من الخوف.
يحكي والدها إن تلك اللحظات "جعلتنا نفرح قليلًا"، فقد اعتقدوا أن طفلتهم ربما بدأت تستعيد قوتها وأن رحلة العلاج التي أرهقتها طوال عام قد تقترب من نهايتها، لكن حالتها الصحية تدهورت بصورة مفاجئة، ولم تمضِ ساعات حتى فارقت الحياة.
رحلت سارة وهي لا تزال تحمل حلمها الصغير بأن ترى والديها من جديد، وهو الحلم الذي ظل حاضرًا في كلماتها منذ فقدان بصرها.
ويقول والدها، وهو يستعيد أيامها الأخيرة، إن ابنته كانت سعيدة مؤخرًا بنيته السفر إليها، وكانت تنتظر أن تراه، قبل أن تنتهي رحلة العلاج بوفاتها. ويضيف متألمًا: "الحمد لله على كل حال، الله اصطفى سارة بعد أن عذبت كثيرًا، واستشهدت وهي تحلم برؤيتي".
في الأردن، حيث أمضت سارة آخر أشهر حياتها بعيدًا عن غزة، وُوريت الثرى وسط حضور والدتها المفجوعة وعدد من أبناء القطاع الموجودين للعلاج في المستشفيات الأردنية.
لم تعد الطفلة بحاجة إلى أجهزة أو عمليات أو غرف عناية مركزة، لكنها تركت خلفها قصة عام كامل من الألم بدأ برصاصة أفقدتها نور عينيها، واستمر بثلاثين جراحة في الدماغ، وانتهى بوفاتها بعيدًا عن مدينتها وعائلتها، لتبقى حكايتها شاهدة على الثمن الذي يدفعه أطفال غزة، حتى أولئك الذين ينجون من الإصابة في البداية، ثم يجدون أنفسهم في مواجهة رحلة علاج طويلة لا تضمن لهم النجاة.
كانت سارة في السادسة من عمرها فقط، وكانت أمنيتها أن ترى من تحب، لكن عامًا كاملًا من العلاج لم يمنحها ما أرادته. رحلت وهي لا تستطيع رؤية وجه أمها أو أبيها، إلا أن عائلتها ستظل تتذكرها كما كانت قبل الإصابة؛ طفلة تحفظ القرآن، وتفرح بأخيها الصغير، وتحب شقيقتها، وتؤمن أن الدعاء قد يعيد إليها الضوء.
وفي النهاية، لم يعد الضوء إلى عيني سارة، لكن صوتها وهي تقول "يارب أرجع أشوف ماما وبابا" بقي آخر ما تختصر به عائلتها حكاية طفلة لم تطلب من الحرب سوى أن تعود إليها عيناها.






