خاص شبكة مصدر الاخبارية_ يقف المزارع أمين صبح بحسرة، عند أقرب نقطة للخط الأصفر تؤدي إلى مدينة بيت لاهيا، مستذكراً 20 عاماً قضاها في فلاحة الأراضي الزراعية في المدينة.
ولا يستطيع صبح الوصول إلى 10 دونمات زراعية ورثها عن والده، كان يزرعها بمحاصيل الفراولة والقمح والشعير والورد الأحمر.
ويقول صبح لشبكة "مصدر الإخبارية"، إن بيت لاهيا كانت تُعد السلة الغذائية لقطاع غزة قبل الحرب، لكنها تحولت حالياً إلى أرض قاحلة خالية من كافة أشكال الحياة، مضيفاً: "حول الاحتلال الإسرائيلي المنطقة إلى ثكنة عسكرية يُمنع الاقتراب منها عبر ما يسمى بالخط الأصفر، ولم يترك شجراً ولا حجراً في المكان".
ويقضم "الخط الأصفر" نحو 70% من أراضي قطاع غزة، التي كان معظمها يُستغل في الزراعة قبل الحرب.
ويؤكد صبح أن سيطرة الاحتلال على الأراضي الزراعية في عمق القطاع أدخلت آلاف العاملين في هذا القطاع دائرَتي البطالة والفقر، وحوّلت غزة من دائر الإنتاج والاكتفاء الذاتي الجزئي إلى الاعتماد الكلي والدائم على المساعدات الخارجية والاستيراد.
تراجع حاد في المساحة والإنتاج
من جهته، يوضح الخبير الزراعي نزار الوحيدي أن المساحة الزراعية كانت قبل الحرب تبلغ نحو 178 ألف دونم خاضعة لإنتاج مكثف، بينما أخرج الاحتلال ودمر ما بين 86% إلى 94% منها.
ويقول الوحيدي لشبكة مصدر الاخبارية إن مساحة زراعة الخضراوات تراجعت من أكثر من 93 ألف دونم إلى نحو 4 آلاف دونم فقط، تتركز في محاصيل ورقية بسيطة.
ويضيف الوحيدي أن القدرة الإنتاجية الإجمالية تراجعت من نحو 405 آلاف طن سنوياً إلى نحو 28 ألف طن فقط، أثر تدمير أكثر من 1,233 بئراً زراعية وخروجها عن الخدمة تماماً. كما تعرضت الدفيئات الزراعية لتدمير شبه كامل طال 85% إلى 90% منها، وما تبقى منها بات مجرد هياكل متضررة تحتاج لإحلال كلي قبل إعادة تشغيلها.
انهيار الثروة الحيوانية وخسائر بالمليارات
وعلى صعيد الثروة الحيوانية، يشير الوحيدي إلى تسجيل نفوق وذبح قرابة 95% من الأبقار والماشية (بعد أن كان القطاع يضم نحو 15 ألف رأس أبقار)، فيما انخفض إنتاج قطاع الدواجن والبيض بنسبة 99% لينحصر في تربية منزلية محدودة جداً، لتتجاوز بذلك الخسائر المباشرة وغير المباشرة للقطاع الزراعي حاجز 3.4 مليار دولار.
تلوث التربة وتوزع المساحات المتبقية
ويفيد الوحيدي بأن التجريف العسكري والتلوث بالمتفجرات والمعادن الثقيلة (مثل الرصاص والكادميوم) وضغط الآليات الثقيلة تسبب في فقدان الطبقة العضوية للتربة وتدمير خصائصها الكيميائية وتوازنها البيولوجي.
وحول توزيع الأراضي حالياً، يبيّن الوحيدي أن 3% إلى 5% فقط من الأراضي سليمة ومتاحة للوصول، بينما 50% إلى 60% متضررة ويمكن تأهيلها، وتتوزع 35% إلى 40% المتبقية في مناطق الحدود والمنازلة عسكرياً التي يتعذر الوصول إليها.
وقد سجلت محافظتا غزة وشمال غزة أعلى نسبة فقدان للأراضي القابلة للإنتاج، فيما تمتلك المحافظات الوسطى وخان يونس ورفح فرصاً أسرع نسبياً لاستعادة الإنتاج حال توفر الأمن المائي والوصول الميداني.
إفلاس المزارعين وغلاء أسعار المحاصيل
ويحذر الوحيدي من أن استمرار حرمان المزارعين من الوصول لأراضيهم يكرس تملح التربة وانتشار الأعشاب الضارة، لافتاً إلى أن المزارع بات مفلساً تماماً وعاجزاً عن شراء المدخلات الزراعية في ظل انعدام السيولة وانهيار القطاع المصرفي، حيث بات القطاع يعتمد بنسبة 95% على الأغذية المعلبة والمساعدات، مما أدى لارتفاع أسعار الخضار المتاحة بنسب فلكية وانعدام محاصيل استراتيجية كالحمضيات والزيتون والعنب والتين.
متطلبات التعافي ومخاطر استمرار الأزمة
ويدعو الخبير الزراعي المؤسسات الدولية والمحلية للتدخل العاجل عبر تأمين ممرات آمنة لإدخال مستلزمات الإنتاج (البذور والأسمدة والوقود)، وتمويل إصلاح الآبار، وتقديم دعم مالي مباشر للمزارعين، وإزالة الركام والذخائر، إلى جانب توفير الأعلاف واللقاحات البيطرية وإدخال أمهات الدواجن لإعادة بناء القطيع.
ويختتم الوحيدي بالتحذير من أن استمرار الوضع الحالي يهدد بفقدان كامل للبنية الوراثية للثروة الحيوانية، وتصحر المساحات الزراعية، وهجرة المزارعين لمهنتهم، مما يكرس ارتهان غزة للإغاثة الخارجية لسنوات طويلة قادمة.







