ترجمات - لطالما بدت الفجوة واسعة بين حجم الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون وبين رد الفعل الدولي عليها. إلا أن هذه الفجوة، وفق هذا المقال، تتسع إلى حد بات معه الموقف الدولي عاجزًا عن مواكبة ما يجري على الأرض.
ففي الوقت الذي تتواصل فيه عمليات القتل والدمار في قطاع غزة، وتتزايد القيود المفروضة على الفلسطينيين في الضفة الغربية، تستمر دول غربية في تقديم الدعم العسكري لإسرائيل أو الاكتفاء بالحديث عن إجراءات وعقوبات محتملة.
وتتزامن هذه المواقف مع تصاعد تصريحات صادرة عن مسؤولين إسرائيليين من اليمين المتطرف، تتحدث بصورة علنية عن تهجير الفلسطينيين من غزة، وتوسيع الاستيطان والضم في الضفة الغربية.
تصريحات تتجاوز حدود الخطاب السياسي
خلال الأيام الماضية، كشف وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير عن مخطط يتضمن تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، ونشر مقطع فيديو مولدًا بالذكاء الاصطناعي يصور فلسطينيين يدخلون إلى مركز احتجاز ويخرجون منه في حالة إنهاك وبكاء، قبل أن يُحذف المقطع لاحقًا.
وقبل ذلك بأيام، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن إسرائيل «منظمة ومستعدة» لطرد الفلسطينيين من غزة «بكل الوسائل الممكنة»، في حال حصولها على الضوء الأخضر الأميركي.
ولا تقتصر هذه التصريحات على شخصيات هامشية داخل المشهد السياسي الإسرائيلي؛ فبن غفير وكاتس يشغلان مناصب حكومية ذات صلاحيات تنفيذية مؤثرة، ما يجعل التصريحات المرتبطة بسياساتهما موضع تساؤل بشأن العلاقة بين الخطاب والممارسة.
من التصريحات إلى السياسات
يطرح المقال تساؤلات حول مدى إمكانية فصل تصريحات المسؤولين الإسرائيليين عن الإجراءات التي تتخذها الحكومة على الأرض.
فقد أعاد بن غفير فتح سجن «راكفيت» الذي كان قد أُغلق في ثمانينيات القرن الماضي، كما ضغط باتجاه تطبيق عقوبة الإعدام على فلسطينيين مدانين بهجمات إرهابية، واحتفى بالتشريع المرتبط بذلك بطريقة أثارت انتقادات واسعة.
وفي الوقت ذاته، تتواصل التقارير عن ظروف قاسية داخل السجون الإسرائيلية واتهامات بالتعذيب وسوء المعاملة والعنف الجنسي بحق فلسطينيين معتقلين.
أما كاتس، فقد وافق على توسيع الاستيطان في الضفة الغربية، مبررًا الخطوة بأنها تحول دون إقامة دولة فلسطينية يمكن أن تشكل تهديدًا لإسرائيل. كما اتخذ خطوات باتجاه تقنين بؤر استيطانية ونقل بعض صلاحيات إنفاذ القانون في الضفة الغربية إلى الشرطة الإسرائيلية، وهي إجراءات يرى منتقدون أنها تصب في اتجاه ترسيخ الضم.
الاستيطان والضم في الضفة الغربية
ولا تنحصر تداعيات هذه السياسات في قطاع غزة. ففي الضفة الغربية، يتواصل التوسع الاستيطاني وهدم المنازل والاعتداءات التي يرتكبها المستوطنون، بالتزامن مع خطوات إدارية وقانونية تعزز السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية.
ويبرز في هذا السياق مخطط «E1»، الذي يُنظر إليه على أنه أحد المشاريع التي يمكن أن تؤثر بصورة كبيرة في التواصل الجغرافي بين أجزاء الضفة الغربية، وتضعف إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.
ويرى منتقدو السياسات الإسرائيلية أن الجمع بين التوسع الاستيطاني، والضم الفعلي، وتغيير منظومة إدارة الأراضي، وتصاعد اعتداءات المستوطنين، يشكل مسارًا متكاملًا يتجاوز حدود الإجراءات المنفصلة.
هل يمثل اليمين المتطرف الدولة الإسرائيلية؟
غالبًا ما تُرفض تصريحات بن غفير وغيره باعتبارها لا تمثل الموقف الإسرائيلي الرسمي بأكمله، أو باعتبارها جزءًا من خطاب انتخابي موجه إلى قواعد اليمين المتطرف.
لكن السؤال الذي يطرحه المقال هو: كيف يمكن التعامل مع هذه التصريحات باعتبارها مجرد خطاب سياسي، في حين أن أصحابها يشغلون مواقع حكومية تمنحهم صلاحيات تنفيذية ويعملون على دفع سياسات تتقاطع، في بعض جوانبها، مع ما يعلنونه؟
ويرى الكاتب أن المشكلة لا تتعلق فقط بحجم التمثيل الانتخابي لهذه الشخصيات، وإنما بقدرتها على التأثير في حياة ملايين الفلسطينيين الخاضعين للسيطرة الإسرائيلية.
وفي هذا السياق، يُستشهد بموقف عضو الكنيست أحمد الطيبي، الذي رأى أن ثمة وهمًا في السياسة الإسرائيلية يقوم على تقديم العنصرية والتطرف باعتبارهما ظاهرة هامشية، بينما يعتبرهما جزءًا من بنية أوسع داخل الدولة.
ازدواجية في التعامل مع الخطاب السياسي
يطرح المقال أيضًا مسألة ما يصفه بازدواجية المعايير في التعامل الدولي مع الخطاب السياسي الإسرائيلي والفلسطيني.
فعبارة «من النهر إلى البحر»، على سبيل المثال، تعرضت لإدانة واسعة عندما استخدمها فلسطينيون ومؤيدون لهم، بينما يرى الكاتب أن أفكارًا أكثر تطرفًا حول السيادة على كامل الأرض بين النهر والبحر تحظى بحضور داخل التيار اليميني الإسرائيلي.
ويستشهد المقال كذلك بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تجمعًا في مدرسة دينية صهيونية، حيث ردد المشاركون هتافات ذات مضمون انتقامي تجاه الفلسطينيين، معتبرًا أن هذا المشهد يعكس، من وجهة نظر الكاتب، تراجع الحواجز أمام الخطاب المتطرف.
من الإدانة إلى الإجراءات
السؤال المركزي الذي يطرحه المقال يتمثل في سبب عدم ترجمة التصريحات والسياسات التي تستهدف الفلسطينيين إلى رد فعل دولي يتناسب معها.
ففي الوقت الذي تستمر فيه صادرات الأسلحة إلى إسرائيل من بعض الدول الأوروبية، وتتواصل الحرب في غزة والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، تبقى الدعوات إلى فرض عقوبات أكثر صرامة أو حظر التجارة والتعاون العسكري محل نقاش سياسي في عدد من العواصم الغربية.
ويرى الكاتب أن الاكتفاء ببيانات الإدانة لا يغير الوقائع على الأرض، وأن التعامل مع التصريحات الإسرائيلية المتطرفة باعتبارها مجرد دعاية انتخابية قد يسمح بتحولها تدريجيًا إلى سياسات فعلية.
مسار طويل من التهجير والسيطرة
وبحسب المقال، فإن السياسات الحالية لا يمكن فصلها عن تاريخ طويل من التهجير والسيطرة على الأرض الفلسطينية، بدءًا من أحداث عام 1948، وصولًا إلى واقع الاحتلال والاستيطان وتفتيت الأراضي الفلسطينية اليوم.
ويعتبر الكاتب أن تدمير المنازل والبنية التحتية، والتوسع الاستيطاني، وفرض السيطرة الإسرائيلية على مساحات متزايدة من الأراضي، إلى جانب الاعتداءات على الفلسطينيين، كلها عناصر تصب في اتجاه تقويض إمكانية تحقيق مستقبل يقوم على الحرية والحكم الذاتي للفلسطينيين.
ورغم أن بعض التصورات التي يطرحها اليمين الإسرائيلي قد تواجه قيودًا سياسية أو دولية تحول دون تنفيذها بالكامل، فإن المقال يرى أن أجزاء أخرى منها تتحقق تدريجيًا على الأرض، خصوصًا في مجالات الاستيطان والضم وتقييد الحركة والسيطرة على الأراضي.
وفي النهاية، يخلص المقال إلى أن المسألة لم تعد، من وجهة نظره، مرتبطة بما إذا كانت بعض التصريحات الإسرائيلية المتطرفة تمثل أقلية سياسية أم لا، وإنما بمدى قدرة المجتمع الدولي على التعامل مع السياسات المعلنة والإجراءات الفعلية بوصفها وقائع تستوجب المحاسبة، لا مجرد مواقف انتخابية أو تصريحات عابرة.







