القدس المحتلة - تسعى إسرائيل إلى اختبار حدود الضغوط التي تفرضها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تحركاتها العسكرية في المنطقة، من خلال تجنب الصدام المباشر مع واشنطن والبحث عن هوامش تسمح لها بمواصلة الهجمات أو توسيعها تحت عناوين "الدفاع عن النفس" و"التهديد الفوري المتشكل"، فيما يتراجع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عندما تتحول المطالب الأميركية إلى موقف حازم ومباشر.
"الخطوط الحمراء" وتكتيك قراءة ما بين السطور
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، فإن "الخطوط الحمراء" الأميركية لا تعمل كحظر ثابت، بل تتمثل في مجموعة "تفاهمات" تتباين بين جبهات غزة ولبنان وسورية وإيران واليمن.
وتسعى إسرائيل لمعرفة المدى الذي يمكن دفع هذه الحدود دونه دون الوصول إلى مواجهة مع الإدارة الأميركية.
وينطلق التقرير من أن العلاقة بين الجانبين لا تعكس تجاهلاً إسرائيلياً للولايات المتحدة ولا خضوعاً كاملاً لها، بل تقوم على نمط من "قراءة ما بين السطور" والتمييز بين الحالات القابلة للمناورة وتلك التي تفرض مطلباً أمريكياً لا يترك مجالاً واسعاً للتحرك.
ويُستشهد في هذا السياق بإلغاء موجة غارات إسرائيلية يوم وقف إطلاق النار مع إيران في يونيو 2025، ووقف إطلاق النار في قطاع غزة في أكتوبر من العام نفسه، باعتبارهما مثالين على التراجع الإسرائيلي إزاء الضغط الأميركي المباشر.
غزة: هامش مشروط وضبط العمليات
في قطاع غزة، يتمثل المطلب الأميركي الأساسي في منع تعطيل المساعدات الإنسانية والحد من حجم العمليات العسكرية ووتيرة الاغتيالات؛ خشية تقويض خريطة طريق "مجلس السلام" للمرحلة التالية.
وأشار التقرير إلى أن الجيش الإسرائيلي شدد آليات المصادقة على الهجمات لتتطلب موافقة مستويات قيادية عليا تصل أحياناً إلى رئيس الأركان.
ورغم إبلاغ جاريد كوشنر لنتنياهو بأن الولايات المتحدة لن تحدد لإسرائيل "كيفية الدفاع عن نفسها"، إلا أن ذلك يُقرأ كسماح مشروط يطالب بضبط حجم الردود واستخدام مصطلحات مرنة مثل "التهديد المتشكل".
لبنان: سقف بيروت والخطوط الميدانية
أما في لبنان، فتبدو القاعدة الأميركية الأكثر وضوحاً في ضرورة تجنب توسيع الهجمات باتجاه بيروت، وهو ما تلتزم به إسرائيل إلى حد بعيد.
ومع استمرار العمليات في مناطق مثل علي الطاهر وتحقيق احتكاكات ميدانية، تتعامل إسرائيل مع أي خرق تنسبه إلى حزب الله كفرصة للحصول على مساحة أوسع للتحرك واستهداف قياديين، مع حرصها على توفير غطاء سياسي ودبلوماسي مسبق عبر البيانات الرسمية.
سورية وإيران واليمن: تباين المصالح والضبط
سورية: يبرز تعقيد الموقف في ظل مساعي ترامب لتعزيز العلاقة مع تركيا برئاسة رجب طيب إردوغان بالتوازي مع الانفتاح على دمشق، حيث أوقفت واشنطن خططاً إسرائيلية لهجمات واسعة لتجنب التقاطع مع النفوذ التركي والسوري.
إيران: تعتبر الساحة الأكثر وضوحاً وصرامة في الموقف الأميركي الذي سبق أن كبح تحركات عسكرية إسرائيلية مستقلة.
اليمن: يمتد نمط "ضبط النفس" ليشمل التعامل مع الحوثيين، في ظل دور أميركي فاعل في تأطير العمليات السابقة.
حسابات الداخل السياسي
يخلص التقرير إلى أن إسرائيل لا تتعامل مع القيود الأميركية كقواعد جامدة بل كمجالات للمناورة، مدفوعة لاعتبارات سياسية داخلية تحاول من خلالها إظهار استقلالية عسكرية أمام الجمهور، في وقت يُتوقع فيه أن تختبر الحكومة هذه الحدود بصورة أكبر لتحقيق مكاسب سياسية مع اقتراب موعد الانتخابات.







