نشر الصحفى والكاتب زياد حلبي على صفحته عالفيسبوك
في عام 1948 لم تكن الحرب مجرد مواجهة انتهت بخريطة جديدة، بل كانت لحظة تأسيس لنمط عمل واضح: هدم، تهجير، ثم إحلال واقع بديل. تدمير نحو 530 قرية فلسطينية، وإفراغ المدن الكبرى من سكانها، لم يكن فائض قوة، بل جزءاً من منطق يرى أن السيطرة لا تُحسم عند خطوط النار، بل تُحسم في شكل الأرض ومن يسكنها.
منذ تلك اللحظة، لم يعد المكان محايداً.
الأرض تُهدم لتُفرَّغ، وتُفرَّغ لتُعاد صياغتها.
هذا هو جوهر النمط.
يمكن قراءته ببساطة، لكن خطورته في دقته:
أولاً الهدم، ليس كأثر جانبي للحرب، بل كوسيلة لتحطيم شروط الحياة.
ثانياً التهجير، نتيجة مباشرة أو غير مباشرة، بحيث يصبح البقاء استثناءً لا قاعدة.
ثالثاً السيطرة، حيث تتحول الأرض إلى مجال أمني خاضع، يُعاد تنظيمه وفق ميزان القوة.
هذا التسلسل لا يُعلن عادة بهذه الصراحة، لكنه يظهر كلما أُعيد فتح الملف.
في غزة، حيث طال الدمار ما يقارب 70% من البنية العمرانية، لا يمكن فصل حجم الهدم عن ما تلاه.السيطرة على نحو 54% من القطاع تحت مسميات أمنية ليس تفصيلاً تقنياً، بل امتداد طبيعي للمرحلة الثالثة من النمط. هنا يصبح الدمار تمهيداً، لا نتيجة.
وفي جنوبي لبنان، جنوب الليطاني تحديداً، تتكرر الصورة بحدود مختلفة. قرى تُستهدف وتُمحى كلياً وجزئياً، سكان يُدفعون إلى النزوح، ثم حضور عسكري يُثبّت واقعاً جديداً. قد تُسمى هذه إجراءات دفاعية، لكنها عملياً تعيد رسم العلاقة بين الأرض وسكانها، ولو بصورة مؤقتة في ظاهرها.
ما يجمع هذه الحالات ليس التطابق، بل المنطق.
منطق يرى أن التهديد لا يُزال فقط بالقوة العسكرية، بل بإعادة تشكيل البيئة التي ينتج منها. أي أن الأمن يتحول من مفهوم هجومي ودفاعي إلى عملية إعادة هندسة جغرافية وسكانية.
هنا تظهر المسألة على حقيقتها:
ليست مجرد ردود فعل على أحداث، بل تفكير يتعامل مع الجغرافيا كأداة حسم.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن داخل إسرائيل تياراً سياسياً يعبّر عن هذا المنطق بصراحة. شخصيات مثل بتسلئيل سموتريتش لا تتحدث فقط عن إدارة الصراع، بل عن توسيع الحيز الجغرافي وإعادة تعريف حدوده بالاستيطان في غزة وجنوبي لبنان وحتى جنوبي سوريا ، بما يتجاوز عملياً ما استقر منذ اتفاقيات سايكس بيكو. هذه الطروحات ليست سياسة ثابتة دائماً، لكنها تكشف الاتجاه الكامن عندما تسمح الظروف.
ومع ذلك، فإن الفارق بين 1948 واليوم ليس في النية بقدر ما هو في القدرة.
العالم تغيّر.
هناك قيود دولية بشكل أو بآخر ، رقابة إعلامية، وتوازنات إقليمية تفرض حدوداً على الذهاب إلى النهاية نفسها. ما كان يُنفذ كاملاً في منتصف القرن الماضي، يُنفذ اليوم جزئياً أو تدريجياً، وتحت عناوين أمنية أو مؤقتة.
لكن القيود لا تُلغي النمط، بل تُبطئه وتعيد تشكيله.
ولذلك، فإن المقارنة مع تجارب تاريخية أخرى، من توسع الولايات المتحدة غرباً إلى سياسات الإمبراطوريات الأوروبية بحروب ابادة او تهجير ، ليست ترفاً فكرياً، بل تذكير بأن هذا النوع من إعادة تشكيل الجغرافيا كان جزءاً من بناء تلك الدول التي أتاحت قيام اسرائيل . الفارق أن تلك العمليات جرت في عالم بلا سقف، بينما تجري اليوم تحت سقف منخفض لكنه قابل للتمدد.
الخلاصة ليست أن التاريخ يتكرر، بل أن منطقه يستمر.
هدم يخلق فراغاً،
فراغ يفتح باب السيطرة،
وسيطرة تعيد تعريف المكان.
بين 1948 واليوم، تغيّرت الأدوات وتبدلت اللغة، لكن التسلسل بقي كما هو.
والسؤال لم يعد إن كان هذا النمط موجوداً، بل إلى أي حد يمكن أن يمضي،
ومتى تتوقف الجغرافيا عن أن تكون ساحة حرب…
وتتحول إلى نتيجة نهائية لها.