منى هيثم أبو حدايد - مصدر الإخبارية
بين الركام تولد حكايات لا تُنسى، وفي غزة لا تُقاس الحياة بالسنوات، بل بالنجاة من لحظةٍ إلى أخرى. بين الأنقاض والصمت الثقيل، تبرز حكاية "رزان خيرة"، عدّاءة من غزة حصدت البطولات ورفعت اسم فلسطين، واليوم تقف على ساق واحدة متشبثةً بحلمها بعد أن بُترت ساقها الأخرى.
قبل الحرب، كانت رزان تركض نحو حلمها في صالات الرياضة وعلى الطرقات الطويلة، وبين أنفاسها المتسارعة كانت تتشكل تفاصيل عالمها الآمن، لم تكن الرياضة مجرد هواية بالنسبة لها، بل كانت حياةً كاملة. تقول رزان لشبكة مصدر الإخبارية: "كانت الرياضة كل شيء بالنسبة لي، وهناك ورثت هذا الشغف من عائلتي ومن والدي."
في التاسع عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2023، تغيّر كل شيء. تتابع رزان تفاصيل تلك الليلة: "استيقظت على صوت انفجار… لم أستوعب ما الذي يحدث من حولي." حاولت الوقوف فسقطت، ثم حاولت مجدداً فسقطت مرة أخرى. نظرت إلى جسدها، فاكتشفت الحقيقة التي لا تُحتمل. وتضيف: "كنت أقف على قدم واحدة… قدمي الأخرى لم تكن موجودة." لم تشعر بالألم في البداية، إذ كانت الصدمة أكبر من الإحساس.
في الخارج، كان الموت يملأ المكان: قصفٌ متواصل، طرقات مقطوعة، ومستشفيات تُستهدف كما تُستهدف البيوت. ورغم ذلك، كان عليها أن تنجو. نُقلت رزان وسط الظلام والخوف لتبدأ رحلة الألم الحقيقي.
في المستشفى الإندونيسي، لم تجد رزان سريراً يضمها، بل أرضاً باردةً امتلأت بآلاف الجرحى. كان المشهد يفيض بالألم؛ أجساد تنزف، أصوات أنين، وعيون تبحث عن نجاةٍ مستحيلة.
تتابع رزان وصفها: "وُضعوني على الأرض، حيث لم يكن هناك مكان آخر، وبقيت أنزف لساعاتٍ طويلة حتى فقدت الوعي."
حين استعادت وعيها، تشبثت بأملٍ صغير: أن تعود قدمها وأن تتمكن من المشي مجدداً. لكن هذا الأمل سرعان ما تبدد، لتصطدم بحقيقة قاسية: لا عودة… فالبتر نهائي. وتروي: "قام الطبيب ببتر ما تبقى من قدمي دون تخدير، ثم وضعها في حضني وقال: قدمك سبقتك إلى الجنة."
حتى غرفة العمليات لم تكن ملاذاً آمناً، إذ تعرّض المستشفى للاقتحام والاستهداف، فتحوّل الجرحى إلى محاصَرين. وفي تلك اللحظة، أنقذها والدها وحملها عبر بابٍ خلفي قبل أن تتحول إلى رهينة.
لم تتوقف المأساة عند ذلك، تتابع رزان: "كنت أفقد الكثير من الدماء وكان جسدي هزيلاً، أحتاج إلى تغذية ووحدات دم، لكن لم يكن شيء متوفراً." وتضيف: "كنت بحاجة إلى كرسي متحرك، لكنه لم يكن متوفراً، فكان والدي يحملني لمسافات طويلة وسط القصف."
ثم جاءت الضربة الأقسى؛ بعد أسبوعين تجدد القصف، واستُهدف منزل العائلة مرة أخرى. تقول رزان بحزن: "والدي، الذي حملني وأنقذني، بُترت قدماه"، فمن كان سنداً لها أصبح يُشاركها الألم ذاته.
ورغم كل ذلك، لا تزال رزان متمسكة بالأمل، وتؤكد: "بتروا قدمي… لكن لن يستطيعوا بتر حلمي."
واليوم، تحلم بالسفر لاستكمال علاجها في الخارج، والحصول على طرفٍ اصطناعي لا لتقف فقط، بل لتعود إلى الركض من جديد، وتمثل اسم فلسطين بين الرياضيين من ذوي الإعاقة.
أمل لا يُبتر
في غزة تُبتر الأجساد، لكن بعض الأحلام ترفض أن تموت، "رزان خيرة "ليست مجرد ناجية، بل شهادة حيّة على أن الإنسان، حتى في أقسى لحظات انكساره، قادر على التشبث بحلمه ومقاومة الألم بإرادة لا تُهزم.