مصدر الإخبارية - منى هيثم أبو حدايد
لم تكن الحرب مجرد دمارٍ للحجر، بل اقتلاعاً قاسياً لطفولةٍ كاملة من جذورها. مع تدمير المدارس، انهار عالمٌ كامل بكل تفاصيله؛ الضحك في الممرات، الدفاتر، والجرس الصباحي الذي كان يعلن بداية يومٍ آمن. سُرق الأطفال من مقاعدهم الدراسية، وانتُزع منهم حقهم في التعليم، ليجدوا أنفسهم خارج الصفوف، بلا روتين ولا مكان آمن، وكأن طفولتهم توقفت في فراغٍ طويل.
في مخيم النصيرات، وبين الركام والخيام المتلاصقة، وُلدت مساحة تعليم داخل خيمة بسيطة تحولت إلى فصلٍ دراسي. هناك شكّل الأطفال عالماً صغيراً بطموحهم، يهربون إليه من ضجيج الحرب، ليجدوا في الحروف وصوت معلمتهم شيئاً من الطمأنينة.
في هذا المكان، تبرز لمياء عثمان، معلمة شابة اختارت أن تصل إلى الأطفال حيث وُجدوا، بعد أن تحولت المدارس إلى ركام، لتعيد للتعليم معناه الأول: مساحة حياة وسط الفقد وصوتاً يقاوم الصمت.
تقول لمياء لشبكة مصدر الإخبارية، إن الحرب لم تسرق التعليم فقط، بل نزعت “الاستمرارية” من حياة الأطفال، ما انعكس على قدراتهم؛ فالطفل الذي كان يتعلم الإنجليزية بسهولة أصبح يعيش في حالة “نجاة” دائمة، تتراجع معها القدرة على التركيز والتعلّم.
كما تشير إلى تغيرات أعمق، إذ أصبح الأطفال أكثر خوفاً واضطراباً، يسكنهم “خوف صامت”، ويظهر ذلك في سلوكهم بين الانطواء أو العدوانية، مع تراجع واضح في الخيال واستبدال الرسومات البريئة بمشاهد الحرب والركام.
ورغم غياب الإمكانيات، بقيت الإرادة حاضرة؛ فالسماء صارت سقفاً، والأرض مقاعد، والإصرار وسيلة لإعادة بناء ما تهدّم.
داخل هذا الصف الصغير، يتحول التعليم إلى مساحة تنفّس؛ يغنون، يضحكون، ويواجهون الحرب بالحياة.
وتقول لمياء إنها حين تخاطب طلابها بعبارة: “You have a bright future”، فهي لا تمنحهم كلمات، بل تمنحهم أملاً بأن العتمة ليست النهاية.
حلمٌ لم يكتمل…
تروي لمياء حكاية الطفل راجي، الذي كان يقطع مسافات طويلة بين الخيام والركام، يحمل حلمه معه في كل خطوة. كان يدخل الفصل بشغف واضح، يسأل عن كلمات البناء والهندسة، ويكرر: “سنبنيها من جديد”، كأن اللغة كانت وسيلته لإعادة إعمار العالم من حوله.
لم يكن يحمل دفتراً فقط، بل مدينة كاملة في خياله. ثم توقفت الرحلة فجأة، حين أنهت قذيفة طائرة حلمه قبل أن يبدأ.
استُشهد راجي، وغاب معه حلمٌ كان أكبر من عمره، ولم يكن غيابه مجرد فقدان طالب، بل انطفاء فكرة عن مستقبل كان يمكن أن يكون.
في خيام النزوح، وبين الركام، ما زال الأطفال يتمسكون بالتعلّم رغم كل ما حولهم؛ يجلسون على الأرض، يكررون الكلمات، ويضحكون رغم الخوف، كأنهم يصرّون على أن يتركوا للحياة نافذة صغيرة لا تُغلق.
وكأنهم يكتبون كل يوم برسالة صامتة لا تحتاج صوتاً:
قد يُسلب كل شيء… لكن الحلم لا يُقصف