يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضغوطه غير المباشرة على مجلس الاحتياطي الفيدرالي، في محاولة لدفعه نحو خفض أسعار الفائدة، رغم تأكيدات متكررة على استقلالية البنك المركزي عن السلطة التنفيذية. وفي هذا السياق، برز اسم كيفين وارش كخيار محتمل لخلافة رئيس الاحتياطي الفيدرالي الحالي جيروم باول، في حال قرر الأخير التنحي عن منصبه.
ورغم أن ترمب لم ينجح خلال ولايته في إجبار الفيدرالي على تبني سياسات نقدية أكثر تيسيرًا، فإن اختيار شخصية قريبة من رؤيته الاقتصادية قد يشكل تحولًا مهمًا في توجهات المؤسسة النقدية الأهم في العالم.
من هو كيفين وارش؟
كيفين وارش، البالغ من العمر 55 عامًا، يتمتع بخلفية قوية في وول ستريت وصنع السياسات الاقتصادية. تخرّج في كلية الحقوق بجامعة هارفارد، وعمل لسبع سنوات في بنك مورغان ستانلي، قبل انتقاله إلى العمل الحكومي خلال إدارة الرئيس جورج دبليو بوش عام 2002.
وفي سن 35 عامًا فقط، أصبح وارش أصغر من يتم تعيينه عضوًا في مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، حيث لعب دورًا بارزًا خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، وساهم في إدارة ملفات إنقاذ البنوك المتعثرة مستفيدًا من علاقاته الواسعة في القطاع المالي.
وكان ترمب قد فكّر جديًا في تعيين وارش رئيسًا للفيدرالي عام 2017، قبل أن يختار جيروم باول، وهو قرار قال لاحقًا إنه ندم عليه.
استقالته ومواقفه النقدية
استقال وارش من مجلس الاحتياطي الفيدرالي عام 2011، اعتراضًا على السياسات النقدية غير التقليدية، وعلى رأسها الجولة الثانية من التيسير الكمي، معتبرًا أن الإفراط في التحفيز قد يؤدي إلى تشوهات اقتصادية طويلة الأمد.
ومنذ ذلك الحين، أصبح وارش مستشارًا لمكتب استثماري عائلي، وعضوًا في مجالس إدارة عدة شركات، وزميلًا في معهد هوفر المحافظ، إضافة إلى عمله محاضرًا في كلية الأعمال بجامعة ستانفورد.
رؤيته للسياسة النقدية
يُعرف وارش بانتقاده الحاد لتوسع ميزانية الاحتياطي الفيدرالي، ويدعو إلى تقليص الميزانية العمومية للبنك وسحب برامج التحفيز تدريجيًا، مع إعادة تقييم النماذج الاقتصادية المستخدمة في توجيه السياسة النقدية.
كما طرح أفكارًا تتعلق بتقليص حجم الجهاز الإداري للفيدرالي، بما يتماشى مع توجهات أوسع لخفض دور الدولة، وهي رؤى تلقى دعمًا من التيار المحافظ، لكنها تواجه انتقادات من اقتصاديين يرون أن تقليص الميزانية قد تكون له آثار محدودة أو محفوفة بالمخاطر.
هل يستطيع تغيير سياسة الفائدة؟
رغم ثقل منصب رئيس الاحتياطي الفيدرالي، فإن قدرته على تغيير المسار النقدي تبقى محدودة مؤسسيًا، إذ تُتخذ قرارات أسعار الفائدة من خلال اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، التي تضم عدة أعضاء، ويملك الرئيس صوتًا واحدًا فقط.
ويحتاج أي تغيير جوهري إلى توافق أغلبية الأعضاء، وهو أمر تاريخيًا لم يكن سهلًا، حتى لشخصيات قوية مثل بول فولكر أو جيروم باول نفسه، اللذين واجها معارضة داخلية في مراحل مفصلية.
تداعيات على استقلالية البنك المركزي
لا يعني تعيين وارش، بحد ذاته، نهاية استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، إلا أن السياق السياسي والقانوني المحيط بالقرار قد يكون أكثر تأثيرًا. إذ تنظر المحكمة العليا الأميركية حاليًا في قضايا تتعلق بإمكانية إقالة مسؤولين مستقلين، وهو ما قد يفتح الباب أمام تدخل رئاسي أوسع في المؤسسات المستقلة، بما فيها البنك المركزي.
وفي حال تم توسيع صلاحيات الرئيس في هذا الشأن، فقد يشكل ذلك سابقة تهدد أحد أعمدة الاستقرار النقدي الأميركي.
أسئلة مفتوحة
تنتهي ولاية باول كرئيس للفيدرالي في مايو المقبل، لكنه يستطيع البقاء عضوًا في مجلس المحافظين حتى عام 2028. ولم يحسم باول بعد قراره، فيما يرى مراقبون أن بقاءه قد يشكل تحديًا مباشرًا لأي رئيس جديد، ويحدّ من قدرته على فرض رؤيته.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى السؤال الأهم: هل يكون تعيين كيفين وارش خطوة رمزية، أم بداية فعلية لإعادة تشكيل السياسة النقدية الأميركية؟