القدس - تواجه إسرائيل تراجعاً متزايداً في صورتها لدى الرأي العام الإيطالي، مع ارتفاع نسبة المواقف السلبية تجاهها واتساع التأييد لفرض عقوبات عليها وقطع العلاقات معها، في ظل تداعيات الحرب في غزة والسياسات الإسرائيلية في المنطقة.
وأظهر استطلاع أجراه مركز «بيو» للأبحاث ونُشرت نتائجه في يونيو/حزيران، أن 75% من الإيطاليين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، مقابل 66% في عام 2025. كما أعرب 48% عن موقف سلبي للغاية، في حين لم تتجاوز نسبة أصحاب الآراء الإيجابية 21%. وجُمعت بيانات الاستطلاع خلال الفترة بين فبراير/شباط ومايو/أيار.
وكشف الاستطلاع أيضاً عن تراجع الثقة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إذ قال 88% من الإيطاليين إنهم لا يثقون به أو لا يثقون به على الإطلاق، مقارنة بـ80% في العام السابق، فيما بلغت نسبة من لا يثقون به إطلاقاً 62%.
وتأتي هذه الأرقام في وقت يتصاعد فيه النقاش داخل وسائل الإعلام الإيطالية بشأن تراجع مكانة إسرائيل، والفجوة بين مواقف الشارع والسياسة الرسمية للحكومة في روما.
الحرب في غزة توسّع دائرة الانتقادات
وفي تحليل نشره موقع «TPI» خلال أكتوبر/تشرين الأول، ربط الصحفي إنريكو مينغوري تدهور صورة إسرائيل بالحرب في غزة، والعمليات الإسرائيلية في لبنان، والحرب في إيران، بما في ذلك انعكاساتها على أسعار الطاقة.
وأشار مينغوري إلى أن تداعيات الهجوم على الفلسطينيين امتدت إلى شرائح كانت تنظر سابقاً إلى إسرائيل باعتبارها نموذجاً للديمقراطية في الشرق الأوسط، لافتاً إلى أن حالة الإحباط تعززت بسبب ما وصفه بضعف رد فعل الحكومات الأوروبية تجاه السياسات الإسرائيلية.
ولم تعد الانتقادات مقتصرة على الناشطين التقليديين، بل امتدت إلى الطلاب والعائلات ومواطنين من خلفيات سياسية واجتماعية مختلفة. كما أسهمت حوادث أسطول المساعدات في زيادة التوتر، خصوصاً بعد تداول صور للوزير الإسرائيلي إيتامار بن غفير مع ناشطين محتجزين.
ووفقاً للمقال، تعرض سلوك بن غفير لانتقادات من الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا ورئيسة الوزراء جورجيا ميلوني أيضاً.
تأييد لقطع العلاقات يتجاوز اليسار
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن المطالبة بقطع العلاقات مع إسرائيل لا تقتصر على التيارات اليسارية. فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة «إيكسي» في يوليو/تموز، أن 61.2% من الإيطاليين يؤيدون قطع العلاقات مع إسرائيل.
وبلغت نسبة التأييد 53% بين ناخبي يمين الوسط، و47% بين ناخبي اليمين. كما ظهرت فجوة واضحة بين الفئات العمرية، إذ أيد 69% ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً هذه الخطوة، مقابل 51% ممن تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر.
وفي استطلاع آخر أجرته مؤسسة «يوميترا»، ونشره موقع «ترمومترو بوليتيكو» في 2 أكتوبر/تشرين الأول، أيد 51.3% من المشاركين فرض عقوبات على إسرائيل، مقابل 17.4% عارضوا ذلك.
وفي المقابل، رأى 47% من المشاركين أن معاداة السامية تمثل خطراً حقيقياً في إيطاليا، وهو ما يعكس ضرورة التمييز بين معارضة السياسات الإسرائيلية والمواقف المعادية لليهود.
السفير الإسرائيلي يقر بتراجع الدعم الشعبي
وتطرق السفير الإسرائيلي لدى إيطاليا، يوناتان بيليد، إلى الفجوة بين العلاقات الرسمية ومواقف الشارع، خلال مقابلة نُشرت في وكالة الأنباء الإيطالية «أجينسيا نوفا» في 8 أكتوبر/تشرين الأول.
ورغم تأكيده متانة العلاقات مع الحكومة الإيطالية وقطاع الأعمال، أقر بأن إسرائيل تواجه نقصاً في الدعم الشعبي، قائلاً: «ما ينقصنا اليوم هو دعم أكبر على مستوى الرأي العام».
ووصف بيليد اتجاهات الرأي العام الإيطالي بأنها تحدٍ كبير، داعياً إلى تعزيز معرفة الإيطاليين بإسرائيل وفهم أهمية العلاقات معها، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا والتجارة والبحث العلمي والابتكار.
كما حذر من تصاعد معاداة السامية، مشدداً على ضرورة أن تستند مواجهتها إلى توافق واسع، وألا تتحول إلى قضية خلافية بين اليمين واليسار.
مواقف متباينة بشأن وجود إسرائيل
وتُظهر استطلاعات أخرى أن انتقاد السياسات الإسرائيلية لا يعني بالضرورة رفض وجود إسرائيل. فقد أظهرت دراسة أجرتها شركتا «سوسيومتريكا» و«فيلد كير»، ونُشرت في أكتوبر/تشرين الأول، أن 25.3% من المشاركين يؤيدون فكرة وجود دولتين تتمتعان بحقوق وأمن متساويين.
كما أقر 18.5% بحق إسرائيل في الوجود، لكنهم طالبوا بانسحابها من الأراضي، بينما أنكر 12.1% استمرار وجودها دولةً في المنطقة، ولم يحدد نحو ربع المشاركين موقفاً واضحاً.
الجدل يمتد إلى المؤسسات التعليمية والمجتمع اليهودي
وامتد التوتر إلى العلاقات المدنية والمؤسسات التعليمية. ففي أكتوبر/تشرين الأول، أفادت وكالة الأنباء الإيطالية «أنسا» باندلاع جدل عقب زيارة وفود من التربويين القادمين من مدارس يهودية في الولايات المتحدة وإسرائيل إلى مركز «ريجو» للأطفال.
وبعد احتجاجات، طُلب من الوفود إعلان موقف صريح من سياسات حكومة نتنياهو. وعلى إثر ذلك، أرجأ الوفد الأمريكي زيارته، بينما أكد الوفد الإسرائيلي مشاركته.
واعتبر منتقدون أن هذه الخطوة تمثل شكلاً من التمييز المعادي للسامية، في حين أكدت البلدية والمركز التزامهما بالمبادئ العامة لحماية الطفل. وأظهرت القضية مدى امتداد النقاش السياسي حول إسرائيل إلى المؤسسات التعليمية، وما يترتب عليه من مطالب لليهود والإسرائيليين بتوضيح مواقفهم السياسية.
وفي سياق متصل، نشرت صحيفة «كورييري ديلا سيرا» تقريراً عن شعور بعض اليهود الإيطاليين بالعزلة، خلال تغطيتها فعالية إحياء ذكرى السابع من أكتوبر في كنيس روما. وتحدث مشاركون عن مخاوف من إظهار هويتهم اليهودية، مع رفض تحميل المجتمع اليهودي مسؤولية أفعال الحكومة الإسرائيلية.
من جانبه، شدد داريو فانغوني، رئيس منظمة «أنيد» المعنية بشؤون الناجين من معسكرات الاعتقال، في مقابلة مع صحيفة «لا ريبوبليكا»، على ضرورة التمييز بين معاداة السامية وانتقاد نتنياهو، مع إقراره بتزايد الكراهية تجاه اليهود.






