واشنطن – قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الخميس، تصنيف إنتاج النفط وتكريره والأنشطة المرتبطة بهما باعتبارها من الأمور الجوهرية للدفاع الوطني الأمريكي، في خطوة قد تمهد لتوسيع الدعم المالي الحكومي لمشاريع الوقود الأحفوري وتعزيز قدرات قطاع الطاقة.
وجاء القرار في مذكرة رئاسية استند فيها ترامب إلى أحد أحكام قانون الإنتاج الدفاعي، وهو تشريع يعود إلى حقبة الحرب الباردة ويمنح الرئيس صلاحيات للتدخل في الأنشطة الاقتصادية التي تعد ضرورية للأمن القومي.
وقد يتيح هذا الإجراء للإدارة الأمريكية تقديم حوافز مالية لدعم أنشطة إنتاج النفط وتكريره، إلى جانب مشاريع خطوط الأنابيب ومنشآت تخزين الوقود السائل، بما يساعد على توسيع القدرات المرتبطة بإمدادات الطاقة.
ولم تحدد المذكرة مشاريع بعينها ستستفيد من التمويل المحتمل، كما لم توضح تفاصيل المبالغ التي قد تخصص لتنفيذ الإجراءات الجديدة أو الجدول الزمني لتطبيقها.
قانون الإنتاج الدفاعي أداة لدعم قطاع الطاقة
يمنح قانون الإنتاج الدفاعي الإدارة الأمريكية صلاحيات استثنائية لدعم القدرات الإنتاجية التي تعتبرها ضرورية للدفاع الوطني، ويمكن استخدامه لتشجيع الاستثمار في قطاعات استراتيجية وتخفيف العقبات التي تحول دون توسيع الإنتاج.
وأشارت المذكرة الرئاسية إلى أن الولايات المتحدة قد تواجه صعوبة في توفير خدمات الطاقة المطلوبة في الوقت المناسب من دون اتخاذ إجراءات إضافية، بسبب قيود التمويل وطول فترات الانتظار والاختناقات المتعلقة بالتراخيص والبنية التحتية، فضلًا عن القيود التي تواجه سلاسل التوريد.
ويعكس القرار توجه الإدارة إلى استخدام أدوات الأمن القومي لتسريع مشروعات الطاقة، في وقت تواجه فيه الأسواق العالمية اضطرابات في الإمدادات وارتفاعًا في تكاليف النفط والوقود.
ومن شأن توفير حوافز مالية بموجب القانون أن يساعد بعض المشروعات على تجاوز عوائق التمويل، إلا أن نطاق الاستفادة الفعلية سيعتمد على الآليات التي ستعتمدها الإدارة الأمريكية وعلى المشروعات التي ستقرر دعمها.
ارتفاع النفط والديزل يزيد الضغوط على الاقتصاد الأمريكي
يأتي القرار في أعقاب ارتفاع حاد في أسعار النفط الخام والديزل منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا مشتركًا على إيران في نهاية فبراير/شباط.
وأدى الصراع، بحسب التقرير، إلى فرض قيود على شحنات الطاقة على مستوى العالم، في وقت أسهمت فيه الهجمات الأوكرانية على مصافٍ روسية في زيادة الضغوط على إمدادات الوقود.
وتثير هذه التطورات مخاوف بشأن استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة وتأثيرها في النقل والإنتاج وأسعار السلع والخدمات، إذ يمكن أن تنتقل الزيادة في أسعار النفط والديزل إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد.
كما يعيد اضطراب الإمدادات تسليط الضوء على أهمية قدرات التكرير والتخزين وشبكات نقل الوقود، إلى جانب إنتاج النفط الخام، في ضمان وصول الطاقة إلى الأسواق المحلية وتقليل التعرض للصدمات الخارجية.
وتسعى الإدارة الأمريكية، من خلال القرار الجديد، إلى تسهيل دعم الأنشطة المرتبطة بهذه القدرات، في ظل بيئة دولية تتسم باضطرابات جيوسياسية وضغوط متزايدة على أسواق الطاقة.
أسعار الطاقة تضع إدارة ترامب أمام اختبار انتخابي
يمثل ارتفاع تكاليف الوقود تحديًا سياسيًا واقتصاديًا للإدارة الأمريكية قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني، إذ يسعى الحزب الجمهوري إلى الحفاظ على سيطرته على مجلسي النواب والشيوخ.
وأظهر استطلاع للرأي أجرته رويترز بالتعاون مع مؤسسة إيبسوس، وانتهى يوم الاثنين، أن 36% فقط من الأمريكيين يؤيدون طريقة تعامل ترامب مع الاقتصاد.
ويأتي ذلك في وقت تمثل فيه أسعار الوقود وتكاليف المعيشة قضايا مؤثرة في تقييم الناخبين للأداء الاقتصادي، بينما قد تؤدي الزيادة المستمرة في أسعار الطاقة إلى رفع تكاليف النقل والتصنيع وتغذية الضغوط التضخمية.
ولا توضح المذكرة الرئاسية بصورة مباشرة مقدار التأثير المتوقع للإجراءات الجديدة على أسعار النفط أو الوقود للمستهلكين، إذ إن زيادة القدرات الإنتاجية والتكريرية تحتاج إلى استثمارات وتنفيذ مشروعات قد يستغرقان وقتًا قبل أن تنعكس نتائجهما على الإمدادات والأسعار.
الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط الخام عالميًا
بلغ متوسط إنتاج الولايات المتحدة من النفط الخام نحو 13.6 مليون برميل يوميًا خلال عام 2025، ما يجعلها أكبر منتج للنفط الخام في العالم.
وعلى الرغم من هذا المستوى المرتفع من الإنتاج، فإن اضطرابات أسواق الطاقة العالمية يمكن أن تؤثر في الأسعار المحلية، لأن النفط سلعة متداولة عالميًا وتتأثر قيمته بتوازن العرض والطلب والمخاطر الجيوسياسية وتكاليف النقل والتكرير.
كما أن إنتاج النفط الخام لا يمثل وحده جميع عناصر أمن الطاقة؛ إذ تعتمد قدرة السوق على توفير الوقود أيضًا على كفاءة المصافي وتوافر خطوط الأنابيب ومنشآت التخزين والقدرة على نقل المنتجات النفطية إلى مناطق الاستهلاك.
ومن هنا، يشمل القرار الرئاسي أنشطة متعددة تتجاوز استخراج النفط، بما في ذلك تكريره ونقله وتخزين الوقود السائل، وهي قطاعات قد تتطلب استثمارات إضافية إذا استمرت اضطرابات الإمدادات.
مصفاة تكساس ضمن خطط توسيع قدرات التكرير
كان نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس قد أعلن الأسبوع الماضي أن الإدارة ستستخدم قانون الإنتاج الدفاعي لتوسيع الطاقة التكريرية لمصفاة في ولاية تكساس مملوكة لشركة «ديليك يو إس هولدينغز».
ويقدم هذا الإعلان مثالًا على توجه الإدارة إلى توظيف صلاحيات القانون لدعم مشروعات محددة في قطاع الطاقة، ولا سيما تلك المرتبطة بزيادة قدرة الولايات المتحدة على معالجة النفط الخام وتحويله إلى منتجات مكررة.
ولا تحدد المذكرة الجديدة ما إذا كانت ستوفر تمويلًا مباشرًا لمشروع المصفاة المشار إليه أو لمشروعات أخرى، لكنها تضع إنتاج النفط وتكريره والأنشطة المرتبطة بهما ضمن المجالات التي تعتبرها الإدارة ضرورية للدفاع الوطني.
تمويل سابق بمليار دولار لمشروعات الطاقة
وكان ترامب قد وقع العام الماضي تشريعًا تضمن تخصيص تمويل بقيمة مليار دولار بموجب قانون الإنتاج الدفاعي لمشروعات متعلقة بالطاقة تعتبر حيوية للأمن القومي.
ويأتي القرار الأخير في سياق استمرار استخدام الإدارة الأدوات التشريعية والمالية لدعم البنية التحتية للطاقة وتعزيز القدرات الإنتاجية المحلية.
ومع ذلك، فإن حجم التمويل الذي قد ينتج عن المذكرة الجديدة، والجهات التي ستستفيد منه، والشروط التي ستحددها الإدارة، لا تزال غير واضحة في المعلومات المعلنة.
أمن الطاقة بين زيادة الإنتاج وتحديات السوق
يعكس القرار الأمريكي مساعي الإدارة إلى تقوية القدرات المحلية في إنتاج النفط وتكريره وتخزينه، في مواجهة اضطرابات الإمدادات العالمية وارتفاع أسعار الوقود.
لكن أثر هذه الخطوة سيعتمد على كيفية تنفيذها، ومدى سرعة توفير التمويل وتجاوز العقبات التنظيمية والبنية التحتية، فضلًا عن تطورات الصراع في الشرق الأوسط والهجمات التي تؤثر في منشآت الطاقة وسلاسل الإمداد.
وفي حين قد تساعد الحوافز الحكومية على تسريع بعض المشروعات، فإنها لا تعني بالضرورة تراجع أسعار الوقود على المدى القصير، إذ تظل الأسعار مرتبطة بعوامل عالمية تشمل مستويات الإنتاج والطلب وتكاليف التكرير والنقل والمخاطر الجيوسياسية.
وبذلك، يفتح قرار ترامب المجال أمام دعم إضافي لقطاع النفط والوقود الأحفوري تحت مظلة الدفاع الوطني، في وقت تتقاطع فيه اعتبارات أمن الطاقة مع الضغوط الاقتصادية والاستحقاقات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة.







