عزات جمال - مصدر الإخبارية
مرة أخرى، يُقدم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على إصدار قرار يعتدي من خلاله على حق الشعب الفلسطيني، وقد تمثّل هذه المرة في تأجيل الانتخابات التشريعية، والتي كان من المفترض عقدها في 28 نوفمبر من العام الحالي 2026، بحسب قرار سابق. هذا الاعتداء لم يكن فقط تعديًا على حق أصيل ومكفول من الحقوق الجمعية لعموم الشعب الفلسطيني، والذي عمل السيد عباس على مصادرته، وحرمان الشعب الفلسطيني من حقه في اختيار رئيسه منذ 22 عامًا، واختيار ممثليه في المجلس التشريعي الفلسطيني منذ 20 عامًا، وكذا ممثليه في المجلس الوطني الفلسطيني لما هو أكثر من ذلك، مع الأسف. وسط حالة من الرفض لهذه الخطوة المجحفة.
حيث تحوّل الرفض إلى حالة من الغضب والاستنكار لدى قطاعات شعبية واسعة، ولم يكن الغضب فقط بفعل قرار التأجيل، إذ إن معظم المتابعين والباحثين كانوا على قناعة باستحالة مضي رئيس السلطة في الذهاب للانتخابات لاعتبارات سياسية وانتخابية عدة، ليس أولها واقع حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح»، والتي تعاني من انقسامات في ظل قيادة السيد عباس للحركة، ولا بفعل حالة الحنق والغضب الشعبي المتزايد تجاه السلطة وممارساتها في غزة والضفة، ووسمها بالفساد والمحسوبية وسوء الإدارة محليًا ودوليًا، وسط انتشار مظاهر البذخ والفساد والمحسوبية التي بات يُوسم بها كبار مسؤوليها الذين يستفيدون من الامتيازات هم وذووهم.
ولم تتوقف حالة الغضب والسخط على السلطة الفلسطينية ورئيسها المتشبث بالسلطة منذ 22 عامًا، فقد طال الغضب الشعبي والاستهجان عموم الفصائل الفلسطينية، التي وافقت على قرار رئيس السلطة محمود عباس بالتأجيل، بل ودعمته ووصفته بالخطوة الصحيحة، في استفزاز واضح لمشاعر الشارع الفلسطيني، الذي كان ينتظر هذه الفرصة على مدار عقدين من الوقت. وها هو يرى التأجيل تلو التأجيل، فيما يعتبره استهانة بتضحياته وهمومه، والأهم أن هذا التأجيل لم يأتِ في سياق تقدم لرؤية وطنية شاملة تعيد الاعتبار للإنسان أو تنطلق من رؤية تُغلّب فيها مصلحته أو مصلحة القضية الفلسطينية في ظل استهداف الاحتلال الإسرائيلي للهوية السياسية والمؤسسات الوطنية، في محاولة لإنهاء الكيانية السياسية لصالح بديل خدمي أو إنساني بدون أي طابع سياسي أو هوية وطنية؛ بل كانت المفاجأة أن التأجيل جاء لإفساح المجال لعقد المزيد من اللقاءات والاجتماعات والمشاورات، وكأن الفلسطيني قدره أن يبقى رهينة لانتظار مخرجات حوار طال أمده، ولم ينتج عنه أي شيء يُعينه على الصمود فوق أرضه وفي وطنه. فعلى مدار عقدين، جرت الدعوة لاجتماعات ولقاءات لربما في قارات العالم مجتمعة، ولم يحصل في هذه الاجتماعات أي تقدم ملموس. ليسأل المواطن الفلسطيني بألم: ما الذي قد تُحدثه الاجتماعات الجديدة؟
إن توفر النية الحسنة والإرادة السياسية الصادقة للتغيير لا تحتاج للكثير من الاجتماعات والمؤتمرات والتفاهمات؛ ولا تكون بمصادرة حق الشعب الفلسطيني الأصيل في اختيار من يمثله ويقود مؤسساته، ولا تكون بتهميشه وإدارة الظهر لمعاناته وتجاوز تضحياته. إن الدور الوطني المطلوب من الفصائل الفلسطينية في هذه الظروف الصعبة يتمثل بالاحتكام للإرادة الشعبية، والامتثال لتحقيق الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، دعمًا لصمود الإنسان ولكي تمنحه الأمل.
لقد كان الأولى بالفصائل الفلسطينية والقيادات السياسية، أن تدافع عن حق الشعب الفلسطيني في انتخاب ممثليه، بدلًا من مسايرة رئيس السلطة في تجاوزه المتكرر وإضفاء المزيد من الشرعية على خطوته، التي تعزز التفرد والهروب إلى الأمام. كان من الأجدر بها أن تسجل موقفًا وطنيًا مسؤولًا، بدلًا من منحه صك براءة. كان من الأفضل لها تبني موقف مشابه لموقف فرنسا ومواقف عدد من الدول الأوروبية، والتي ترفض هذا التأجيل وأن تسجل موقفًا للتاريخ، في ظل عدم وجود أي ضامن لأن تُفضي الحوارات واللقاءات المزمع إجراؤها إلى شيء، وفي ظل عدم وجود أي ضمانات بإمكانية إجراء الانتخابات في موعدها الجديد!







