د. غسان مصطفى الشامي- مصدر الإخبارية
مع اقتراب انتخابات الكنيست الإسرائيلي المزمع عقدها الشهر الجاري، تتصاعد وتيرة ومظاهر التنافس السياسي داخل الاحزاب الإسرائيلية والمجتمع الإسرائيلي، في ظل تنامي الخطاب القومي والديني وسط محاولات بعض القوى اليمينية الإسرائيلية المتطرفة توظيف الرموز التاريخية والجغرافية في معاركها الانتخابية، وفي قلب هذا المشهد، تبرز قضية القدس المحتلة التي تمثل ساحةً للصراع الفلسطيني الاسرائيلي على الأرض والهوية والرواية التاريخية.
حيث أقدم قبل أيام وضمن -برنامج الدعاية الانتخابية- قطاع المستوطنين المتطرفين على وضع ملصقات تستهدف تغيير اسم شارع القائد التاريخي صلاح الدين الأيوبي إلى «شارع أبطال الحرب»، بل وتجاوز قطعان المستوطنين الحدود بنزع لافتات كتب عليها اسم القائد البطل صلاح الدين الأيوبي، حيث تتجاوز هذه الخطوة الخطيرة من قبل المستوطنين حدود لافتة في أحد شوارع مدينة القدس المحتلة؛ إذ تمس اسمًا ارتبط في الذاكرة العربية والإسلامية بتاريخ القدس واستعادتها من الصليبيين الأعداء، بل وتكشف هذه الخطوة عن حضور الرموز التاريخية في الخطاب السياسي الذي تتنافس القوى الإسرائيلية على توظيفه مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية القادمة.
وحسب مصادر المعلومات الإعلامية المقدسية، أقدم المستوطن المتطرف( إلياهو ليبمان)، المرشح عن حزب «نوعام» لانتخابات الكنيست الاسرائيلي وبرفقة عضو الكنيست( آفي ماعوز) ومعهم نحو عشرين من مؤيديه، على وضع ملصقات في شوارع مدينة القدس المحتلة تحمل اسم «شارع أبطال الحرب» على لافتات شارع صلاح الدين في القدس، فيما طلب ( ماعوز) من رئيس بلدية الاحتلال في القدس (موشيه ليون)طرح مسألة تغيير الاسم على لجنة التسميات التابعة للبلدية المحتلة، تمهيدًا لبحث المقترح، وإقراره من مجلس البلدية الاحتلالي .
ويؤكد كاتب المقال أن هذه الخطوة لا تعني إقرار تغيير الاسم رسميًا، وفق المعلومات المتاحة، بل تمثل تحركًا جديا للمطالبة بذلك، حيث يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول استهداف الأسماء والمعالم المرتبطة بالتاريخ العربي والإسلامي للمدينة.
ويشدد كاتب المقال على أن ما يقوم به قطعان المستوطنين في القدس المحتلة وفي الضفة الغربية لا يمكن فصله عن المناخ السياسي السابق لانتخابات الكنيست، حيث تتنافس الأحزاب والشخصيات الإسرائيلية على استقطاب الناخبين عبر قضايا الأمن والهوية والسيادة، حيث تتقدم قضية القدس والمسجد الأقصى المبارك في صلب الخطاب القومي والديني الإسرائيلي، حيث تصبح - في مثل هذا المناخ السياسي المحتدم - الأسماء والرموز التاريخية جزءًا من رسائل سياسية تستهدف الجمهور الاسرائيلية وتستهدف الحصول على أصواتهم في صناديق الاقتراع، بل وتقدم تصورات معينة عن الماضي والحاضر والمستقبل في الكيان الإسرائيلي.
ويطرح كاتب المقال حول التحرك المتعلق بشارع صلاح الدين سؤالًا جوهريًا: هل تتحول الأسماء التاريخية للقدس المحتلة إلى مادة للمزايدة الانتخابية، بحيث تسعى بعض القوى إلى تسجيل مواقف رمزية تعزز حضورها السياسي؟؟!!
إن توقيت الخطوة يمنحها أهمية سياسية إضافية، لكنه لا يكفي وحده للجزم بأنها جزء من خطة انتخابية موحدة. غير أن توظيف الرموز التاريخية في المنافسة السياسية يظل مؤشرًا يستحق القراءة في سياق التحولات التي يشهدها الخطاب الإسرائيلي.
ويحمل اسم القائد المظفر صلاح الدين الأيوبي مكانة تاريخية راسخة في تاريخ أمتنا العربية والإسلامية، لدوره البارز والكبير في الانتصار على الصليبيين الغزاة واستعادة القدس عام 1187، عقب معركة حطين، في محطة بارزة من تاريخ المدينة، ولذلك.
إن استهداف اسم صلاح الدين في أحد شوارع القدس لا يُقرأ بوصفه إجراءً إداريًا عابرًا، بل بوصفه مساسًا برمز من رموز الذاكرة التاريخية العربية والإسلامية، خاصة أن المدن التاريخية الإسلامية الميلاد ليست أبنية وشوارع فقط، وإنما ذاكرة متراكمة تحفظها الأسماء والمعالم والحكايات المتوارثة، لذا فإن تغيير أسماء الأماكن، عندما يرتبط بمحاولات إقصاء رواية تاريخية أو تهميش حضور جماعة في الذاكرة العامة، يثير تساؤلات بشأن الهوية والحق في صون التراث الثقافي والتاريخي العربي الإسلامي في مدينة القدس المحتلة، حيث تزداد حساسية هذه المسألة في القدس، التي تشكل مركزًا دينيًا وتاريخيًا وثقافيًا للفلسطينيين، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي والصراع الديني على مستقبل المدينة الإسلامية ومعالمها المقدسة.
ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المزمع عقدها الشهر الجاري، لا تقتصر المنافسة بين الأحزاب والقوى السياسية الإسرائيلية على البرامج الاقتصادية والأمنية والصراع على تشكيل الحكومة النازية الجديدة، بل تمتد إلى قضايا الهوية والعلاقة بالأرض الفلسطينية ومكانة القدس والمسجد الأقصى المبارك في تصورات الأحزاب المتنافسة، وقد تمنح المواقف المتشددة أصحابها مساحة للظهور الإعلامي، لكنها تثير تساؤلات بشأن انعكاساتها على الحقوق التاريخية والثقافية للفلسطينيين.
وفي مواجهة هذه التحركات، تبرز أهمية توثيق ما يجري في القدس، وتسليط الضوء على محاولات تغيير معالمها وأسمائها، ومخاطبة المؤسسات الدولية والحقوقية والثقافية بشأن ضرورة حماية التراث التاريخي للمدينة. كما تظل مسؤولية الإعلام الفلسطيني والعربي حاضرة في تقديم الرواية التاريخية الموثقة، والتمييز بين المقترحات السياسية والقرارات الرسمية.
إن معركة القدس المحتلة ليست معركة أسماء وشوارع فحسب، بل هي صراع طويل على الذاكرة والهوية والرواية التي ستبقى حاضرة في وجدان الأجيال، ومهما احتدمت المنافسة على مقاعد الكنيست الاسرائيلي، تبقى القدس قضية تتجاوز الحسابات الانتخابية، ويظل الحفاظ على هويتها التاريخية والثقافية مسؤولية فلسطينية وعربية وإنسانية، تتطلب عملًا إعلاميًا وقانونيًا وثقافيًا متواصلًا، يؤكد أن تاريخ المدينة لا يمكن اختزاله في ملصق انتخابي أو قرار بلدي.







