طلال عوكل - مصدر الإخبارية
كان واضحاً لدى الفلسطينيين، أن إلحاح الاتحاد الأوروبي على إصلاح النظام السياسي الفلسطيني، يعني أمرين أساسيين من بين أمور أخرى.
الأمر الأول إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، بغرض إعادة بناء الشرعية الفلسطينية عبر صناديق الاقتراع، أما الثاني فهو اتخاذ إجراءات حقيقية لمكافحة الفساد الذي يرى الممول الأوروبي أنه يستفحل في هياكل السلطة الفلسطينية.
الاتحاد الأوروبي الذي يتقدم في مواقفه تجاه حل الدولتين، ويسجل أصعب الانتقادات والعقوبات بحق المشاريع الاستيطانية في الضفة، وإرهاب المستوطنين فيما يتعرض قطاع غزة للفصل والمجازر من كل نوع، أراد أن يستعيد الفلسطينيون عبر صناديق الاقتراع إعادة فرض وحدة الضفة وغزة كخطوة اعتراضية على المخططات الإسرائيلية الرامية لقتل كل إمكانية لتحقيق حل الدولتين. الموقف الأوروبي، ينطوي على رؤية لا تتخلى عن دعم إسرائيل، وإنما ترى في حل الدولتين، مخرجاً حقيقياً لإنقاذ إسرائيل من جنون قادتها المتطرفين، الذين يعرضون الدولة لمخاطر وجودية.
حين استجابت قياده المنظمة والسلطة لشروط الإصلاح الأوروبية كانت تعلم يقيناُ طبيعة التعقيدات التي تحيط بالعملية الانتخابية في حال إجرائها ولكنها لم تجرؤ على رفض الطلب الأوروبي، بينما كان الأفضل أن تدخل في حوار مع الأوروبيين حول تلك التعقيدات، وأن تطلب ضمانات دولية أو على الأقل أوروبية، لإنجاح الانتخابات وتجاوز الاعتراضات الأميركية الإسرائيلية.
رغم ذلك صدر مرسوم إجراء الانتخابات التشريعية والمجلس الوطني وتأجيل الانتخابات الرئاسية للعام المقبل مع أن هذه تشكل الأولوية. إذا كانت قضية مشاركة المقدسيين في الانتخابات الذريعة التي أدت إلى تأجيلها في سنوات سابقه، فقد أضيفت إليها ذريعة الأوضاع الصعبة التي يتعرض لها قطاع غزة، بعد السابع من أكتوبر 2023.
كان المرسوم الرئاسي قد تضمن بنداً يلزم المرشحين بالتوقيع على وثيقة تنص على الالتزام ببرنامج منظمة التحرير، أي برنامج أوسلو بكل اشتراطاته. وقد فهم الكثيرون من ذلك، أنه محاولة إقصائية للفصائل التي ترفض ذلك. كانت المفاجأة الأولى أن الفصائل باستثناء حركة الجهاد الإسلامي قد تعاطت بإيجابية مع المرسوم الرئاسي بالرغم من البند الإقصائي الذي اعتقد صاحب المرسوم أنه يمكن التخلص من عبء فصائل وسياسات يصفها الأميركيون والأوروبيون بالإرهابية.
المفاجأة الثانية جاءت لتضع حركة فتح أمام خيارات صعبة قد لا تستطيع حركة فتح تجاوزها، لتأمين استمرار سيطرتها على نتائج الانتخابات، فهي لا تستطيع تلبية شروط التيار الإصلاحي في حركة فتح الذي يتزعمه محمد دحلان، ولا تستطيع تجاوز الإشارات التي جاءت لتقول إنه ثمة إمكانية لتحالف يضم حماس والتيار الإصلاحي، وربما تنضم إليه فصائل أخرى. وإذ لا يمكن أن يصدر عن قيادة فتح ما يشير إلى مخاوفها من هذا الحراك، فإنها ذهبت لتحميل إسرائيل المسؤولية عن تعطيل الانتخابات، ومنع لجنة الانتخابات المركزية من إدخال المواد الضرورية اللازمة لقطاع غزة.
من المؤكد أن إسرائيل ستفعل كل شيء يمنع إجراء الانتخابات، ولكن هذا كان معلوماً حين صدر المرسوم الرئاسي بالرغم من أن إسرائيل نفت أن تكون السبب في تأجيل الانتخابات، بهدف إحراج السلطة الفلسطينية.
والحقيقة أن ثمة فارق جوهري بين الانتخابات البلدية التي جرت قبل عدة أشهر وبين الانتخابات العامة ذات الأبعاد السياسية، التي تتعارض مع المخططات الإسرائيلية التي لا تخفي سعيها للإطاحة بالسلطة الفلسطينية. في آخر تصريحاته عبر نتنياهو عن مخاوفه مما يسمى انقلاب البنادق، ويقصد بنادق الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي يحذرها من أن تتحول للدفاع عن الفلسطينيين أمام إرهاب المستوطنين.
هكذا لم يكن أمام السلطة سوى الإعلان عن تأجيل الانتخابات بادعاء أنه قرار توافقي مع بقية الفصائل الفلسطينية الأخرى سواء كان ذلك حقيقة أو ادعاء. رد الفعل الأوروبي جاء غاضباً وبداية من فرنسا، والذين أصروا على إجراء الانتخابات.
في الواقع ثمة خياران للتجديد شرعية النظام السياسي وإعادة بنائه؛ الأول والأهم على الإطلاق، أن يتم ذلك عبر صناديق الاقتراع وبإشراف دولي، أما الثاني والذي كان سائدا قبل أوسلو، أن يتم ذلك عبر حوار وطني وتوافق بين فصائل العمل السياسي. إذا كانت الانتخابات تواجه صعوبات هائلة موجودة وتستمر لسنوات قادمة، فإن السنوات السابقة على طوفان الأقصى، قد أكدت أن الحوار والتوافق الوطني، غير ممكن أيضا وفقاً للحسابات الفئوية والسياسية، فكيف وإن الظروف قد أصبحت أكثر صعوبة؟
هكذا، وبدون إعفاء المحتل الإسرائيلي عما يتعرض له الفلسطينيون وقضيتهم، فإن أهل القضية يتحملون جزءاً من المسؤولية تتعلق بعجزهم عن مداواة جراحهم السياسية والاجتماعية بما يعزز قدرتهم على مجابهة المخططات الإسرائيلية.







