بيت لحم - فند مسؤولون وباحثون ورجال دين فلسطينيون في بيت لحم الادعاءات التي وردت في خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ81، بشأن أسباب هجرة المسيحيين من المدينة.
وكان نتنياهو قد ربط، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية "وفا"، بين تولي السلطة الوطنية الفلسطينية زمام الأمور في بيت لحم وبين زيادة هجرة المسيحيين منها.
ورفض رئيس بلدية بيت لحم حنا حنانيا هذه التصريحات، واصفاً إياها بأنها "أكاذيب ومغالطات"، وقال إنها تهدف إلى خلط الأوراق وزعزعة صفوف الشعب الفلسطيني.
وأكد حنانيا أن هجرة المسيحيين تعود، وفق تقديره، إلى الاحتلال الإسرائيلي وإجراءاته، مشيراً إلى إحاطة بيت لحم بـ27 مستعمرة، إلى جانب الاستيلاء على الأراضي والقيود المفروضة على حركة المواطنين ووجود حواجز عسكرية على مداخل المدينة.
حنانيا: الوجود المسيحي مكون أساسي في المجتمع الفلسطيني
وشدد حنانيا على أن السلطة الوطنية الفلسطينية تدعم الوجود المسيحي باعتباره مكوناً أساسياً في النسيج الاجتماعي الفلسطيني.
واستشهد بتشكيلة مجلس بلدية بيت لحم، الذي يضم 15 عضواً، قائلاً إن الرئيس الراحل ياسر عرفات، ومن بعده الرئيس محمود عباس، حرصا على أن يكون ثمانية أعضاء من المسيحيين، وأن يكون رئيس البلدية ونائبه مسيحيين.
واعتبر أن ذلك يعكس، بحسب قوله، الحفاظ على الهوية العربية المسيحية الفلسطينية وأهمية الوجود المسيحي في المدينة.
وأضاف أن الحركة الصهيونية حاولت تاريخياً تحويل الصراع من وطني إلى ديني وإخراج المكون المسيحي من إطار الشعب الفلسطيني، مؤكداً رفضه لما وصفه بالتصريحات الكاذبة.
باحث فلسطيني: الاحتلال والظروف السياسية أثرا في الهجرة
من جانبه، قال الباحث والمؤرخ ومدير المركز الفلسطيني للدراسات وحوار الحضارات وليد الشوملي إن ما ورد في خطاب نتنياهو بشأن هجرة المسيحيين "عار عن الصحة تماما"، مستنداً إلى أرقام تاريخية قال إنها تظهر تراجع نسبة المسيحيين في بيت لحم بعد عام 1967.
وأوضح الشوملي أن نسبة المسيحيين في بيت لحم كانت، وفق تقديره، تقدر بنحو 85% قبل احتلال عام 1967، قبل أن تتراجع إلى نحو 46% بعد ذلك، معتبراً أن الظروف السياسية والإجراءات التي فرضها الاحتلال أسهمت في هذا التراجع.
وأشار إلى أن معظم المسيحيين ينتمون إلى الطبقة الوسطى، وأن الاحتلال أدى، بحسب قوله، إلى تضييق الأفق أمام فئات واسعة، ولا سيما الشباب، داعياً إلى التفريق بين نسب المسيحيين في مدينة بيت لحم وتلك المسجلة في المحافظة ككل.
وأكد الشوملي أن الهجرة لا يمكن اختزالها في العامل الديني، مشيراً إلى استمرار الوجود المسيحي إلى جانب المسلمين في فلسطين على مدى قرون.
وقال إن السياسات والإجراءات الإسرائيلية تطال المسلمين والمسيحيين، مستشهداً بما وصفه بالاعتداءات على قرية الطيبة ذات الطابع المسيحي.
وأضاف أن مغادرة عائلة مسيحية واحدة قد تترك أثراً ديموغرافياً واجتماعياً ملحوظاً، داعياً إلى تعزيز الوعي بأهمية الوجود المسيحي الفلسطيني من خلال المناهج ووسائل الإعلام والندوات.
متري الراهب: الاحتلال منذ 1967 أدى إلى تراجع الوجود المسيحي
بدوره، قال رئيس جامعة دار الكلمة القس متري الراهب إن ما ورد في خطاب نتنياهو يمثل، بحسب وصفه، "دعاية وافتراء وكذب"، مستعرضاً أرقاماً قال إنها تظهر تراجع نسبة المسيحيين الفلسطينيين خلال العقود الماضية.
وأوضح الراهب أن الحضور المسيحي في القرن العشرين كان يمثل نحو 11% وفق الإحصائيات التي أشار إليها، وأن نسبتهم قبل نكبة عام 1948 كانت تتجاوز 8%، قبل أن تتراجع إلى 2.8% بعد ذلك.
وأضاف أن احتلال عام 1967 شكل، بحسب قوله، مرحلة متواصلة من التهجير، وصولاً إلى الحرب في قطاع غزة، مشيراً إلى أن عدد المسيحيين في القطاع انخفض، وفق تقديره، إلى نحو 500 شخص.
كما أشار إلى ما وصفه بإجراءات الاحتلال في الضفة الغربية، معتبراً أنها أسهمت في تفاقم هجرة المسيحيين وتراجع نسبتهم.
بيت لحم والاستيطان والقيود على الحركة
وقال الراهب إن بيت لحم تواجه ضغوطاً مرتبطة بالاستيطان والاستيلاء على الأراضي، مشيراً إلى أن أجزاء واسعة من أراضي المحافظة تعرضت، وفق قوله، للمصادرة.
وأضاف أن وجود عشرات البوابات على مداخل المحافظة والقيود المفروضة على الحركة تسهم، بحسب تقديره، في دفع السكان إلى الهجرة، كما تحدث عن فصل بيت لحم عن القدس باعتباره عاملاً مؤثراً في الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمدينة.
وأشار كذلك إلى ما وصفه باعتداءات على الكنائس والراهبات في القدس، معتبراً أن هذه الوقائع تتعارض مع الرواية التي تربط تراجع الوجود المسيحي بالسلطة الوطنية الفلسطينية.
أنطون سلمان: الهجرة مرتبطة بالقيود السياسية والاقتصادية
وقال أمين سر المجلس الثوري لحركة فتح ورئيس بلدية بيت لحم السابق أنطون سلمان إن إسرائيل تحاول، وفق تقديره، استخدام ورقة المسيحيين في مواجهة السلطة الوطنية الفلسطينية.
وأضاف أن الفلسطينيين يواجهون قيوداً على حرية التنقل والسفر والعمل والسياحة، إلى جانب تراجع الأوضاع الاقتصادية، معتبراً أن هذه العوامل أسهمت في الهجرة.
وأشار سلمان إلى عزل مناطق في محيط بيت لحم والاستيلاء على مساحات من الأراضي، مؤكداً أن القيود، بحسب قوله، تطال المسيحيين والمسلمين على حد سواء.
ودعا إلى وقف الاعتداءات على الكنائس وتوفير الظروف التي تسمح بنمو الوجود المسيحي في فلسطين.
رمزي خوري: حماية الوجود المسيحي تتطلب وقف الانتهاكات
من جهته، قال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيس اللجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس في فلسطين رمزي خوري إن تصريحات نتنياهو تتناقض، بحسب قوله، مع واقع حياة المسيحيين الفلسطينيين.
واعتبر خوري أن الاحتلال الإسرائيلي وإجراءاته يمثلان السبب الرئيسي، وفق تقديره، وراء تراجع أعداد المسيحيين، مشيراً إلى ما وصفه بانتهاكات طالت الكنائس والأديرة والمقدسات والأراضي والمؤسسات المسيحية.
وقال إن هذه الانتهاكات تشمل مناطق مختلفة، من القدس إلى الطيبة وبيرزيت وعين عريك ومحافظة بيت لحم، وتتضمن الاستيلاء على الأراضي والممتلكات وفرض الضرائب والقيود على المؤسسات الكنسية، إلى جانب القيود المفروضة على حرية العبادة والوصول إلى الأماكن المقدسة.
كما أشار إلى ما وصفه باستهداف المؤسسات التعليمية المسيحية ومناهجها وموظفيها.
دعوات لحماية المؤسسات والوجود المسيحي الفلسطيني
وأشار خوري إلى اعتداءات قال إنها طالت كنيسة يوحنا المعمدان في حيفا ودير الأرمن، إضافة إلى اعتداءات أخرى على الكنائس والأديرة في الضفة الغربية والقدس.
وأكد أن هذه الوقائع، بحسب موقفه، لا تمثل حوادث منفصلة، وإنما نمطاً متواصلاً من الانتهاكات التي تمس حرية العبادة والتعليم وملكية الأراضي واستمرارية المؤسسات المسيحية وحق المسيحيين الفلسطينيين في البقاء في وطنهم.
وشدد على أن حماية الوجود المسيحي لا تتحقق بالخطابات، وإنما من خلال وقف الاعتداءات والاستيطان والاستيلاء على الأراضي والتهجير، وضمان حرية العبادة والوصول إلى المقدسات وحماية الكنائس والأديرة والمؤسسات المسيحية.
وختم بالتأكيد على تمسك المسيحيين الفلسطينيين بأرضهم وكنائسهم ومقدساتهم، ومواصلة رسالتهم في فلسطين.
وكالة الأنباء الفلسطينية







