وكالات - توصل باحثون من جامعة سري البريطانية إلى تحديد ثلاثة مسارات رئيسية يمكن أن يتبعها الناجون من النوبات القلبية خلال السنوات الخمس التالية للإصابة، باستخدام تقنيات تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لتحليل السجلات الصحية.
ويرى الباحثون أن النتائج، التي نُشرت الخميس في دورية الجمعية الأميركية للمعلوماتية الطبية، قد تفتح المجال أمام تطوير أساليب أكثر دقة للتنبؤ بمسار تعافي المرضى، ومساعدة الأطباء والمستشفيات على تقديم رعاية صحية مخصصة في مرحلة مبكرة.
تحليل بيانات نحو 13 ألف ناجٍ من النوبات القلبية
اعتمدت الدراسة على السجلات الصحية لنحو 13 ألف شخص في بريطانيا سبق أن تعرضوا لنوبة قلبية.
وتابع الباحثون تسلسل التشخيصات الجديدة وتوقيت ظهورها بعد الإصابة، قبل استخدام تقنيات التعلم الآلي لتجميع المرضى وفق الأنماط الصحية المتشابهة التي ظهرت لديهم مع مرور الوقت.
وأتاح هذا النهج تحديد ثلاث مجموعات رئيسية، لكل منها مسار صحي مختلف خلال السنوات الخمس التي أعقبت النوبة القلبية.
وتحدث النوبة القلبية عندما ينقطع تدفق الدم إلى جزء من عضلة القلب، غالباً نتيجة انسداد أحد الشرايين التاجية بجلطة دموية، ما يحرم العضلة من الأكسجين ويمكن أن يؤدي إلى تلفها. وتُعد الحالة من حالات الطوارئ الطبية التي تتطلب تدخلاً سريعاً لتقليل خطر التلف الدائم والمضاعفات.
المجموعة الأكبر: أمراض القلب والأيض
شكلت المجموعة الأولى 63% من المشاركين، وكانت الأكبر بين المجموعات الثلاث.
وارتبط المسار الصحي لأفرادها بظهور مجموعة من الأمراض القلبية والاستقلابية، من بينها ارتفاع ضغط الدم، والسكري من النوع الثاني، واضطرابات مستويات الدهون في الدم، إلى جانب مضاعفات متقطعة تؤثر في القلب والجهاز التنفسي.
ورغم تعدد المشكلات الصحية لدى هذه الفئة، فإن معدل الوفيات لديها كان أقل بكثير من المجموعة التي ارتبط مسارها بالتدخين.
23% واجهوا تدهوراً في وظائف الرئة والعضلات
أما المجموعة الثانية فشكلت 23% من المرضى، وتميز مسارها بتدهور في وظائف الرئتين والجهاز العضلي الهيكلي وأعضاء أخرى.
ورجح الباحثون أن أفراد هذه المجموعة كانوا من المدخنين، وهو ما ظهر باعتباره عاملاً مهماً في المسار الصحي الذي اتبعته هذه الفئة.
وكانت هذه المجموعة هي الأعلى خطورة من حيث الوفيات، إذ بلغت نسبة الوفيات بين أفرادها 44%، وهو معدل يزيد على ثلاثة أضعاف معدل الوفيات في المجموعة الأكبر المرتبطة بأمراض القلب والأيض.
اضطرابات نظم القلب والكلى لدى المجموعة الثالثة
وشكلت المجموعة الثالثة نحو 14% من المرضى.
وظهر لدى أفرادها مسار صحي اتسم بزيادة الإصابة بأمراض هيكلية في القلب واضطرابات في نظم ضرباته، إلى جانب مشكلات مرتبطة بوظائف الكلى.
وتشير هذه النتائج إلى أن النوبة القلبية لا تقود بالضرورة إلى مسار صحي واحد لدى جميع الناجين، وإنما يمكن أن تتباين التداعيات اللاحقة بصورة كبيرة وفق الخصائص الصحية والبيولوجية لكل مريض.
الذكاء الاصطناعي يتنبأ بالمسار الصحي
لم يقتصر دور أداة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في الدراسة على تصنيف المرضى بعد ظهور المشكلات الصحية، بل تمكن الباحثون من استخدامها للتنبؤ بالمسار الذي قد يتبعه المريض منذ وقت الإصابة بالنوبة القلبية.
واعتمد التنبؤ على مجموعة من المعلومات، من بينها التشخيصات الطبية السابقة والبيانات الديموغرافية للمريض.
ويعني ذلك، وفق الباحثين، إمكانية استخدام مثل هذه الأدوات مستقبلاً لتحديد المرضى الأكثر عرضة لتدهور صحي معين في وقت مبكر، بما يسمح بتوجيه المتابعة الطبية والموارد الصحية نحو الفئات الأكثر احتياجاً.
اختلافات بيولوجية بين المسارات
وسعى الباحثون إلى التحقق مما إذا كانت المسارات الصحية الثلاثة مجرد أنماط إحصائية في السجلات الطبية، أم أنها تعكس اختلافات بيولوجية حقيقية بين المرضى.
وأظهر التحليل الجيني وجود ارتباطات بمسارات جزيئية مختلفة بين المجموعات الثلاث.
فالمجموعة الأكبر، التي ارتبطت بأمراض القلب والأيض، أظهرت ارتباطاً بتنشيط الجهاز المناعي وإعادة تشكيل الأنسجة.
أما المجموعة التي ارتبطت باضطرابات نظم القلب، فبرزت لديها عمليات مرتبطة بإشارات الإنسولين ونقل الدهون.
في حين ارتبط المسار الصحي للمجموعة التي يُعتقد أنها تضم مدخنين بعمليات مرتبطة بالالتهاب المزمن.
ويعزز هذا الجانب من الدراسة فكرة أن الاختلافات التي رصدها الباحثون بين المرضى قد تكون مرتبطة بآليات بيولوجية مختلفة، وليس فقط باختلاف التشخيصات المسجلة في الملفات الطبية.
أمراض الجهاز التنفسي والعمر والحرمان الاجتماعي عوامل خطر
حدد الباحثون عدداً من المؤشرات التي ارتبطت باحتمال دخول المريض في المسار الصحي الأعلى خطورة.
وكان من أبرزها وجود أمراض في الجهاز التنفسي، والتقدم في العمر، وارتفاع مستويات الحرمان الاجتماعي والاقتصادي.
وتشير هذه النتائج إلى أهمية النظر إلى الحالة الصحية للمريض بصورة شاملة بعد النوبة القلبية، وعدم الاكتفاء بعوامل الخطر القلبية التقليدية عند تقدير احتمالات تدهور حالته مستقبلاً.
نحو رعاية صحية أكثر تخصيصاً
ويعتقد الباحثون أن هذه المنهجية، رغم أنها لا تزال في مراحلها المبكرة، يمكن أن تساعد مستقبلاً المستشفيات والأنظمة الصحية على تحديد المرضى الأكثر عرضة لمسارات صحية خطرة في وقت مبكر.
ومن شأن ذلك أن يتيح تصميم خطط متابعة ورعاية مخصصة وفق المخاطر المتوقعة لكل مريض، بدلاً من اعتماد نهج موحد لجميع الناجين من النوبات القلبية.
ومع ذلك، فإن نتائج الدراسة لا تعني أن أداة الذكاء الاصطناعي يمكنها حسم مستقبل المريض بصورة مؤكدة، وإنما تقدم وسيلة للتنبؤ بالمسار الأكثر احتمالاً استناداً إلى البيانات المتاحة.
وتبرز الدراسة في النهاية أهمية دمج السجلات الصحية واسعة النطاق والتحليل الجيني وتقنيات التعلم الآلي في أبحاث أمراض القلب، مع إمكانية أن تسهم هذه الأدوات مستقبلاً في الانتقال من التعامل مع المضاعفات بعد حدوثها إلى التنبؤ بالمخاطر والتدخل الطبي المبكر.







