وكالات - واصلت أسعار النفط ارتفاعها للجلسة الخامسة على التوالي، اليوم الخميس، في ظل تصعيد الإدارة الأميركية ضغوطها الاقتصادية على إيران، بما يزيد المخاوف بشأن مستقبل صادرات الخام الإيراني وحركة الشحن عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات النفطية في العالم.
وصعد خام برنت القياسي العالمي باتجاه مستوى 93 دولاراً للبرميل، بعدما حقق مكاسب تجاوزت 5% خلال الجلسات الأربع السابقة، بينما اقترب خام غرب تكساس الوسيط من 85 دولاراً للبرميل.
وجاءت المكاسب الجديدة بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجموعة من الإجراءات التي تستهدف تشديد العزلة الاقتصادية على إيران، ملوحاً بعواقب اقتصادية واسعة على الدول والشركات والمؤسسات التي تساعد طهران.
وقال ترمب، في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إن الإجراءات الجديدة تمثل "حرباً اقتصادية وعزلة على نطاق غير مسبوق"، داعياً حلفاء الولايات المتحدة إلى دعم التحرك الأميركي.
وحذر الرئيس الأميركي من أن الدول التي تسمح لمؤسساتها المالية أو شركاتها أو مطاراتها أو جهاتها الحكومية بتقديم المساعدة لإيران ستواجه، بحسبه، عواقب اقتصادية كبيرة، كما دعا إلى وقف أنشطة تشمل التهريب والتحويلات النقدية ومكاتب الصرافة وبعض العمليات المرتبطة بسجلات السفن.
إيران في قلب تحركات سوق النفط
وتراقب أسواق الطاقة تداعيات هذه الإجراءات على صادرات النفط الإيرانية، خصوصاً أن الصين تعد أكبر مشترٍ للخام الإيراني، رغم عدم ظهور تدفقات إيرانية في بيانات الجمارك الصينية الرسمية منذ عام 2022.
وتعتمد صادرات إيران بدرجة كبيرة على مصافٍ صينية مستقلة تُعرف باسم "أباريق الشاي"، والتي تستفيد من الخصومات السعرية المرتبطة بالعقوبات الأميركية المفروضة على النفط الإيراني.
ويثير تشديد العقوبات مخاوف من احتمال تعرض هذه التدفقات لمزيد من القيود، الأمر الذي قد يضغط على المعروض العالمي من الخام إذا تراجعت الصادرات الإيرانية بصورة ملموسة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه المنطقة توتراً متصاعداً حول مضيق هرمز، الذي تمر عبره كميات ضخمة من تجارة النفط العالمية، ما يجعل أي اضطراب مستمر في حركة الملاحة عاملاً قادراً على التأثير سريعاً في الأسعار.
واشنطن تنتقل إلى الضغط الاقتصادي
وتبدو استراتيجية الإدارة الأميركية في الأسابيع الأخيرة أكثر تركيزاً على الضغط الاقتصادي بعد سلسلة من التحركات العسكرية ضد إيران.
وتسعى واشنطن، وفق المعطيات الواردة، إلى دفع طهران للعودة إلى طاولة المفاوضات، والتوصل إلى ترتيبات بشأن برنامجها النووي، إضافة إلى إنهاء الأزمة المرتبطة بمضيق هرمز.
وفي الوقت نفسه، تواصل القوات الأميركية فرض ضغوط على الموانئ الإيرانية، بينما يحاول منتجو النفط في الخليج الحفاظ على حركة صادراتهم عبر المضيق رغم المخاطر الأمنية.
وكان ترمب قد قال في وقت سابق إن "الكثير من النفط" لا يزال يمر عبر الممر المائي، في مؤشر إلى أن الأسواق لا تزال تركز بدرجة كبيرة على حجم الإمدادات الفعلية وليس فقط على التصريحات السياسية.
وقال حارث خورشيد، كبير مسؤولي الاستثمار لدى "كاروبار كابيتال"، إن عدم تحرك النفط بقوة أكبر رغم التصريحات الأخيرة قد يكون في حد ذاته مؤشراً مهماً على كيفية تعامل السوق مع الأخبار المتعلقة بالأزمة.
وأضاف أن السوق أصبحت أكثر حذراً في إعادة تسعير الخام مع كل تصريح جديد، وأن البراميل التي تعبر مضيق هرمز تظل أهم من الخطاب السياسي في تحديد اتجاه الأسعار.
السوق تراقب التدفقات الفعلية
وتشير حركة العقود الآجلة إلى استمرار وجود نبرة صعودية في سوق النفط، إذ ظل الفارق بين العقود الفورية والعقود الآجلة القريبة لخام برنت في حالة "باكورديشن"، حيث يتم تداول العقود الأقرب بسعر أعلى من العقود اللاحقة.
ويُنظر عادةً إلى هذا الوضع باعتباره مؤشراً على قوة الطلب الفوري أو ضيق المعروض المتاح في السوق.
ومع ذلك، لا تزال الأسواق تتجنب المبالغة في تسعير المخاطر الجيوسياسية، في ظل استمرار تدفق جزء كبير من الإمدادات عبر مضيق هرمز وعدم تحول التهديدات إلى تعطّل واسع ومستمر للصادرات.
بيانات أميركية تدعم أسعار النفط
وتلقى النفط أيضاً دعماً من بيانات قطاع التكرير الأميركي.
وأظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية ارتفاع معدلات تشغيل المصافي إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2019، في وقت تراجعت فيه مخزونات نواتج التقطير، التي تشمل الديزل، إلى أدنى مستوياتها في أكثر من شهر.
ويكتسب انخفاض مخزونات الديزل أهمية خاصة في ظل استمرار المخاوف بشأن شح المعروض من الوقود، ما ساعد على تعويض ارتفاع مخزونات النفط الخام الأميركية بنحو 4.4 مليون برميل خلال الأسبوع الماضي.
ويشير ارتفاع نشاط المصافي إلى استمرار الطلب على الخام من جانب قطاع التكرير، وهو عامل يوفر دعماً إضافياً للأسعار إلى جانب المخاطر الجيوسياسية.
أحدث تحركات أسعار النفط
بحلول الساعة 10:28 صباحاً بتوقيت سنغافورة، ارتفع خام برنت تسوية أكتوبر بنسبة 0.4% إلى 92.95 دولار للبرميل.
كما صعد خام غرب تكساس الوسيط تسليم أكتوبر بنسبة 0.3% إلى 84.60 دولار للبرميل.
أما عقد غرب تكساس الوسيط تسليم سبتمبر، الذي تنتهي صلاحيته في وقت لاحق من الخميس، فارتفع بنسبة 0.1% إلى 85.94 دولار للبرميل.
هل يستطيع النفط مواصلة الصعود؟
يبقى مسار أسعار النفط خلال المرحلة المقبلة مرتبطاً بدرجة كبيرة بتطورات مضيق هرمز وصادرات إيران. فإذا تحولت العقوبات والضغوط الأميركية إلى انخفاض فعلي ومستمر في تدفقات الخام، فقد تواجه السوق نقصاً إضافياً يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى.
أما إذا استمرت حركة الشحن والإمدادات عبر المضيق دون اضطرابات كبيرة، فقد تجد الأسعار صعوبة في مواصلة الصعود بنفس الوتيرة، خصوصاً إذا لم تترافق المخاطر الجيوسياسية مع انخفاض فعلي في المعروض.
وبذلك، تركز الأسواق حالياً على الفارق بين التصعيد السياسي من جهة، وحجم النفط الذي يصل فعلياً إلى المشترين من جهة أخرى.







