وكالات - تحت أضواء خافتة تستحضر أجواء المقابر والمعابد المصرية القديمة، تستعيد الحضارة الفرعونية حضورها في قلب مدينة سان فرانسيسكو الأميركية، من خلال معرض «كنوز الفراعنة» الذي يقدم للزوار مجموعة واسعة من الآثار المصرية التي تعود إلى آلاف السنين.
وافتُتح المعرض مطلع أغسطس في متحف دي يونغ، ليكون أول محطة أميركية للجولة الدولية التي سبق أن استضافتها العاصمة الإيطالية روما. ويضم المعرض 130 قطعة أثرية تمتد عبر نحو 3 آلاف عام من تاريخ مصر القديمة، على أن يستمر في سان فرانسيسكو حتى 31 يناير 2027.
ولا يقتصر المعرض على استعراض الذهب والكنوز الملكية، بل يسعى إلى تقديم صورة أكثر شمولاً عن المجتمع المصري القديم، من السلطة والملكية والمعتقدات الدينية إلى الموت والدفن والحرف والصناعات والحياة اليومية للعمال والأسر والأطفال.
130 قطعة عبر 6 محاور
تتوزع مقتنيات «كنوز الفراعنة» على 6 محاور رئيسية تتناول السلطة الملكية والمعتقدات الدينية والحياة والموت والمجتمع، إلى جانب مجموعة من الاكتشافات الأثرية الحديثة.
وتشمل المعروضات تماثيل ضخمة من الغرانيت، وأقنعة جنائزية مذهبة، وتوابيت، ومجوهرات ذهبية، وأثاثاً، وأدوات شخصية، وقطعاً استخدمها المصريون القدماء في حياتهم اليومية.
وجاءت القطع من عدد من المجموعات والمتاحف المصرية، من بينها المتحف المصري في القاهرة ومتحف الأقصر، فيما لم يسبق لبعض المعروضات أن غادرت مصر قبل مشاركتها في هذه الجولة الدولية.
ومن أبرز القطع التي تستقطب اهتمام الزوار قناع الدفن الذهبي للملك أمنمؤبي، إلى جانب قطع مرتبطة بتويا، فضلاً عن تماثيل لا تزال تحتفظ بأجزاء من ألوانها الأصلية رغم مرور آلاف السنين على صناعتها.
ويحاول المعرض من خلال هذه المجموعة تجاوز الصورة التقليدية التي تختزل الحضارة المصرية القديمة في الأهرامات والمومياوات والذهب، ليطرح سؤالاً أكثر ارتباطاً بالإنسان: كيف كانت حياة المصري القديم؟
«المدينة الذهبية» تكشف حياة المصريين العاديين
من أكثر أقسام المعرض إثارة للاهتمام القطع القادمة من «المدينة الذهبية» المكتشفة بالقرب من الأقصر، والتي تعود إلى عصر الملك أمنحتب الثالث قبل أكثر من 3 آلاف عام.
وتكشف هذه المجموعة جانباً مختلفاً من الحضارة المصرية القديمة، إذ تضم أدوات وفخاريات ومتعلقات شخصية استخدمها العمال والحرفيون الذين عاشوا وعملوا في المدينة.
ومن بين هذه المكتشفات خشخيشة لطفل، وهي قطعة بسيطة في شكلها لكنها تحمل دلالة إنسانية كبيرة، إذ تقدم لمحة عن تفاصيل الحياة الخاصة للأسر والأطفال في ذلك العصر.
وتكتسب هذه القطع أهمية إضافية باعتبارها، بحسب الجهات المنظمة، المرة الأولى التي يشاهد فيها جمهور أميركا الشمالية بعض مكتشفات «المدينة الذهبية».
وبوجود هذه الأدوات إلى جانب التماثيل الملكية والأقنعة الذهبية والتوابيت، يقدم المعرض صورة أكثر قرباً من الحياة اليومية، بعيداً عن الصورة الرسمية التي تركز عادة على الفراعنة والقصور والمعابد والمقابر.
رحلة عبر 3 آلاف عام من التاريخ
يمتد الخط الزمني للمعرض عبر مراحل متعددة من تاريخ مصر القديمة، من بدايات الأسرات المصرية وصولاً إلى الفترات المتأخرة، بما يتيح للزائر تتبع التحولات السياسية والدينية والاجتماعية التي شهدتها البلاد على مدى أكثر من ثلاثة آلاف عام.
ولا تعتمد تجربة المعرض على التسلسل الزمني وحده، بل تربط القطع بمجموعة من الأسئلة المرتبطة بأفكار المصريين القدماء ومعتقداتهم.
وتطرح المعروضات تساؤلات حول مكانة الذهب وعلاقته بالخلود، وتصوّر المصريين للعالم الآخر، ودور الملك في المجتمع، إلى جانب طبيعة حياة الأشخاص الذين لم يكونوا ملوكاً أو كهنة.
ولهذا تتجاور في قاعات المعرض المقتنيات الملكية مع الأدوات اليومية، كما تعرض مقتنيات مرتبطة بالموت والدفن إلى جانب أشياء استخدمت في الحياة، في محاولة لإظهار الحضارة المصرية باعتبارها مجتمعاً متكاملاً وليس مجرد عالم من الملوك والآثار الضخمة.
سان فرانسيسكو و«هوس» الحضارة المصرية
تتمتع سان فرانسيسكو بتاريخ طويل مع المعارض التي تستعرض الحضارة المصرية القديمة، إذ سبق لمتحف دي يونغ أن استضاف معارض فرعونية جذبت أعداداً كبيرة من الزوار.
وخلال الفترة بين أغسطس 2022 وفبراير 2023، استقبل معرض «رمسيس العظيم وذهب الفراعنة» أكثر من 312 ألف زائر، ليصبح المعرض الأكثر حضوراً في المتحف منذ عام 2019، وفقاً لصحيفة «سان فرانسيسكو كرونيكل».
لكن «كنوز الفراعنة» يقدم تجربة مختلفة نسبياً، إذ يعتمد بصورة أكبر على القطع الأثرية نفسها، مع حضور أقل للمؤثرات والعروض التفاعلية، ما يمنح الزائر فرصة للتأمل في تفاصيل الآثار واكتشاف القصص المرتبطة بها.
رحلة أميركية جديدة للكنوز المصرية
بعد انتهاء محطة سان فرانسيسكو في يناير 2027، من المقرر أن تواصل مجموعة «كنوز الفراعنة» جولتها في الولايات المتحدة، حيث تنتقل إلى متحف كيمبل للفنون في مدينة فورت وورث بولاية تكساس خلال عام 2027.
وبذلك لا تمثل الجولة مجرد عرض لـ130 قطعة أثرية مصرية خارج البلاد، وإنما محاولة لإعادة تقديم الحضارة المصرية القديمة من زاوية إنسانية أوسع، تجمع بين الملوك الذين سعوا إلى الخلود، والحرفيين الذين صنعوا أدواتهم، والأسر التي عاشت تفاصيل يومية تشبه في بعض جوانبها حياة البشر في كل العصور.
ومن خلال هذه القطع، تعبر قصة مصر القديمة آلاف الكيلومترات وآلاف السنين، لتصل إلى جمهور جديد في سان فرانسيسكو، مؤكدة أن تفاصيل الحضارة لا تختبئ فقط في المعابد والمقابر، بل أيضاً في الأشياء الصغيرة التي تركها الناس خلفهم.







