القدس المحتلة - مصدر الإخبارية
سجلت إسرائيل ارتفاعًا حادًا في عدد ضحايا الاتجار بالبشر من العمال الأجانب خلال العامين الماضيين، بالتزامن مع التوسع الكبير في استقدام العمالة الأجنبية عقب منع دخول العمال الفلسطينيين بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وهو ما أثار مخاوف من اتساع مظاهر الاستغلال والعمل القسري في عدد من القطاعات، وفي مقدمتها قطاع البناء.
وأفادت صحيفة "هآرتس"، اليوم الخميس، بأن عدد العمال الأجانب الذين اعترفت السلطات الإسرائيلية بهم ضحايا للاتجار بالبشر ارتفع من خمسة أشخاص فقط في عام 2023 إلى 30 شخصًا في عام 2025، بزيادة بلغت 500%، في وقت ارتفع فيه عدد العمال الأجانب العاملين في إسرائيل بنحو 70% خلال الفترة نفسها، من 110 آلاف إلى 190 ألف عامل، بينما يقدر عددهم حاليًا بنحو 250 ألفًا.
وجاء هذا التوسع بعد قرار الحكومة الإسرائيلية منع دخول العمال الفلسطينيين عقب اندلاع الحرب، ما تسبب في نقص حاد بالأيدي العاملة، خصوصًا في قطاع البناء، ودفع السلطات إلى زيادة حصص العمالة الأجنبية، وفتح قطاعات جديدة أمامها، والسماح باستقدام أعداد كبيرة من العمال عبر شركات خاصة.
وفي عام 2025، اعترفت السلطات الإسرائيلية بـ128 شخصًا ضحايا للاتجار بالبشر، مقارنة بـ73 حالة في عام 2024 و94 حالة في عام 2023، بينهم 77 امرأة و51 رجلًا، فيما بلغت نسبة قبول طلبات الاعتراف نحو 92%. ويمنح هذا الاعتراف الضحايا حق الإقامة في ملاجئ مخصصة، والحصول على تصاريح عمل خلال فترة التأهيل، إضافة إلى المساعدة القانونية.
الاستقدام الخاص يفاقم الديون والاستغلال
وقبل أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت إسرائيل تعتمد بصورة رئيسية على اتفاقيات ثنائية مع دول المنشأ لتنظيم استقدام العمال، بما يضمن اطلاعهم على حقوقهم ويحد من تدخل الوسطاء وفرض الرسوم غير القانونية.
لكن التوسع في مسار الاستقدام الخاص بعد الحرب أتاح جلب العمال بوتيرة أسرع، مقابل رقابة أقل على رسوم الوساطة وظروف التشغيل، ما أدى إلى وصول كثير من العمال وهم مثقلون بديون كبيرة نتيجة الاقتراض لتمويل تكاليف السفر ورسوم الاستقدام، الأمر الذي جعلهم أكثر اعتمادًا على أصحاب العمل وأقل قدرة على ترك وظائفهم حتى عند تعرضهم للاستغلال.
وكشف بحث أجراه معهد "بروكديل" بطلب من وزارة القضاء الإسرائيلية، وشمل 320 عاملًا في قطاع البناء، أن 73% من العمال دفعوا أكثر من أربعة آلاف دولار للوصول إلى إسرائيل، فيما دفع 23% منهم ما لا يقل عن ثمانية آلاف دولار.
وأشار البحث إلى أن تكلفة استقدام العمال الهنود عبر المسار الخاص بلغت نحو أربعة أضعاف تكلفة الاستقدام عبر الاتفاقيات الثنائية الرسمية، فيما تجاوزت التكلفة بالنسبة للعمال القادمين من سريلانكا ثلاثة أضعاف.
كما أظهرت نتائج الدراسة أن 14% من العمال أُجبروا على أداء أعمال تختلف عن تلك المتفق عليها، بينما أفاد 13% بأنهم تلقوا أجورًا أقل من الوعود التي قُدمت لهم قبل السفر. وتحدث آخرون عن تأخير صرف الرواتب، وعدم تسلم قسائم الأجور، وتقاضي المستحقات نقدًا، إضافة إلى احتجاز جوازات سفرهم.
ونقلت الصحيفة عن أحد العمال الصينيين قوله إن جواز سفره صودر فور وصوله إلى إسرائيل ولم يُعد إليه، بينما أكد عامل آخر أن احتجاز جوازه كان بهدف منعه من الانتقال إلى صاحب عمل آخر.
وبيّنت الدراسة أن نحو 9% من العمال تعرضوا لثلاثة انتهاكات أو أكثر في الوقت نفسه، وهو ما قد يشكل، بحسب الجهات المختصة، مؤشرات على العمل القسري أو الاحتجاز في ظروف شبيهة بالعبودية.
تغييرات في آلية رصد الضحايا
وتزامن ارتفاع أعداد الضحايا مع نقل صلاحية الاعتراف بضحايا الاتجار بالبشر مطلع عام 2024 من الشرطة إلى منسقة حكومية في وزارة القضاء، تعمل بالتعاون مع لجنة تضم ممثلين عن الشرطة ووزارات العمل والرفاه وسلطة السكان ومنظمات المجتمع المدني.
وساهمت هذه الآلية الجديدة في تحسين التنسيق بين الجهات المعنية والكشف المبكر عن حالات لم تكن تصل سابقًا إلى سلطات التحقيق، وذلك بعد خفض تصنيف إسرائيل في تقرير وزارة الخارجية الأميركية الخاص بمكافحة الاتجار بالبشر، حيث لا تزال مصنفة ضمن الفئة الثانية للدول التي لا تستوفي بالكامل الحد الأدنى من معايير مكافحة الظاهرة.
وانتقد التقرير الأميركي ضعف الملاحقات القضائية في قضايا الاتجار بالبشر لأغراض العمل، وصعوبة التعرف المبكر إلى الضحايا، إضافة إلى محدودية الرقابة على عمليات الاستقدام خارج الاتفاقيات الثنائية، مشيرًا إلى عدم تسجيل أي لوائح اتهام جديدة في قضايا الاتجار لأغراض العمل بين عامي 2020 و2023.
وفي عام 2025، فتحت الشرطة الإسرائيلية 115 ملف تحقيق في جرائم الاتجار بالبشر والجرائم المرتبطة بها، مقارنة بـ86 ملفًا في عام 2024، وأسفرت التحقيقات عن تقديم 32 لائحة اتهام أو فرض عقوبات قانونية أخرى.
استغلال جنسي وحالات غير مكتشفة
وكشفت "هآرتس" أن السلطات الإسرائيلية اعترفت مؤخرًا بثماني نساء صينيات ضحايا للاتجار بالبشر لأغراض الاستغلال الجنسي، بعد وصولهن إلى إسرائيل مثقلات بديون كبيرة وبمشاركة شبكات إجرامية صينية.
ووفقًا للمصادر، احتُجزت النساء داخل شقق، وتعرضن للتهديد، ومُنعن من مغادرة أماكن احتجازهن أو الحصول على الأموال الناتجة عن استغلالهن، فيما أُجبرت بعضهن على تناول أقراص أفقدتهن القدرة على التركيز.
كما رصدت سلطات إنفاذ القانون محاولات لإدخال نساء إلى إسرائيل عبر معبر الكرامة (أللنبي) بعد تشديد الرقابة في مطار بن غوريون، في وقت تؤكد فيه الأجهزة المختصة أن العديد من حالات الاتجار بالبشر لا تزال خارج نطاق الرصد.
وبحسب الصحيفة، تلقت السلطات حتى منتصف يوليو/تموز الجاري نحو 100 طلب جديد للاعتراف بضحايا الاتجار بالبشر، وهو ما قد يؤدي إلى تسجيل مستوى قياسي جديد خلال العام الحالي.
وفي المقابل، ارتفع عدد العمال الأجانب الذين تلقوا خدمات في الملاجئ المتخصصة من 41 شخصًا في عام 2023 إلى 111 شخصًا في عام 2025، بينما تجاوز ملجأ الرجال طاقته الاستيعابية خلال الأشهر الأخيرة.
وترى منظمات حقوقية أن سياسة التوسع في الاستقدام الخاص ساهمت في زيادة مخاطر الاستغلال، إذ أكدت مديرة القسم القانوني في مركز اللاجئين والمهاجرين أن النتائج الحالية تعكس التداعيات السلبية لتغيير سياسة هجرة العمل، فيما حذرت منظمة "خط للعامل" من أن نظام التجنيد الخاص يثقل العمال بالديون ويربطهم بظروف عمل مجحفة قد تعرض سلامتهم للخطر.
ورغم التوصيات الرسمية بتوسيع الاتفاقيات الثنائية مع دول المنشأ، وتشديد الرقابة على رسوم الوساطة غير القانونية، ومنح الجهات المختصة صلاحيات أوسع لفرض الغرامات، تواصل الحكومة الإسرائيلية زيادة حصص العمالة الأجنبية وفتح قطاعات جديدة أمامها، بينما تواجه أجهزة الرقابة تحديات متزايدة في مواكبة هذا التوسع وضمان حماية حقوق العمال.







