القدس المحتلة - مصدر الإخبارية
بدأت التداعيات الاقتصادية للحروب التي خاضتها إسرائيل خلال الأعوام الثلاثة الماضية بالظهور بصورة أكثر وضوحًا، بعدما كشفت بيانات حديثة عن تراجع ملحوظ في المشاركة بسوق العمل، وسط تحذيرات من أن الخسائر البشرية والإصابات الجسدية والنفسية الناتجة عن الحرب قد تتحول إلى عبء اقتصادي طويل الأمد يؤثر في النمو والإنتاجية.
ورغم نجاح الاقتصاد الإسرائيلي في استيعاب التكاليف المالية المباشرة للحروب عبر زيادة الدين العام وارتفاع العجز في الموازنة، إلى جانب تقليص الإنفاق على الخدمات المدنية ورفع مخصصات الأمن، فإن مؤسسات اقتصادية وخبراء، من بينهم منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)، يحذرون من أن التأثيرات الحقيقية للحرب ستظهر تدريجيًا على الناتج المحلي وسوق العمل خلال السنوات المقبلة.
وكشفت بيانات عرضها كبير الاقتصاديين في وزارة المالية الإسرائيلية، شموئيل أبرامزون، خلال مؤتمر "سوق المال" الذي نظمته صحيفة "ذا ماركر"، عن انخفاض معدل المشاركة في قوة العمل من متوسط بلغ 63.9% خلال الفترة التي سبقت اندلاع الحرب في عام 2023 إلى 61.6% في مايو 2026، ما يعادل تراجعًا قدره 2.3 نقطة مئوية.
وبحسب التحليلات، فإن هذا الانخفاض يعني اختفاء نحو 160 ألف شخص من سوق العمل، في ظاهرة وصفتها الأوساط الاقتصادية بأنها غير مفهومة حتى الآن، خاصة أن معدلات البطالة لم ترتفع بالشكل الذي يفسر هذا التراجع، كما أن البيانات تشمل العاملين والباحثين عن عمل والأشخاص الموجودين في إجازات غير مدفوعة الأجر.
وأظهرت البيانات أن الانخفاض شمل معظم الفئات السكانية، إلا أن التراجع الأكبر سُجل بين الرجال الحريديم، حيث انخفضت نسبة المشاركة بنحو 2.9 نقطة مئوية، فيما تراجعت أيضًا مشاركة الرجال اليهود غير الحريديم بنحو 2.7 نقطة مئوية، وهو ما يرجح ارتباطه جزئيًا بالخدمة العسكرية الواسعة في قوات الاحتياط، دون أن يكون ذلك التفسير الوحيد.
وفي المقابل، سجل المجتمع العربي اتجاهًا مختلفًا، إذ ارتفعت نسبة تشغيل النساء العربيات بنحو 1.5 نقطة مئوية، بينما استقر معدل مشاركة الرجال العرب في سوق العمل دون تغيرات كبيرة.
ويرى محللون اقتصاديون أن أحد أبرز أسباب هذا التراجع يتمثل في الارتفاع الكبير في أعداد المصابين بإعاقات جسدية ونفسية منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على قدرة المصابين وأفراد أسرهم على الاستمرار في العمل.
وتشير بيانات شعبة إعادة التأهيل في وزارة الأمن الإسرائيلية إلى أن عدد المصابين بإعاقات نفسية ناجمة عن صدمات الحرب ارتفع بصورة غير مسبوقة، حيث بات عددهم يفوق المصابين بإعاقات جسدية بأكثر من خمسة أضعاف، مع توقعات بزيادة هذه الفجوة خلال السنوات المقبلة.
كما ارتفع عدد الأشخاص المعترف بإعاقتهم لدى وزارة الأمن من 61 ألفًا إلى 84.6 ألف شخص، بينما قفز عدد ضحايا العمليات العدائية المعترف بهم لدى مؤسسة التأمين الوطني من نحو 9 آلاف إلى ما يقارب 83 ألفًا، وسط تقديرات بوصول إجمالي عدد ذوي الإعاقة في هاتين الفئتين إلى نحو 183 ألف شخص بحلول عام 2028.
وتحذر تقديرات وزارة المالية من أن هذه التطورات قد تؤدي إلى انخفاض دائم في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 0.7% و1% سنويًا، بما يعادل خسائر اقتصادية تصل إلى نحو 20 مليار شيكل، نتيجة انخفاض إنتاجية المصابين وتأثر أفراد أسرهم الذين يضطرون إلى تقديم الرعاية لهم.
ويزداد القلق مع كون نسبة كبيرة من المصابين الجدد من الشباب في سن العمل، إذ تشير البيانات إلى أن نحو نصف المصابين الذين أضيفوا إلى قوائم ذوي الإعاقة منذ أكتوبر 2023 تقل أعمارهم عن 30 عامًا، وهي الفئة التي تمثل عادة أعلى مستويات الإنتاجية في الاقتصاد.
كما تؤكد تقارير اقتصادية أن إعادة دمج المصابين باضطرابات ما بعد الصدمة في سوق العمل تمثل تحديًا أكبر مقارنة بالمصابين بإعاقات جسدية، وهو ما قد يؤدي إلى استمرار انخفاض المشاركة في قوة العمل لفترة طويلة.
وفي السياق ذاته، أظهرت دراسة أعدها البروفيسور مومي دهان من الجامعة العبرية أن نحو 363 ألف شخص بلغوا سن العمل منذ اندلاع الحرب، إلا أن 80 ألفًا فقط انضموا فعليًا إلى سوق العمل، أي ما يعادل معدل مشاركة لا يتجاوز 22%.
ويرى الباحث أن الارتفاع الكبير في أعداد الجرحى، إلى جانب تأثير إصاباتهم على أفراد أسرهم، ساهم في زيادة نسبة غير المشاركين في سوق العمل إلى 38.4%، مقارنة مع 36.4% قبل جائحة كورونا، كما أدى إلى تباطؤ معدل نمو السكان في سن العمل من 2% إلى 1.7% سنويًا، في ظل تراجع صافي الهجرة وارتفاع أعداد الإسرائيليين الذين غادروا البلاد.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن الاقتصاد الإسرائيلي بدأ يواجه آثارًا هيكلية للحرب تتجاوز التكاليف العسكرية المباشرة، مع توقعات بأن يظل تأثيرها على سوق العمل والإنتاجية والنمو الاقتصادي حاضرًا خلال السنوات المقبلة.







