القدس المحتلة - مصدر الإخبارية
كشف تقرير صادر عن المعهد الإسرائيلي للديمقراطية بعنوان "أبرز الخطوات لإضعاف الديمقراطية في إسرائيل خلال ولاية الكنيست الخامسة والعشرين"، عن سلسلة واسعة من التشريعات والإجراءات الحكومية التي قال إنها أسهمت في إضعاف مؤسسات الرقابة والضوابط الديمقراطية في إسرائيل خلال الفترة الممتدة بين تشرين الثاني/ نوفمبر 2022 وتموز/ يوليو 2026.
ورصد التقرير، الذي تابع أداء الحكومة والكنيست خلال أربع سنوات، مئات المبادرات التشريعية والقرارات الإدارية التي طالت مؤسسات القضاء، جهاز الاستشارة القانونية للحكومة، الشرطة، الخدمة العامة، وسائل الإعلام، المؤسسات الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني.
وأشار التقرير إلى أن ما جرى لا يمثل خطوات منفصلة، بل "عملية تراكمية" تهدف إلى إعادة توزيع موازين القوى داخل النظام السياسي، عبر تقليص قدرة المؤسسات المستقلة على مراقبة السلطة التنفيذية.
263 مبادرة تشريعية تمس المؤسسات والحقوق
بحسب التقرير، جرى رصد نحو 263 مبادرة تشريعية اعتبر أنها قد تضر بالمؤسسات والقيم والحقوق الديمقراطية، من بينها 90 مبادرة وصلت إلى مراحل متقدمة في مسار التشريع، فيما أُقرّ 28 قانونًا.
وأوضح أن المحاكم كانت الجهة الأكثر استهدافًا، مع تسجيل 50 اقتراحًا يتعلق بصلاحياتها أو استقلاليتها، تلتها مؤسسة المستشار القضائي للحكومة بـ31 اقتراحًا، والخدمة العامة بـ29 اقتراحًا، ووسائل الإعلام بـ25 اقتراحًا.
كما أشار إلى أن الحقوق الأكثر تعرضًا للمساس كانت المساواة بـ72 مبادرة، وحرية التعبير بـ68، والحق في محاكمة عادلة بـ40، وكرامة الإنسان بـ39، وحرية الصحافة بـ34 مبادرة.
من "الإصلاح القضائي" إلى تغييرات إدارية تدريجية
ذكر التقرير أن الحكومة التي تشكلت نهاية عام 2022 وضعت ضمن اتفاقاتها الائتلافية خطة لإعادة تشكيل العلاقة بين السلطات، تضمنت تغيير طريقة اختيار القضاة، إقرار "فقرة التغلب"، تقليص صلاحيات المستشارين القانونيين، وفرض قيود على بعض منظمات المجتمع المدني.
وفي كانون الثاني/ يناير 2023، أعلن وزير القضاء الإسرائيلي ياريف ليفين خطة "الإصلاح القضائي"، التي أثارت احتجاجات شعبية واسعة، خاصة بسبب التعديلات المتعلقة بالمحكمة العليا ولجنة اختيار القضاة.
وأشار التقرير إلى أن الاحتجاجات الواسعة أدت إلى تجميد أجزاء من الخطة، إلا أن الحكومة واصلت تنفيذ إجراءات أخرى، بينها تعديل صلاحيات وزير الأمن القومي تجاه الشرطة، وإلغاء معيار "المعقولية" الذي سمح للمحكمة بمراجعة بعض قرارات الحكومة، قبل أن تلغي المحكمة العليا هذا التعديل لاحقًا.
وأضاف التقرير أن الحكومة انتقلت بعد اندلاع الحرب إلى ما وصفه بـ"الإصلاح الهادئ"، عبر التعيينات والإقالات والتغييرات الإدارية، قبل أن تتوسع لاحقًا لتشمل خطوات بنيوية أكثر تأثيرًا.
تغييرات في منظومة القضاء
اعتبر التقرير أن الجهاز القضائي كان في مركز التحركات الحكومية، مشيرًا إلى تعديل تركيبة لجنة اختيار القضاة عام 2025، بما يمنح السياسيين تأثيرًا أكبر في عملية التعيين ويقلل من دور الاعتبارات المهنية.
كما تناول التقرير الخلافات حول تعيين رئيس المحكمة العليا، ورفض وزير القضاء التعاون مع تعيين القاضي يتسحاق عميت رئيسًا للمحكمة، إضافة إلى تصاعد الانتقادات السياسية للقضاة ومحاولات التأثير على استقلالية القضاء.
إضعاف مؤسسة المستشار القضائي للحكومة
تطرق التقرير إلى قانون أُقر عام 2026 يتعلق بمؤسسة المستشار القضائي للحكومة، وقال إنه يقلل من مكانتها كجهة قانونية ملزمة للسلطة التنفيذية.
وأوضح أن القانون يسمح للحكومة في حالات معينة بتجاوز المواقف القانونية للمستشار، ويمنح وزير القضاء صلاحيات أوسع في مراقبة عمل المؤسسة.
كما أشار إلى ارتفاع اعتماد الحكومة على محامين من القطاع الخاص لتمثيلها في قضايا تخالف فيها مواقف المستشارة القضائية، معتبرًا أن ذلك أدى إلى تحويل الأمر من استثناء إلى ممارسة متكررة.
الشرطة والاحتجاجات تحت الرقابة السياسية
تناول التقرير التغييرات التي طالت صلاحيات وزير الأمن القومي تجاه الشرطة، مشيرًا إلى مخاوف من تسييس عمل الجهاز الأمني.
وقال إن الحكومة وسعت تدخلها في قضايا تتعلق بتوزيع القوات، التحقيقات، وترقيات الضباط، كما رصد التقرير تضييقًا على الاحتجاجات من خلال الاعتقالات واستخدام القوة ضد المتظاهرين.
وأشار إلى قانون فصل وحدة التحقيق مع أفراد الشرطة عن النيابة العامة، معتبرًا أنه قد يؤثر على استقلالية التحقيقات المتعلقة بسلوك أفراد الشرطة.
تأثير على الخدمة العامة والإعلام
رصد التقرير ما وصفه بتسييس متزايد للخدمة العامة، من خلال الاعتماد على التعيينات المؤقتة وتولي وزراء أكثر من حقيبة وزارية، إضافة إلى تغييرات في آليات تعيين مسؤولي الشركات الحكومية.
وفي قطاع الإعلام، تناول التقرير قوانين وإجراءات قال إنها تهدد استقلالية وسائل الإعلام، بينها إعادة تنظيم سوق البث، والتدخل في عمل هيئة البث العام، ومحاولات تقليص نفوذ وسائل إعلام لا تتوافق مع توجهات الحكومة.
كما أشار إلى منح تسهيلات تنظيمية لقنوات مقربة من الحكومة، مقابل تضييق على مؤسسات إعلامية أخرى.
التعليم والمجتمع المدني والحقوق الأساسية
تطرق التقرير إلى قوانين تمنح وزير التعليم صلاحيات أوسع تجاه المعلمين والمؤسسات التعليمية، إضافة إلى إجراءات قد تؤثر على حرية البحث الأكاديمي والتعبير داخل الجامعات.
كما تناول ما يسمى "قانون الجمعيات"، الذي يفرض قيودًا على منظمات تحصل على تمويل من جهات أجنبية، معتبرًا أن ذلك قد يحد من قدرة المجتمع المدني على مراقبة السلطة.
وفي ملف الحقوق الأساسية، أشار التقرير إلى قوانين تتعلق بالفصل بين الرجال والنساء في بعض المؤسسات التعليمية، وقضايا تجنيد الحريديين، إلى جانب تشريعات تمس حقوق الفلسطينيين، بينها توسيع قوانين مكافحة الإرهاب وفرض قيود إضافية على التعبير السياسي.
انتقادات بشأن تجاهل الاحتلال وغزة
ورغم تركيز التقرير على تراجع المؤسسات الديمقراطية داخل إسرائيل، أشار منتقدون إلى أنه لا يتناول بصورة جوهرية قضايا الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، أو الحرب على قطاع غزة، أو أثر السياسات تجاه الفلسطينيين داخل إسرائيل باعتبارها عناصر أساسية في تقييم طبيعة النظام السياسي والديمقراطي.
خلاصة التقرير
خلص المعهد الإسرائيلي للديمقراطية إلى أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة والكنيست الخامسة والعشرون شكلت مسارًا متدرجًا لإعادة تشكيل العلاقة بين السلطات، عبر إضعاف مؤسسات الرقابة وتقليص استقلالية عدد من الهيئات العامة.
وأكد التقرير أن استعادة التوازن الديمقراطي، بحسب رؤيته، تحتاج إلى تعزيز استقلال المؤسسات، ووضع قواعد دستورية واضحة، وحماية الحقوق الأساسية، وترسيخ مبدأ خضوع السلطة السياسية للقانون والرقابة.







