شهدت الأسواق الأميركية موجة تراجع واسعة، بعدما دفعت بيانات التضخم الأخيرة المستثمرين إلى التخلي عن أسهم التكنولوجيا والرقائق التي حققت مكاسب قوية خلال الأسابيع الماضية، وسط تصاعد المخاوف من استمرار ارتفاع الأسعار بفعل اضطرابات الطاقة المرتبطة بحرب إيران.
وتراجع مؤشر “إس آند بي 500” من مستوياته القياسية، فيما انخفض مؤشر “ناسداك 100” بنحو 1%، بينما هبط مؤشر شركات أشباه الموصلات بنسبة 3%، في واحدة من أكبر موجات البيع التي تضرب القطاع منذ أسابيع.
وجاءت هذه التحركات عقب صدور بيانات أظهرت تسارع التضخم في الولايات المتحدة خلال أبريل، حيث ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 3.8% على أساس سنوي، وهي أكبر زيادة منذ عام 2023، فيما سجل المؤشر الأساسي – الذي يستثني الغذاء والطاقة – ارتفاعًا بنسبة 2.8%.
وأثارت البيانات مخاوف المستثمرين من استمرار الضغوط التضخمية، خصوصًا مع ارتفاع أسعار النفط الناتج عن التوترات في الشرق الأوسط، إذ تجاوز سعر الخام الأميركي مستوى 102 دولار للبرميل.
كما انعكست المخاوف على سوق السندات، حيث ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية مع زيادة رهانات المتداولين على احتمال لجوء مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة مجددًا بحلول عام 2027.
ويرى محللون أن موجة الصعود القوية التي شهدتها أسهم التكنولوجيا خلال الفترة الماضية بدأت تظهر علامات مبالغة، خاصة بعد ارتفاع أسهم شركات الرقائق بنحو 70% خلال ستة أسابيع فقط، مدفوعة بحماس المستثمرين تجاه الذكاء الاصطناعي.
وقال بريت كينويل من منصة “إي تورو” إن الأسواق قد تحتاج إلى فترة تهدئة بعد موجة المكاسب القوية، مشيرًا إلى أن ارتفاع التضخم واستمرار حالة عدم اليقين بشأن سياسة الاحتياطي الفيدرالي يزيدان من تعقيد المشهد الاقتصادي.
من جانبه، اعتبر سكايلر وايناند من “ريغان كابيتال” أن ارتفاع أسعار النفط أصبح المحرك الأساسي للتضخم، متوقعًا أن تظل أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط العامل الأكثر تأثيرًا على الاقتصاد الأميركي خلال الفترة المقبلة.
كما أشار محللون في مؤسسات مالية كبرى إلى أن قوة سوق العمل الأميركية واستمرار الضغوط التضخمية قد يدفعان الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، ما يقلص احتمالات خفض الفائدة خلال العام المقبل.
وفي السياق ذاته، قالت إلين زنتنر من “مورغان ستانلي ويلث مانجمنت” إن ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي يعكس انتقال تأثير ارتفاع أسعار الطاقة إلى قطاعات أوسع داخل الاقتصاد الأميركي، مؤكدة أن ذلك يعقد مهمة الفيدرالي في تحقيق التوازن بين دعم النمو وكبح التضخم.
وعلى الصعيد الجيوسياسي، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيركز خلال قمته المرتقبة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ على ملفات التجارة، مع تقليل الاهتمام بالحرب في إيران، رغم استمرار تداعياتها على أسواق الطاقة العالمية.
وفي أوروبا، تعرضت السندات البريطانية أيضًا لضغوط قوية على خلفية الأزمة السياسية المتصاعدة في بريطانيا، بعد موجة استقالات وزارية وضعت حكومة رئيس الوزراء كير ستارمر تحت ضغط متزايد، رغم بقائه في منصبه حتى الآن.