منى هيثم أبو حدايد - مصدر الإخبارية
في خضم الحرب، لا تبدأ كل القصص بولادةٍ طبيعية، فبعضها يُولد من رحم الخوف، ويكبر على وقع الفقد والانتظار.
فاطمة يوسف، أمٌ وجدت نفسها في مواجهة واحدة من أقسى التجارب الإنسانية، حين رزقت بطفلها الأول “آدم” في ظروف استثنائية، فرضتها الحرب بكل قسوتها.
في شهرها الثامن، وتحت وطأة الخوف والرعب، اضطرت فاطمة إلى خوض تجربة الولادة المبكرة، لتبدأ معاناة جديدة لم تكن تتوقعها. حيث لم تتمكن من احتضان طفلها، إذ نُقل مباشرة إلى الحاضنة في مستشفى الشفاء بسبب وضعه الصحي الحرج، ومنذ تلك اللحظة، بدأ فراقٌ طويل بين الأم ورضيعها.
تقول فاطمة لشبكة مصدر الإخبارية: “اضطريت أن ألد في الشهر الثامن، وأنا في غرفة الولادة أخذوا طفلي من العملية للحضانة… ومن يومها ما شفته.”
مع اشتداد الحصار، وتفاقم الأوضاع داخل المستشفيات، واجه الأطفال الخُدّج خطراً حقيقياً بعد انقطاع الوقود، ما دفع الطواقم الطبية إلى وضع أكثر من طفل في حاضنة واحدة، محاولين بذلك إنقاذ حياتهم. كانت كل لحظة تمر على فاطمة أشبه بالموت، وهي عاجزة عن فعل أي شيء لطفلها.
وبعد حصارٍ طويل، تم إجلاء عدد من الأطفال الخُدّج إلى مصر لتلقي العلاج، وكان آدم من بينهم. رحلة علاج قاسية استمرت عامين، بعيداً عن حضن والدته، في ظل إغلاق المعابر واستمرار الحصار.
واليوم، وبعد انتظارٍ طال، عاد آدم… لكن العودة لم تكن كما تخيلتها والدته.
عاد بفرحةٍ كبيرة، لكنها ممزوجة بألمٍ عميق، إذ لم يتعرف الطفل على والدته التي حُرم منها منذ أشهره الأولى.
تصف فاطمة مشهد لقائها بطفلها بعد حرمان دام عامين ونصف : “شعور حلو… روحي رجعتلي.”
وتضيف: “كنت أحلم أسمع صوته، أحتضنه، أشم ريحته، أسمع أول كلمة ماما منه، وأشوف أول خطوة إله… انحرمت من كل هاللحظات، لكن الحمد لله رجع لحضني بعد عامين من وجع ما بينوصف.”
وتتابع بمرارة: “أكتر إشي وجعني… لما شفته لأول مرة، حضنته بقوة، لكنه خاف… ضليت أقول له أنا ماما… ماما، وبكيت بحرقة.”
وفي مشهدٍ آخر لا يقل قسوة، يعكس حجم المعاناة التي خلّفتها الفوضى خلال الحرب، برزت قصة طفل خديج عاد مؤخراً إلى غزة، لتتحول لحظة استلامه إلى نزاع مؤلم بين رجلين، كلٌّ منهما يؤكد أنه والده الحقيقي.
فمع وصول الأطفال الخُدّج من مصر، هرع الأهالي لاستلام أبنائهم، وهم الذين خرجوا قبل عامين ونصف كمواليد في الشهر السابع أو الثامن، وعادوا اليوم أطفالاً في عمر السنتين. غير أن المشهد لم يكتمل بفرحٍ للجميع، إذ بقي طفل واحد تتنازع عليه عائلتان، لكلٍ منهما رواية متطابقة: أمٌ استشهدت أثناء الولادة، وطفلٌ يحمل ذات المواصفات.
وبين وثائق وشهادات ميلاد متشابهة، لم يكن الحسم ممكناً في لحظته، ما دفع الجهات المختصة إلى تحويل القضية إلى المباحث الطبية للفصل فيها. وقد تسلّم أحد الأبوين الطفل مؤقتاً، على أن يُعاد في اليوم التالي لاستكمال إجراءات التحقق من نسبه.
تعود هذه الحادثة إلى حالة الفوضى التي رافقت إجلاء الأطفال، حيث تم نقلهم في ظروف إنسانية قاسية، دون توثيق كافٍ أو تواصل واضح مع عائلاتهم، في واقعٍ اختلطت فيه المصائر، وغابت فيه الإجابات. “من سافر لا يُعرف مصيره، ومن بقي قد يكون استشهد”… هكذا تلخّصت المأساة.
في هذا المشهد، لا تقف المعاناة عند حدود الفقد، بل تمتد إلى صراعٍ مؤلم على الحقيقة، حيث يبدأ أحد الأبوين رحلة بحث شاقة عن ابنه، دون معلومات أو دليل يقوده إليه.
قصة آدم ووالدته، وهذه الحكايات المشابهة، ليست استثناءً، بل هي جزء من واقعٍ يومي يعكس حجم الألم الذي يعيشه الأطفال الخُدّج وعائلاتهم في زمن الحرب، حيث تُسرق البدايات، وتتشوه أبسط معاني الحياة.
في غزة، قد يعود الغائبون… لكن ما يُفقد من لحظات، لا يمكن استعادته، وما يُكسر في القلوب… قد لا يُجبره الزمن.