سماح شاهين- مصدر الإخبارية
في ظل أزمة متفاقمة تضرب قطاع الغذاء، يشهد إنتاج الخبز تراجعًا حادًا وصل إلى نحو 50%، ما فاقم معاناة الأسر التي باتت تكافح لتأمين احتياجاتها اليومية من هذه المادة الأساسية.
ومع تقلص كميات الخبز المتوفرة في المخابز، لم يجد كثيرون بديلًا سوى اللجوء إلى السوق السوداء، حيث تُباع الأرغفة بأسعار مضاعفة تفوق قدرة غالبية المواطنين، في مشهد يعكس عمق الأزمة الاقتصادية والإنسانية المتصاعدة.
في خيمة بسيطة تفتقر لأدنى مقومات الاستقرار، تبدأ نبيلة حميد يومها قبل شروق الشمس، مدفوعةً بهاجسٍ يومي لا يغيب: كيف تؤمّن الخبز لعائلتها؟.
تقول نبيلة وهي أم لخمسة أفراد لـ"شبكة مصدر الإخبارية" إن الاستيقاظ عند الساعة السادسة صباحًا لم يعد خيارًا، بل ضرورة تفرضها الأزمة: "أخرج مبكرًا جدًا لأشتري ربطة خبز بثلاثة شواكل، لأن السعر بعد الساعة الثامنة يقفز بشكل كبير، وقد يصل إلى ما بين 5 و10 شواكل، وهو مبلغ لا يمكننا تحمّله يوميًا".
وتصف هذا الروتين اليومي بأنه مرهق جسديًا ونفسيًا، خاصة في ظل غياب أي بدائل حقيقية: "لم يعد لدينا طحين في البيت، ولا نملك خيار الخبز المنزلي. كل شيء مرتبط بما نجده في السوق، وحتى هذا لم يعد مضمونًا".
وتضيف بنبرة مثقلة بالقلق بأنها أصبحت تحسب كل لقمة تفكر قبل أن تقدّم الطعام، وتحاول تقليل الاستهلاك قدر الإمكان أحيانًا تبحث عن بدائل، لكن لا شيء يعوّض الخبز، خصوصًا للأطفال.
وتشير إلى أن تداعيات الأزمة لم تتوقف عند ارتفاع الأسعار فقط، بل امتدت لتؤثر على نمط الحياة داخل المنزل: "في بعض الأيام نضطر لتقليل عدد الوجبات، لم يعد الطعام متوفرًا كما كان، وكل شيء أصبح محسوبًا بدقة".
وتردف أن أصعب ما في الأمر هو الشعور بالعجز حين لا تستطيع تأمين أبسط احتياجات عائلتك، مثل الخبز، تشعر أن الحياة أصبحت أثقل من أن تُحتمل.
عبء يومي
في ظل تفاقم أزمة الخبز، يبدأ عبد الله عدوان وهو أب لستة أفراد، يومه قبل بزوغ الفجر، في محاولة يومية لتأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرته الغذائية، وعلى رأسها الخبز.
ويقول عدوان لـ"شبكة مصدر الإخبارية": "أستيقظ يوميًا مع أذان الفجر، وأتوجه باكرًا للبحث عن ربطة خبز بسعر 3 شواكل، لأن التأخر يعني دفع أضعاف هذا المبلغ، أو العودة إلى البيت خالي اليدين".
ويشير إلى أن هذا الروتين أصبح عبئًا يوميًا لا يمكن تجنبه، في ظل تراجع الإنتاج وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق.
ويصف الأزمة بأنها "مقلقة جدًا"، مضيفًا: "نخشى أن نكون على أعتاب مجاعة من نوع آخر، خاصة مع صعوبة الحصول على المساعدات، وقلة المواد الغذائية الأساسية في الأسواق".
ويؤكد عدوان أن عائلته لم تتلقَّ أي كيس من الدقيق منذ أشهر، ما جعلهم يعتمدون بشكل شبه كامل على ما يتمكن من توفيره يوميًا، مردفًا: "لا يوجد مخزون في البيت، وكل يوم نبدأ من الصفر. إذا لم أستطع تأمين الخبز في الصباح، يصبح يومنا كله صعبًا".
ويعرب عن قلقه من المستقبل القريب، قائلًا: "الأوضاع تسير نحو المجهول، وهناك شعور عام بأن غزة مقبلة على مرحلة أصعب، أبواب جديدة غير مفهومة، ولا أحد يعرف إلى أين نحن ذاهبون".
ويتابع بنبرة مثقلة بالخشية: "أكبر همّي الآن هو أطفالي، كيف أوفّر لهم الطعام يومًا بيوم، في ظل هذا الواقع القاسي الذي يزداد تعقيدًا كل يوم".
تدفق العشرات لشراء الخبز
في بقالة مصنوعة من الشوادر لا تكاد تتسع لروادها، وسط أحد أحياء منطقة دير البلح، يقف الخمسيني محمد التوم خلف طاولة بسيطة، محاولًا إدارة تدفق العشرات من الزبائن الباحثين عن الخبز، في مشهد يعكس حجم الأزمة المتفاقمة.
يقول التوم لـ"شبكة مصدر الإخبارية" وهو يراقب الطابور الممتد أمام متجره: "لم أكن أتخيل يومًا أن أبيع الخبز بهذه الطريقة لكن مع تفاقم الأزمة وإغلاق عدد كبير من المخابز، لم يعد أمامي خيار آخر".
وفي ساعات من الصباح الباكر، يبدأ محمد التوم يومه باستقبال الزبائن، مشيرًا إلى حجم الإقبال الكبير: "الناس تأتي مبكرًا جدًا، بعضهم ينتظر قبل أن أفتح المحل بساعات هناك أطفال ونساء وكبار سن، والجميع يحاول تأمين ربطة خبز لعائلته".
ويتابع: "في كثير من الأحيان تنفد الكمية بسرعة، وهذا يسبب توترًا واحتجاجًا أحاول قدر الإمكان تهدئة الناس، لكن الضغط كبير والكمية محدودة".
تحذير من أزمة متصاعدة
حذّر رئيس جمعية أصحاب المخابز في غزة عبد الناصر العجرمي، من تصاعد حدة أزمة الخبز في القطاع، مبيّنًة أن السوق المحلي بات غير قادر على تلبية نحو نصف احتياجات السكان من هذه السلعة الأساسية.
وأشار العجرمي أن بوادر الأزمة برزت بشكل واضح عقب انتهاء شهر رمضان، نتيجة اتساع الفجوة بين حجم الإنتاج والطلب، في ظل تراجع كميات الطحين والوقود المخصصة لتشغيل المخابز.
ونوه إلى أن برنامج الغذاء العالمي خفّض بدوره كميات السولار المدعوم التي تُزوَّد بها المخابز، نتيجة شح الإمدادات وعدم انتظام دخولها، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على الإنتاج، حيث تراجع من نحو 300 طن يوميًا إلى ما يقارب 200 طن فقط.
وأشار إلى أن البرنامج يتجه تدريجيًا نحو تقليص دعم المخابز، عبر تحويلها من نظام مدعوم إلى نظام تجاري، مع الإبقاء فقط على تزويدها بالسولار، وهو ما من شأنه زيادة الأعباء على المواطنين وتهديد استقرار عملية الإنتاج.
ولفت العجرمي إلى أن غياب ما يُعرف بـ"الطحين التجاري" يشكّل عائقًا رئيسيًا أمام تشغيل ستة مخابز جديدة كان من المقرر افتتاحها خلال شهر نيسان/أبريل، رغم الحاجة الملحّة لتعزيز القدرة الإنتاجية في ظل الطلب المتزايد.
وكشف عن وجود تواصل مع الجانب الإسرائيلي، بهدف تقديم قوائم بالمخابز المتوقفة عن العمل، في محاولة لإدخال المواد اللازمة عبر التجار، في ظل القيود المفروضة على إدخال الإمدادات إلى غزة.
وطالب العجرمي الجهات الدولية والمؤسسات المعنية بالتدخل العاجل، لضمان استمرارية عمل المخابز وتوفير الاحتياجات الأساسية للسكان، محذرًا من تداعيات خطيرة في حال استمرار الأزمة دون حلول سريعة.