خطر خفي في العتمة.. القوارض تغزو مخيمات النزوح في غزة

03 أبريل 2026 11:29 ص

سماح شاهين- مصدر الإخبارية

 مع انطفاء آخر خيوط الضوء في سماء غزة، لا يحلّ الليل كمساحة للراحة، بل كبداية فصل جديد من المعاناة الصامتة داخل خيام النزوح والمنازل المتصدعة.

 في تلك المساحات الضيقة، حيث يحاول الأطفال الاحتماء من البرد والخوف، تزحف القوارض من بين الركام ومخلفات الحياة القاسية، لتشاركهم المكان وتقتحم تفاصيل يومهم الهش.

لم تعد القوارض مجرد ظاهرة بيئية عابرة، بل تحوّلت إلى تهديد يومي يثقل كاهل العائلات، ويضاعف من معاناة النزوح، وسط نقص حاد في الخدمات الأساسية وغياب سبل المكافحة، وبين الخوف من المرض وفقدان الإحساس بالأمان، يعيش السكان فصولًا جديدة من القلق، لا تقل وطأتها عن قسوة الحرب نفسها.

 لم يكن بكاء الرضيع آدم الأستاذ، ذو الـ28 يوماً، عادياً في تلك الليلة كان صراخاً حاداً مزّق هدوء خيمة النزوح في منطقة المقوسي غرب مدينة غزة، ودفع والده للاستيقاظ على مشهد صادم، وجه طفله مغطى بالدماء، وآثار عضة جرذ عميقة في خده الصغير، في صورة تختزل قسوة الواقع داخل خيام تفتقر لأدنى مقومات الأمان.

 نُقل آدم إلى مستشفى الرنتيسي للأطفال، بعد أن نجا من إصابة كادت تتحول إلى خطر صحي جسيم، غير أن ما جرى لا يُعد حادثة معزولة، بل يعكس واقعاً يومياً يعيشه آلاف النازحين في قطاع غزة، حيث تتداخل تداعيات الحرب مع تهديدات بيئية وصحية متفاقمة داخل المخيمات.

 بصوت يملؤه الذهول، يستعيد والده يوسف الأستاذ تفاصيل اللحظة قائلاً لـ"شبكة مصدر الإخبارية": "استيقظت فجراً على صوت بكاء غريب، وعندما اقتربت وجدت الدم على وجهه، بينما كان الجرذ يهرب من داخل الخيمة، حملته فوراً وتوجهت إلى المستشفى، لم يكن هناك وقت للتفكير".

آدم يوسف

 في تلك الخيمة، لا أبواب محكمة ولا وسائل حماية تمنع تسلل القوارض، تعيش العائلة في مساحة مكشوفة على الأخطار، حيث باتت الجرذان جزءاً من الحياة اليومية، مستفيدة من تراكم النفايات وغياب شبكات الصرف الصحي، في بيئة تفتقر لأبسط شروط العيش الآمن.

 لم يكن هذا الواقع خياراً لعائلة الأستاذ، بل نتيجة سلسلة من موجات النزوح القسري منذ بداية العدوان، بعد تدمير منزلها في حي الشيخ رضوان.

 تنقلت العائلة مراراً قبل أن تستقر في خيمة لا توفر حماية من البرد أو الأخطار، في ظل فقر متزايد وانعدام مصادر الدخل، ما يحرمها من أبسط وسائل الوقاية.

 وخلال أكثر من عامين، دمّرت إسرائيل نحو 90% من مباني قطاع غزة، ما أدى إلى نزوح أكثر من مليوني فلسطيني إلى مراكز إيواء وخيام، في ظروف إنسانية بالغة القسوة، مع غياب واضح لمقومات الحماية.

 تهديدات خفية

 تقول مريم خلة، التي تعيش في أحد المخيمات في الشيخ رضوان بمدينة غزة، إن الخوف لم يعد مرتبطاً فقط بأصوات القصف، بل بما يأتي بعده من تهديدات خفية داخل الخيام.

 وتروي لـ"شبكة مصدر الإخبارية: "نخاف من الليل أكثر من أي وقت، ليس فقط بسبب أصوات الانفجارات، بل من شيء أصغر، لكنه لا يقل رعباً الجرذان".

 توضح مريم أن البيئة المحيطة بالمخيم تحولت إلى أرض خصبة لانتشار القوارض، مع تراكم النفايات والركام وغياب عمليات التنظيف، مضيفة: "الأماكن حولنا مليئة بالأنقاض، وهذا جعل الجرذان تتكاثر بشكل كبير صرنا نراها في كل مكان، بين الخيام وفي الأزقة الضيقة".

 وتتابع بصوت يملؤه القلق: "لم أعد أنام ليلاً أبقى مستيقظة أراقب أطفالي طوال الوقت، أخاف أن يقترب منهم جرذ وهم نائمون".

 وتشير إلى أنها جرّبت كل الوسائل الممكنة للتخلص منها، دون جدوى، مضيفًة: "استخدمنا مصائد، ووضعنا سماً، وحاولنا إغلاق أي فتحات في الخيمة، لكن لا شيء ينفع الجرذان ما زالت موجودة، وبأعداد أكبر".

 وتستحضر مريم حادثة الطفل آدم، التي أثارت الذعر بين العائلات، قائلة: "بعدما رأينا ما حدث مع الطفل آدم زاد خوفي أكثر صرت أحاول إبعاد أي شيء قد يجذب الجرذان عن مكان نوم أطفالي، لكن الخطر ما زال قائماً".

 تصاعد خطير

 حذّرت بلديات قطاع غزة من تصاعد خطير في ظاهرة انتشار الجرذان داخل خيام النازحين ومراكز الإيواء، في ظل ظروف بيئية وصحية معقدة تهيّئ لهذه القوارض بيئة مثالية للتكاثر والانتشار بشكل غير مسبوق.

 وأوضحت البلديات أن تراكم كميات هائلة من الركام الناتج عن تدمير المنازل والبنية التحتية، إلى جانب طفح مياه الصرف الصحي في الشوارع ومحيط المخيمات، شكّل بيئة خصبة لانتشار الجرذان، وتسهم بقايا الطعام والمياه الراكدة المنتشرة بالقرب من أماكن سكن النازحين في جذب هذه القوارض وتكاثرها بوتيرة متسارعة، ما يجعل السيطرة عليها أكثر صعوبة.

 وبيّنت أن خطورة الجرذان لا تقتصر على الإزعاج أو التسبب بحالات هلع بين السكان، بل تمتد إلى تهديدات صحية حقيقية، حيث تخلّف هذه القوارض فضلات قد تختلط بمياه الاستخدام اليومي، الأمر الذي يؤدي إلى نقل بكتيريا وجراثيم خطيرة، قد تتسبب بأمراض جلدية معدية ومشكلات صحية أخرى، خاصة في ظل الاكتظاظ الشديد وضعف شروط النظافة العامة.

 وأكدت البلديات أن هذه المخاطر تتفاقم بشكل ملحوظ مع غياب أدوات المكافحة الأساسية، مشيرة إلى أن القطاع يعاني من انقطاع شبه كامل في توفر المبيدات الحشرية ومواد مكافحة القوارض منذ نحو عامين.

 وتابعت أنها تعيق محدودية الإمكانيات الطبية والمخبرية القدرة على إجراء الفحوصات اللازمة أو تتبّع الأمراض المرتبطة بهذه الظاهرة، ما يزيد من احتمالات تفشيها دون رصد أو احتواء.

 وشددت على أن استمرار هذه الأوضاع، دون تدخل عاجل لتحسين خدمات النظافة والصرف الصحي وتوفير مستلزمات المكافحة، ينذر بكارثة صحية قد تتجاوز آثارها حدود المخيمات لتطال مختلف مناطق القطاع.

المقالات المرتبطة

تابعنا على فيسبوك