رصد فريق دولي من علماء الفلك، تقوده مجموعة كندية، ظاهرة كونية غير متوقعة قد تُعيد كتابة النماذج الحالية لتكوّن عناقيد المجرات، أكبر الهياكل المترابطة بالجاذبية في الكون.
العناقيد، التي تتكون من مئات إلى آلاف المجرات إضافة إلى غاز شديد السخونة والمادة المظلمة، تعد مفتاحاً لفهم تطور المجرات وبنية الكون على نطاق واسع. وأشار الفريق إلى رصد عنقود مجرات فتي للغاية، يعود عمره إلى نحو 1.4 مليار سنة بعد الانفجار العظيم، تحيط به سحابة غازية شديدة الحرارة تتجاوز توقعات النظريات بخمسة أضعاف، بل تفوق ما يُرصد في كثير من عناقيد المجرات الناضجة اليوم.
ونشرت نتائج الدراسة في دورية Nature، مؤكدة أن الاكتشاف يتحدى الفهم التقليدي لتطور العناقيد، إذ كانت النماذج تفترض أن درجات حرارة الغاز العالية تظهر فقط في مراحل متأخرة من عمر الكون، حين تصبح العناقيد ناضجة ومستقرة.
وأوضح داتشي تشو، الباحث الرئيسي من جامعة كولومبيا البريطانية: "لم نتوقع العثور على غلاف غازي بهذه السخونة في هذا التوقيت المبكر، وبعد أشهر من التحقق تبين أن حرارة الغاز أكثر بخمسة أضعاف ما تتنبأ به النماذج".
ويعتقد الباحثون أن النشاط المكثف في العنقود يعود إلى ثلاثة ثقوب سوداء فائقة الكتلة، تضخ كميات هائلة من الطاقة في الوسط المحيط، معيدة تشكيل العنقود بسرعة وقوة غير متوقعتين.
وركزت الدراسة على عنقود SPT2349-56، المعروف بأنه "رضيع" نسبياً، ويضم أكثر من 30 مجرة نشطة، مع معدل تكوّن نجوم يفوق مجرتنا بأكثر من 5000 مرة، ويمتد قلبه لمسافة تقارب 500 ألف سنة ضوئية، أي بحجم قريب من الهالة المحيطة بمجرة درب التبانة.
واستخدم الفريق ظاهرة فيزيائية تعرف بـ"تأثير سونيايف-زيلدوفيتش" لقياس الطاقة الحرارية للغاز بين المجرات بدقة، مؤكداً أن حرارة العنقود أعلى بكثير من المتوقع، ما يشير إلى أن الكون المبكر كان أكثر عنفاً وطاقة مما كان يُعتقد سابقاً.
وأشار سكوت تشابمان، مؤلف مشارك في الدراسة، إلى أن فهم تكوّن العناقيد يعد مفتاحاً لفهم نشأة أكبر المجرات في الكون، إذ يعتمد مسار تطورها على البيئة القاسية، بما في ذلك الغازات الساخنة المحيطة.
الاكتشاف الجديد يقترح أن "ولادة" عناقيد المجرات قد تبدأ بعمليات عنيفة مبكرة، مدفوعة بنشاط الثقوب السوداء وتكوين النجوم المكثف، ما يفرض مراجعة النماذج الكونية الحالية لتوقيت تطور العناقيد ودور الطاقة المبكرة في بناء الكون.
ويخطط الفريق لمزيد من الدراسات لفهم التفاعل بين تكوين النجوم المكثف، ونشاط الثقوب السوداء، والغلاف الغازي شديد الحرارة، وما يعكسه ذلك عن بناء العناقيد الضخمة التي نراها اليوم.