وكالات - اتخذت السلطات التايوانية إجراءات استثنائية لاحتواء التراجع الحاد في سوق الأسهم المحلية، بعدما أدت موجة بيع واسعة لأسهم شركات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات إلى دفع المؤشر الرئيسي للجزيرة نحو تسجيل أسوأ أداء أسبوعي منذ نحو 25 عاماً، وسط تصاعد مخاوف المستثمرين بشأن مستقبل القطاع والعوائد المتوقعة من الاستثمارات الضخمة في التكنولوجيا.
وأعلنت الجهات التنظيمية والمالية في تايوان، عقب إغلاق جلسة التداول، حزمة إجراءات تستهدف الحد من المضاربات والضغوط البيعية، شملت تشديد القيود على عمليات البيع على المكشوف، إلى جانب التأكيد على استعداد الحكومة لاستخدام صندوق استقرار سوق الأسهم، الذي تبلغ قيمته 500 مليار دولار تايواني، ما يعادل نحو 15 مليار دولار أميركي، للتدخل إذا اقتضت الضرورة.
وتعكس هذه الخطوات قلق السلطات من اتساع نطاق موجة التراجع وتأثيرها على ثقة المستثمرين، خصوصاً أن سوق الأسهم التايوانية تضم شركات رئيسية في صناعة الرقائق الإلكترونية، التي تعد من أبرز المستفيدين من طفرة الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة.
تايوان تشدد قيود البيع على المكشوف لوقف الضغوط البيعية
أعلنت لجنة الرقابة المالية التايوانية فرض قيود جديدة على عمليات البيع على المكشوف، اعتباراً من 9 نوفمبر الجاري، في محاولة للحد من المضاربات التي قد تزيد من حدة تقلبات السوق خلال فترات الهبوط.
وبموجب الإجراءات الجديدة، ستخفض الهيئة الحد الأقصى لحجم أوامر البيع على المكشوف للأسهم المقترضة خلال جلسة التداول إلى 3% من متوسط حجم التداول اليومي للسهم خلال الثلاثين يوماً السابقة، مقارنة بمستوى 30% المعمول به سابقاً.
كما قررت رفع الحد الأدنى لمتطلبات الهامش لعمليات البيع على المكشوف من 90% إلى 130%، بما يزيد من متطلبات السيولة والضمانات المفروضة على المستثمرين الراغبين في تنفيذ هذه العمليات.
وتهدف هذه التدابير إلى تقليص قدرة المضاربين على زيادة الضغوط على الأسهم خلال فترات التراجع، والحد من تسارع عمليات البيع التي قد تؤدي إلى تعميق الخسائر في السوق المحلية.
وأكدت لجنة الرقابة المالية أن الأسهم التايوانية شهدت تقلبات متزايدة خلال الفترة الأخيرة، في ظل حالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي على المستوى العالمي، موضحة أن الإجراءات الاستثنائية تستهدف الحفاظ على انتظام التداولات وتعزيز استقرار سوق الأسهم.
صندوق استقرار بقيمة 15 مليار دولار لمواجهة انهيار السوق
بالتوازي مع القيود التنظيمية، أعلنت وزارة المالية التايوانية استعدادها لاستخدام صندوق استقرار سوق الأسهم، البالغة قيمته 500 مليار دولار تايواني، بما يعادل نحو 15 مليار دولار أميركي، للتخفيف من حدة التراجعات ودعم الثقة في السوق.
وجاء الإعلان في أعقاب موجة هبوط قوية دفعت المستثمرين إلى تقليص مراكزهم الاستثمارية، وسط مخاوف من استمرار الضغوط على أسهم التكنولوجيا والشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وسلطت الوزارة الضوء على استمرار عمليات البيع من جانب المستثمرين الأجانب، معتبرة أن حجم التخارجات يعكس تدهوراً كبيراً في الثقة بالسوق التايوانية.
وبحسب بيانات جمعتها «بلومبرغ»، تجاوز صافي مبيعات المستثمرين الأجانب من الأسهم المحلية 45 مليار دولار منذ بداية الربع الجاري، في مؤشر على اتساع عمليات تقليص الانكشاف الاستثماري على الأصول التايوانية.
ويزيد خروج رؤوس الأموال الأجنبية من الضغوط على السوق، خصوصاً مع الوزن الكبير للمستثمرين الدوليين في تداولات الأسهم التايوانية، فضلاً عن الأهمية العالمية للشركات المدرجة في قطاع أشباه الموصلات.
مؤشر «تايكس» يدخل سوقاً هابطة بعد خسائر حادة
جاء التدخل الحكومي بعدما تعرض مؤشر «تايكس» القياسي في تايوان لموجة هبوط قوية، إذ تراجع بما يصل إلى 9% خلال جلسة التداول، ليدخل بذلك نطاق السوق الهابطة.
ورغم نجاح المؤشر في تقليص جانب من خسائره لاحقاً، فإنه أنهى الأسبوع على أكبر تراجع أسبوعي منذ عام 2001، في انعكاس لحجم الضغوط التي تعرضت لها الأسهم التايوانية.
وقادت شركة «تايوان سيميكوندكتور مانوفاكتشورينغ» (TSMC)، أكبر شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية في العالم ومن أبرز الشركات ذات الوزن الثقيل في المؤشر، موجة التراجع، بالتزامن مع عمليات بيع واسعة طالت أسهم شركات أشباه الموصلات على المستوى العالمي.
وتكتسب خسائر الشركة أهمية خاصة بالنسبة إلى السوق التايوانية، نظراً لثقلها الكبير في المؤشر الرئيسي ودورها المحوري في صناعة الرقائق المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والإلكترونيات المتقدمة.
موجة بيع الذكاء الاصطناعي تمتد إلى الأسواق الآسيوية
لم تقتصر التداعيات على تايوان، إذ امتدت موجة التراجع إلى عدد من الأسواق الآسيوية، مع تصاعد عمليات البيع في أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
ودخل مؤشر «نيكاي 225» الياباني أيضاً نطاق السوق الهابطة، بينما تعرض مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي لضغوط بيعية قوية خلال جلسة التداول.
وجاءت هذه التطورات في وقت تتزايد فيه شكوك المستثمرين بشأن التقييمات المرتفعة لشركات الذكاء الاصطناعي، ومدى قدرة الاستثمارات الضخمة التي تضخها شركات التكنولوجيا في تطوير البنية التحتية لهذه الصناعة على تحقيق عوائد مالية تتناسب مع حجم الإنفاق.
كما أضافت نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، التي حقق فيها الديمقراطيون الفوز، عاملاً جديداً إلى حالة عدم اليقين في الأسواق، وساهمت في تسريع عمليات إعادة تقييم المراكز الاستثمارية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
ويأتي ذلك بعدما واجه القطاع بالفعل ضغوطاً متزايدة نتيجة المخاوف من المبالغة في تقدير العوائد المستقبلية للتكنولوجيا، واحتمالات أن تستغرق الاستثمارات الرأسمالية الضخمة فترة أطول قبل أن تنعكس على الأرباح والإيرادات.
تايوان تلجأ إلى إجراءات الطوارئ لمواجهة تقلبات الأسواق
لا تعد الإجراءات الأخيرة سابقة في تعامل السلطات التايوانية مع اضطرابات الأسواق المالية، إذ سبق أن لجأت إلى فرض قيود على التداول خلال فترات التراجع الحاد.
وكان أحدث تدخل من هذا النوع في عام 2025، عندما أثارت المخاوف المتعلقة بسياسات الرسوم الجمركية التي يتبناها الرئيس الأميركي دونالد ترمب اضطرابات واسعة في أسواق الأسهم العالمية.
وتشير العودة إلى استخدام أدوات التدخل الاستثنائية إلى حرص السلطات على منع تحول موجة البيع الحالية إلى أزمة أوسع تؤثر على الاستقرار المالي وثقة المستثمرين في الاقتصاد التايواني.
وتواجه تايوان تحدياً خاصاً في التعامل مع هذه الأزمة، بالنظر إلى ارتباط سوقها المالية الوثيق بصناعة أشباه الموصلات العالمية، التي تمثل أحد أهم محركات النمو الاقتصادي والصادرات في الجزيرة.
المستثمرون الأجانب يزيدون الضغوط على الأسهم التايوانية
في الوقت نفسه، يشكل استمرار خروج المستثمرين الأجانب أحد أبرز مصادر القلق لدى السلطات المالية، بعدما تجاوز صافي مبيعاتهم من الأسهم المحلية 45 مليار دولار منذ بداية الربع الجاري، وفقاً لبيانات «بلومبرغ».
ويعكس هذا التخارج تراجع شهية المستثمرين الدوليين تجاه الأصول التايوانية في ظل التقلبات العالمية، والضغوط التي تواجه أسهم شركات التكنولوجيا، فضلاً عن المخاوف المتعلقة بمستقبل الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي.
وقد يؤدي استمرار عمليات البيع الأجنبية إلى زيادة تقلبات السوق خلال الفترة المقبلة، خصوصاً إذا تزامن مع استمرار تراجع أسهم الشركات الكبرى العاملة في صناعة الرقائق.
وتبقى قدرة الإجراءات الحكومية على استعادة الثقة مرهونة بتطورات الأسواق العالمية، ومدى انحسار موجة البيع في قطاع الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن ظهور مؤشرات أكثر وضوحاً بشأن العوائد المنتظرة من الاستثمارات الضخمة في هذه التكنولوجيا.
وبين القيود الجديدة على البيع على المكشوف والاستعداد لتفعيل صندوق الاستقرار المالي، تسعى تايوان إلى احتواء موجة الهبوط وحماية سوقها من مزيد من الخسائر، في وقت أصبحت فيه تقلبات أسهم الذكاء الاصطناعي عاملاً مؤثراً في أداء أسواق الأسهم الآسيوية والعالمية.






