ترجمات - ترى الباحثة داليا داسا كاي، في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز» في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أحدث تحولًا عميقًا في توجهات الأمن القومي الإسرائيلي، بما يجعل استمرار سياساته مرجحًا حتى إذا غادر منصبه، في ظل تراجع فرص التسوية مع الفلسطينيين واتساع الاعتماد على القوة العسكرية في التعامل مع إيران والتهديدات الإقليمية.
وتقول كاي، الزميلة الزائرة في «بيري وورلد هاوس» بجامعة بنسلفانيا والزميلة الأولى في مركز بيركل للعلاقات الدولية بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، إن تأثير نتنياهو تجاوز إدارة الحكومات المتعاقبة إلى تغيير حدود النقاش السياسي الإسرائيلي بشأن الأمن والتسوية، بحيث أصبحت مواقفه المتشددة أكثر حضورًا في التيار السياسي السائد.
وبحسب التحليل، أسهم رفض نتنياهو المستمر إقامة دولة فلسطينية في تراجع حضور هذا الخيار في النقاشات السياسية الإسرائيلية، فيما ساعدت دعوته الطويلة إلى مواجهة إيران عسكريًا على ترسيخ هذا النهج داخل الأوساط السياسية والأمنية.
تراجع فرص حل الدولتين
تشير كاي إلى أن رفض التطلعات الوطنية الفلسطينية لم يبدأ مع نتنياهو، مستشهدة بمواقف قادة إسرائيليين سابقين، لكنها ترى أن التحول الأبرز في عهده تمثل في تراجع فكرة الدولة الفلسطينية من خيار مطروح للنقاش السياسي إلى احتمال محدود الحضور في مواقف القيادات الإسرائيلية.
وتربط الباحثة هذا التحول بتداعيات اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين عام 1995، وتعثر مسار أوسلو، والهجمات التي نفذتها جماعات فلسطينية مسلحة خلال تسعينيات القرن الماضي، إلى جانب تصاعد المواجهات بين إسرائيل وحماس.
كما تشير إلى أن حكومات إسرائيلية متعاقبة، بما فيها حكومات لم يقُدها نتنياهو، لم تتجه إلى تغيير جذري في السياسة تجاه الفلسطينيين. وتعتبر أن الائتلاف الذي قاده نفتالي بينيت ويائير لابيد بين عامي 2021 و2022 لم يبتعد بصورة جوهرية عن رفض إقامة دولة فلسطينية، رغم إطاحته بنتنياهو مؤقتًا.
وترى كاي أن التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، واستمرار القيود المفروضة على الفلسطينيين، والانقسام بين حماس والسلطة الفلسطينية، أسهمت في إضعاف فرص إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة. وتضيف أن الحرب على غزة بعد هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 عمّقت هذا المسار، في ظل الدمار الواسع والخسائر البشرية واستمرار السيطرة العسكرية الإسرائيلية على أجزاء كبيرة من القطاع.
إيران: من الجدل السياسي إلى تفضيل المواجهة
وفي الملف الإيراني، تقول الباحثة إن نتنياهو حافظ على موقف متشدد على مدى عقود، ودفع باتجاه التعامل مع البرنامج النووي الإيراني باعتباره تهديدًا يتطلب تحركًا عسكريًا، لا الاكتفاء بالمسار الدبلوماسي.
وتستعرض كاي الخلافات التي شهدتها إسرائيل بشأن مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية، مشيرة إلى أن شخصيات أمنية بارزة، من بينها الرئيس السابق للموساد مئير داغان، عارضت في مراحل سابقة توجيه ضربة عسكرية، فيما أيد مسؤولون آخرون الاتفاق النووي الذي أُبرم عام 2015 أو رأوا فيه وسيلة لتأجيل تقدم إيران النووي.
لكن هذه الخلافات تراجعت، وفق التحليل، بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، وتعثر المساعي الدبلوماسية، وتصاعد العمليات الإسرائيلية السرية والعسكرية ضد إيران وحلفائها في المنطقة.
وتقول كاي إن المواجهة العسكرية مع إيران اكتسبت قبولًا أوسع في السياسة الإسرائيلية، وإن شخصيات من المعارضة أيدت عمليات عسكرية نفذتها حكومة نتنياهو، رغم انتقاداتها لطريقة إدارته للحرب وتوقيتها.
ويشير التحليل إلى أن هذا التوافق لا يعني غياب الخلافات بشأن إدارة العمليات أو نتائجها، لكنه يعكس، بحسب الباحثة، تضاؤل مساحة الاعتراض على مبدأ استخدام القوة العسكرية في مواجهة إيران.
تغيير القيادة لا يعني تحولًا استراتيجيًا
وتجادل كاي بأن وصول حكومة إسرائيلية جديدة لن يفضي بالضرورة إلى تغيير جوهري في السياسة الأمنية، لأن الفوارق بين نتنياهو وعدد من منافسيه تبدو أوضح في قضايا السياسة الداخلية وإدارة الحروب منها في المواقف الأساسية تجاه الفلسطينيين وإيران.
وتلفت إلى أن غادي آيزنكوت، الذي تطرحه بوصفه أحد منافسي نتنياهو المحتملين، قد يتبنى نهجًا مختلفًا في بعض الملفات، مثل وتيرة التوسع الاستيطاني والتعامل مع عنف المستوطنين، لكن هذه التغييرات قد تظل، وفق تقديرها، تعديلات تكتيكية لا ترقى إلى إعادة صياغة استراتيجية الأمن القومي.
كما ترى أن أي حكومة جديدة ستواجه ضغوطًا داخلية بشأن إدارة الحرب على غزة وملف الرهائن، لكنها لا تتوقع أن يؤدي ذلك وحده إلى التخلي عن السيطرة الإسرائيلية على القطاع، ما لم تُحسم مسألة نزع سلاح حماس وفق الشروط التي تطرحها القيادات الإسرائيلية.
وتضيف أن النظرة إلى السيطرة على الأراضي باعتبارها عنصرًا أساسيًا للأمن القومي تتجاوز نتنياهو، وتمتد إلى مواقف سياسية بشأن غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان وسورية. وبناءً على ذلك، قد يدور النقاش الإسرائيلي مستقبلًا حول كيفية إدارة هذه السيطرة أكثر من تركيزه على إنهائها.
دور الولايات المتحدة في استمرار النهج الإسرائيلي
وتحمّل الباحثة جانبًا من المسؤولية للسياسات الأميركية، معتبرة أن إحجام الإدارات المتعاقبة عن ممارسة ضغوط دبلوماسية واقتصادية فعالة على إسرائيل أسهم في إضعاف الأصوات الإسرائيلية الداعية إلى تغيير المسار، ولا سيما فيما يتعلق بالتوسع الاستيطاني والاحتلال والعمليات العسكرية.
كما تشير إلى أن مساعي بعض الدول العربية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل من دون اشتراط تقدم ملموس نحو تسوية مع الفلسطينيين قلّلت، وفق تحليلها، من الضغوط الإقليمية على الحكومات الإسرائيلية.
وتخلص كاي إلى أن تغييرًا جوهريًا في السياسة الأمنية الإسرائيلية يتطلب ظهور قيادة تقدم تصورًا بديلًا لتحقيق سلام دائم، وتستطيع إقناع الرأي العام الإسرائيلي به، إلى جانب تحول في السياسة الأميركية يربط الدعم لإسرائيل بمعارضة التوسع الاستيطاني والاحتلال والتصعيد العسكري.
وتؤكد الباحثة أن خروج نتنياهو من السلطة، إن حدث، لن يكون كافيًا بمفرده لتغيير الاتجاهات التي ترسخت خلال سنوات حكمه، ما دامت البدائل السياسية المطروحة لا تقدم تحولًا واضحًا في القضايا الأساسية للصراع مع الفلسطينيين وإيران.







