سنغافورة - اتجهت أسعار النفط نحو تسجيل مكاسب للأسبوع الثالث على التوالي، مدفوعة بتصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتزايد المخاوف من اتساع نطاق الهجمات وتأثيرها في إمدادات النفط الخام والمنتجات المكررة.
وجرى تداول خام برنت، المعيار العالمي لأسعار النفط، قرب 113 دولاراً للبرميل، محققاً ارتفاعاً بنحو 3% خلال الأسبوع، فيما تجاوز خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي مستوى 99 دولاراً للبرميل.
وتأتي هذه التحركات في ظل مخاوف من أن يؤدي استمرار المواجهة الأمريكية الإيرانية إلى اضطرابات إضافية في حركة الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية، ولا سيما مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم طرق نقل النفط في العالم.
وأعلن «تحالف دعم الشرعية في اليمن» اعتراض طائرات مسيرة حاولت استهداف مناطق عدة في السعودية، الخميس، بينها الرياض والمدينة المنورة، إضافة إلى اعتراض صاروخ باليستي أطلقه الحوثيون باتجاه نجران. وأثارت هذه التطورات مخاوف من اتساع نطاق المواجهة الإقليمية وانعكاساتها المحتملة على أمن منشآت الطاقة وطرق الشحن.
مخاوف من تصعيد جديد بين واشنطن وطهران
تأتي الارتفاعات الأخيرة في أسعار النفط مع استمرار الحرب الأمريكية الإيرانية، التي دخلت شهرها التاسع وفق المعطيات الواردة في التقرير، وسط ترقب لاحتمال استئناف الضربات العسكرية وتداعياتها على تدفقات الطاقة العالمية.
وارتفع خام برنت بأكثر من 85% منذ بداية العام، في ظل تأثير الحرب ومخاطر الإمدادات. كما سجلت أسعار المنتجات النفطية المكررة زيادات بوتيرة أسرع، وخصوصاً الديزل، نتيجة الضغوط التي تواجه إمداداته وتوافر الشحنات في الأسواق.
وفي البيت الأبيض، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الخميس، إن الولايات المتحدة «قضت» على إيران، مهدداً بالمضي «أبعد قليلاً»، من دون تقديم تفاصيل إضافية بشأن الخطوات المحتملة.
وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن الولايات المتحدة وإسرائيل وضعتا خططاً لشن ضربات جديدة ضد إيران بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في مطلع نوفمبر المقبل. وتزيد هذه التقارير من حالة الترقب في أسواق الطاقة، إذ يضع المتعاملون في حساباتهم احتمال استمرار الاضطرابات العسكرية وتأثيرها في صادرات النفط.
ونقل تقرير بلومبرغ عن دينيس كيسلر، نائب الرئيس الأول للتداول لدى «بي أو كيه فاينانشال سيكيوريتيز»، قوله إن أحدث التطورات الجيوسياسية تشير إلى احتمال تنفيذ هجمات أكثر كثافة ضد إيران، وهو ما يدفع أسعار الخام إلى الارتفاع عبر آجال التسليم المختلفة.
وأضاف كيسلر أن غالبية المتداولين يتعاملون مع التطورات الأخيرة باعتبارها مؤشراً إلى احتمال بقاء الأسعار مرتفعة لفترة أطول، في ظل صعوبة تقدير نطاق التصعيد ومدته وانعكاساته على الإمدادات.
تعافي صادرات الخام لا ينهي أزمة المنتجات النفطية
رغم تعافي تدفقات النفط الخام من الخليج العربي إلى مستويات قريبة من تلك المسجلة قبل الحرب، لا تزال شحنات المنتجات النفطية من المنطقة تواجه قيوداً، ما يسلط الضوء على الفارق بين استعادة تدفقات الخام واستقرار إمدادات الوقود المكرر.
ويؤدي استمرار نقص المنتجات النفطية إلى زيادة الضغوط على الأسواق، ولا سيما في ظل ارتفاع الطلب على الديزل وتراجع مرونة الإمدادات المتاحة. كما تسهم الهجمات الأوكرانية المكثفة على المصافي الروسية في زيادة المخاوف بشأن قدرة السوق على تأمين كميات كافية من الوقود المكرر.
ودفعت هذه الضغوط حكومات إلى السحب من المخزونات للتعامل مع نقص الإمدادات واحتواء تأثير ارتفاع الأسعار. ويعكس ذلك أن المخاطر الحالية لا تقتصر على حجم النفط الخام المتاح، بل تشمل أيضاً قدرة المصافي وشبكات النقل ومرافق التخزين على توفير المنتجات النهائية للأسواق.
وتظل استدامة ارتفاع الأسعار مرتبطة بتطورات الشحن البحري، وحجم الأضرار المحتملة التي قد تلحق بالبنية التحتية للطاقة، ومدى استمرار القيود المفروضة على صادرات المنتجات المكررة.
ترمب يوجه بتعزيز القدرات النفطية الأمريكية
في موازاة الضغوط التي تواجه أسواق الطاقة، وجّه ترمب وزير الحرب الأمريكي باتخاذ إجراءات لتوسيع القدرات المحلية لإنتاج النفط وتكريره ونقله وتخزينه، بما يشمل تقديم دعم مالي وتنفيذ عمليات شراء وإبرام التزامات تعاقدية لتعزيز هذه الأنشطة.
واستند التوجيه إلى مذكرة رئاسية تستند إلى المادة 303 من قانون الإنتاج الدفاعي لعام 1950، صنّفت بموجبها الإدارة الأمريكية قدرات إنتاج النفط وتكريره والخدمات اللوجستية المرتبطة بها باعتبارها موارد صناعية أساسية للدفاع الوطني.
ويشمل التصنيف أنشطة التنقيب والإنتاج وخطوط الأنابيب ومرافق التخزين والمحطات البحرية، بما يتيح للإدارة استخدام أدوات دعم تستهدف تعزيز القدرات التي تعتبرها ضرورية للأمن القومي والجاهزية الدفاعية.
وبرر ترمب هذه الخطوة بأن القطاع النفطي الأمريكي لا يستطيع توسيع هذه القدرات بالسرعة المطلوبة من دون تدخل رئاسي، مشيراً إلى تحديات تتعلق بالتمويل وطول المدة اللازمة لتنفيذ المشروعات، إضافة إلى عقبات الترخيص والبنية التحتية وسلاسل الإمداد.
وتأتي هذه الإجراءات في وقت تسعى فيه الإدارة الأمريكية إلى احتواء ارتفاع تكاليف الطاقة، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، التي تزيد الضغوط السياسية المرتبطة بأسعار الوقود وتكاليف المعيشة.
تحركات لخفض الأسعار ومناقشات بشأن الديزل الروسي
تسعى الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ خطوات من شأنها تخفيف الضغوط على أسعار الطاقة قبل الانتخابات، وتشمل التحركات المطروحة بحث اتفاق يتعلق بالديزل مع روسيا، وفقاً لما أورده التقرير.
وتعكس هذه التحركات صعوبة احتواء أسعار الوقود في ظل تداخل عدة عوامل، من بينها التوترات العسكرية، واضطراب طرق الشحن، والقيود المفروضة على المنتجات المكررة، وتضرر بعض قدرات التكرير.
وفي حين قد تسهم زيادة الإنتاج المحلي وتوسيع قدرات التخزين والنقل في تعزيز مرونة الإمدادات الأمريكية على المدى الطويل، فإن أثر هذه الإجراءات على الأسعار في الأجل القصير سيعتمد على سرعة تنفيذها ومدى قدرتها على تعويض النقص في الأسواق.
كما أن استمرار المخاطر الجيوسياسية قد يحد من أثر أي زيادة في الإمدادات، إذا أدت التطورات العسكرية إلى تعطيل صادرات إضافية أو رفع تكاليف التأمين والشحن.
أحدث تحركات أسعار النفط
استقر خام برنت تسليم ديسمبر عند 113.13 دولار للبرميل بحلول الساعة 8:02 صباحاً بتوقيت سنغافورة، في حين لم يطرأ تغير يذكر على خام غرب تكساس الوسيط تسليم ديسمبر، الذي سجل 99.38 دولار للبرميل.
وتعكس مستويات الأسعار استمرار علاوة المخاطر الجيوسياسية التي يضيفها المتعاملون إلى تقديراتهم للسوق، وسط مخاوف من اتساع المواجهة في الشرق الأوسط واستمرار القيود على إمدادات المنتجات النفطية.
ومع اتجاه برنت إلى تسجيل مكاسبه الأسبوعية الثالثة على التوالي، تظل الأسواق مترقبة لأي تطورات عسكرية جديدة، أو تغيرات في حركة الشحن عبر مضيق هرمز، أو إجراءات حكومية إضافية تستهدف تعزيز الإمدادات واحتواء تكاليف الطاقة.
ومن المتوقع أن تظل أسعار النفط شديدة الحساسية للتطورات السياسية والعسكرية خلال الفترة المقبلة، خصوصاً أن استمرار اضطرابات الإمدادات قد يرفع الأسعار، بينما قد يسهم تحسن حركة الشحن وزيادة توافر المنتجات المكررة في تخفيف الضغوط على السوق.







