ترجمات -يرى دينيس روس، الدبلوماسي الامريكي السابق والزميل في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، أن فرص تحقيق تقدم دبلوماسي بين الإسرائيليين والفلسطينيين أصبحت أكثر تعقيدًا بعد مرور ثلاث سنوات على هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، في ظل اتساع فجوة انعدام الثقة وتزايد القناعة لدى الجانبين بأن الطرف الآخر لا يريد إنهاء الصراع.
وفي تحليل نشرته مجلة «فورين بوليسي» في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2026، يحذر روس من أن استمرار حالة اليأس قد يمنح الجماعات المتطرفة مساحة أكبر لنشر العنف، عبر ترسيخ الاعتقاد بأن الصراع لا يمكن حسمه إلا بإقصاء الطرف الآخر أو تدميره.
ويشير الكاتب إلى أن الإسرائيليين يستحضرون هجمات حماس وما رافقها من قتل مدنيين واحتجاز رهائن، ويستنتجون أن إقامة دولة فلسطينية مستقلة لن تضمن أمنهم. وفي المقابل، يرى الفلسطينيون في استمرار المعاناة الإنسانية في غزة، وما يعتبرونه تجاهلًا إسرائيليًا لموت المدنيين وحقوقهم، دليلًا على أن إسرائيل لن تسمح لهم بالاستقلال والعيش بأمان وكرامة.
لكن روس يعتبر أن هذه القناعة المتبادلة لا تعني استحالة التغيير، بل تجعل اتخاذ خطوات عملية ومحددة أكثر إلحاحًا، بهدف إظهار أن التعاون ممكن وأن تحسين الأوضاع على الأرض لا يتطلب انتظار التوصل إلى اتفاق نهائي شامل.
التعاون العملي مدخل لإعادة بناء الثقة
يقترح روس البدء بتوسيع مجالات التعاون المباشر بين الإسرائيليين والفلسطينيين في القضايا اليومية التي تؤثر في حياة السكان، بدلًا من حصر الجهود السياسية في الملفات الكبرى التي تعثرت مرارًا.
ويستشهد بمشكلات المياه والصرف الصحي في قطاع غزة، حيث يمكن أن تتجاوز آثار التلوث الحدود وتؤثر في البيئة والصحة العامة على جانبيها. كما يشير إلى مبادرات لمنظمات غير حكومية تعمل على جمع إسرائيليين وفلسطينيين للتعاون في مجالات المياه والصحة والبيئة والاقتصاد.
ومن وجهة نظره، ينبغي لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن تمنح هذه المبادرات دعمًا سياسيًا وماليًا أكبر، سواء عبر فريق جاريد كوشنر، أو مكتب شؤون الشرق الأدنى في وزارة الخارجية الأمريكية، أو السفارة الأمريكية. ويقترح أن تشارك واشنطن في الاجتماعات وتساعد على توسيع نطاقها، إلى جانب توفير التمويل اللازم للمنظمات التي تعمل على تطوير التعاون بين الجانبين.
ويعتقد روس أن إبراز هذه الجهود أمام الرأي العام يمكن أن يسهم في مواجهة الخطاب الذي يصور العلاقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين باعتبارها صراعًا لا يمكن تجاوزه، وأن يثبت إمكانية تحقيق نتائج ملموسة حتى في ظل استمرار الخلافات السياسية والأمنية.
خطة ترامب بشأن غزة أمام اختبار التنفيذ
يركز روس في الجانب الثاني من مقترحاته على ضرورة تحويل خطة ترامب المكونة من 20 بندًا إلى واقع ميداني، معتبرًا أن وقف إطلاق النار الذي بدأ في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وإطلاق سراح الرهائن المتبقين، شكّلا تقدمًا أوليًا، لكنهما لم يقودا حتى الآن إلى تنفيذ بقية الترتيبات المتعلقة بمستقبل القطاع.
ويشير إلى أن الصيغة الأساسية للخطة تقوم على نزع سلاح غزة مقابل إعادة الإعمار وانسحاب القوات الإسرائيلية، إلا أن هذه العناصر لا تزال، بحسب تحليله، بعيدة عن التنفيذ الكامل. فالفلسطينيون يواصلون العيش في ظروف إنسانية صعبة، بينما تحتفظ حماس بسيطرتها على مناطق من القطاع، وتبقى القوات الإسرائيلية موجودة في مناطق أخرى.
كما يلفت إلى أن اللجنة الوطنية لإدارة غزة، المؤلفة من 15 عضوًا من التكنوقراط الفلسطينيين والمكلفة بإدارة القطاع خلال المرحلة الانتقالية، لا تزال في القاهرة بدلًا من مباشرة عملها داخل غزة. ويرى أن بقاء اللجنة خارج القطاع يحرمها من فرصة إثبات قدرتها على إدارة المؤسسات وتقديم الخدمات، وإظهار وجود بديل عملي لحكم حماس.
ويشير المقال كذلك إلى أن الدفعة الأولى من أفراد الشرطة الفلسطينية المكلفين بتوفير الأمن للجنة لا تزال في القاهرة، فيما لم تستكمل قوة الاستقرار الدولية، التي يُفترض أن تساعد في دعم الشرطة ومراقبة ترتيبات نزع السلاح والحدود، استعداداتها للانتشار.
وبحسب روس، فإن هذه التأخيرات تُبقي خطة السلام معلقة بين الوعود السياسية والواقع الميداني، وتضعف ثقة الفلسطينيين والإسرائيليين في إمكانية تنفيذها.
خارطة طريق من 15 بندًا ومواجهة مع نتنياهو
ويتناول الكاتب خارطة طريق من 15 بندًا قال إن نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي لمجلس السلام، عمل على التوصل إليها بالتعاون مع مصر وقطر وتركيا، بعد أشهر من المفاوضات والضغوط. ووفقًا للمقال، تضمنت الخارطة التزامًا من حماس بالانخراط في عملية تدريجية لنزع السلاح، بما يتيح الانتقال إلى ترتيبات أمنية وإدارية جديدة في القطاع.
لكن الخطة واجهت عقبة سياسية بعد رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المضي فيها، وفق الرواية التي يعرضها روس، في ظل اقتراب الانتخابات الإسرائيلية ومعارضة داخل قاعدته السياسية لبعض بنودها. ويشير المقال إلى أن هذا الموقف أدى إلى تعليق تنفيذ الخارطة إلى ما بعد الانتخابات.
ويرى روس أن رفض الخطة يعكس جانبًا من الجمود الذي يعرقل تنفيذ ترتيبات ما بعد الحرب، لكنه يشدد على أن الاتفاق المقترح يمكن أن يشكل اختبارًا حقيقيًا لحماس. فبدلًا من افتراض استحالة تخلي الحركة عن سلاحها، يدعو إلى مطالبتها بتنفيذ الالتزامات التي وافقت عليها، ثم تقييم نتائجها على أساس الوقائع.
ويجادل الكاتب بأن تحميل حماس مسؤولية تنفيذ تعهداتها قد يمنح إسرائيل أساسًا أقوى للتحرك إذا أخفقت الحركة في الوفاء بها، بدلًا من أن تتحول الخلافات إلى مبرر دائم لتعطيل العملية برمتها. وفي المقابل، فإن إحراز تقدم فعلي في نزع السلاح يمكن أن يفتح الطريق أمام نشر مؤسسات الإدارة الانتقالية والشرطة الفلسطينية وقوة الاستقرار الدولية، والبدء بإعادة الإعمار في ظل ترتيبات حكم بديلة.
إعادة الإعمار وإثبات وجود بديل لحماس
ويعتبر روس أن تحسين الظروف المعيشية في غزة يمثل عنصرًا أساسيًا في نجاح أي ترتيبات سياسية جديدة، داعيًا إلى تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من البدء في توفير مساكن مؤقتة وجاهزة قبل حلول الشتاء، إلى جانب توسيع الخدمات الأساسية وتعزيز قدرتها على إدارة الشؤون اليومية.
ويرى أن اتخاذ خطوات ملموسة في هذا الاتجاه قد يساعد اللجنة على بناء المصداقية لدى السكان، ويمنحها فرصة لإثبات قدرتها على تقديم الخدمات وتحسين الحوكمة. كما يمكن أن يبعث برسالة إلى الفلسطينيين مفادها أن المرحلة المقبلة لا تقتصر على الترتيبات الأمنية، بل تتضمن أيضًا تغييرًا فعليًا في ظروف حياتهم.
وفي المقابل، يشير الكاتب إلى أن الإسرائيليين لا يزالون يشككون في استعداد حماس للتخلي عن سلاحها، بينما يخشى الفلسطينيون من أن تستخدم إسرائيل التعقيدات الأمنية ذريعة لمنع إعادة الإعمار أو تأخير الانسحاب. ومن هنا، يدعو إلى تنفيذ خطوات متوازية تتيح اختبار التزامات الأطراف بدلًا من إبقاء الاتفاق رهينة الشكوك المتبادلة.
وبحسب تحليله، فإن إحراز تقدم في الإدارة المدنية والإعمار والأمن من شأنه أن يخلق واقعًا مختلفًا على الأرض، وقد يعيد فتح النقاش بشأن إمكانات التسوية السياسية بين الجانبين.
دور عربي أكبر في إصلاح السلطة الفلسطينية
أما الركيزة الثالثة في مقترحات روس، فتتمثل في تعزيز دور الدول العربية الرئيسية، التي يرى أنها لم تتحمل تاريخيًا مسؤولية كافية في دفع التسوية، واكتفت في كثير من الأحيان بالتأكيد أن أي اتفاق يجب أن يحظى بقبول الفلسطينيين، مع ترك المهمة الأساسية للولايات المتحدة والأطراف الدولية الأخرى.
ويدعو الكاتب إلى دور أكثر فاعلية من جانب مصر والأردن والسعودية والإمارات وقطر، من خلال مسارين متوازيين. يتمثل الأول في دعم إصلاح السلطة الفلسطينية، ووضع معايير واضحة يمكن قياس التقدم على أساسها، مع تقديم حوافز مقابل تنفيذ الإصلاحات ومحاسبة القيادة الفلسطينية إذا أخفقت في الوفاء بالتزاماتها.
ويشدد روس على أن الإصلاح ينبغي ألا يقتصر على التصريحات السياسية، بل يجب أن يرتبط بتحسين أداء المؤسسات وتعزيز قدرتها على الحكم وتقديم الخدمات ومكافحة التطرف. ويرى أن وجود دعم عربي واضح يمكن أن يساعد القيادة الفلسطينية على اتخاذ قرارات صعبة، خصوصًا تلك التي قد تواجه اعتراضات داخلية أو يُنظر إليها باعتبارها استجابة لمطالب إسرائيلية.
ويضيف أن الدول العربية تستطيع توفير غطاء سياسي لهذه القرارات، والدفاع عنها أمام الرأي العام الفلسطيني والعربي، بما يقلل من عزلة القيادة الفلسطينية ويمنحها مساحة أوسع للتحرك.
السعودية والتطبيع مقابل خطوات إسرائيلية
ويقترح روس أن تستخدم دول عربية، وفي مقدمتها السعودية، علاقاتها الاقتصادية والسياسية المحتملة مع إسرائيل لتشجيع الحكومة الإسرائيلية على تقديم تنازلات ملموسة للفلسطينيين.
ويطرح إمكانية توسيع العلاقات التجارية المباشرة بين السعودية وإسرائيل مقابل خطوات إسرائيلية تشمل وقف ضم الأراضي الفلسطينية بحكم الأمر الواقع، وإجراء تعديلات على بروتوكول باريس الاقتصادي لعام 1994، الذي ينظم جانبًا مهمًا من العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.
ويرى الكاتب أن هذه المقاربة يمكن أن تربط المنافع الاقتصادية والدبلوماسية التي تسعى إليها إسرائيل بالتزامات واضحة تجاه الفلسطينيين، بدلًا من أن يكون توسيع العلاقات الإقليمية هدفًا منفصلًا عن مسار التسوية.
كما يعتبر أن تعديل الترتيبات الاقتصادية يمكن أن يساعد في تخفيف القيود التي تحد من النشاط التجاري الفلسطيني، ويفتح المجال أمام فرص اقتصادية أكبر. إلا أن نجاح هذا المقترح، بحسب ما يفهم من طرحه، يتوقف على وجود شروط واضحة وآليات تضمن تنفيذ الالتزامات المتفق عليها، لا الاكتفاء بتعهدات عامة.
واشنطن مطالبة بمحاسبة إسرائيل
وفي ختام مقترحاته، يدعو روس إدارة ترامب إلى ممارسة ضغط مباشر على الحكومة الإسرائيلية، وعدم حصر المحاسبة في حماس والسلطة الفلسطينية. ويشير إلى ضرورة اتخاذ خطوات ملموسة لوقف هجمات المستوطنين والمتطرفين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، معتبرًا أن استمرار هذه الهجمات يقوض فرص التهدئة ويعمق انعدام الثقة.
كما يدعو الرئيس الأمريكي إلى توضيح أن الحكومة الإسرائيلية المقبلة ستكون مطالبة بتنفيذ خطة السلام وخارطة الطريق المتعلقة بغزة، تمامًا كما ستُطالب حماس والسلطة الفلسطينية بالوفاء بالتزاماتهما، بما في ذلك مكافحة التطرف.
ويؤكد الكاتب أن أي عملية سياسية لن تكون قابلة للاستمرار إذا شعر أحد الأطراف بأن الالتزامات تُفرض على خصومه فقط، بينما يُسمح له بتجاهل مسؤولياته. ومن هذا المنطلق، يرى أن واشنطن مطالبة بإقامة آلية واضحة لمتابعة التنفيذ ومحاسبة جميع الأطراف على أساس ما تتعهد به.
ويقر روس بأن الألم المتراكم لدى الإسرائيليين والفلسطينيين لن يختفي سريعًا، وأن استعادة الثقة بعد سنوات من العنف والمعاناة ستتطلب وقتًا وجهدًا متواصلين. لكنه يعتبر أن البديل عن التحرك العملي هو استمرار حالة الشلل، بما تتيحه من فرص أمام المتطرفين وتفاقم للأزمات الإنسانية والسياسية.
ويخلص التحليل إلى أن تجاوز الجمود الإسرائيلي الفلسطيني يتطلب تحركًا أمريكيًا أكثر حزمًا، ومشاركة عربية أوسع، وإجراءات ملموسة على الأرض تبدأ من غزة وتمتد إلى الضفة الغربية، بالتوازي مع إصلاح المؤسسات الفلسطينية ومحاسبة إسرائيل وحماس والسلطة الفلسطينية على التزاماتها. ومن وجهة نظر روس، فإن استعادة الأمل لا تبدأ بانتظار اتفاق شامل، بل بإثبات أن خطوات محددة قابلة للتنفيذ يمكن أن تغيّر الواقع وتفتح الطريق أمام تسوية أوسع. لمنع استمرار حالة الشلل وتعزيز فرص استئناف المسار السياسي.







