ترجمات - مع اقتراب الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تبدو المواجهة السياسية بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وخصومه أكثر وضوحًا من حيث الخطاب الانتخابي، لكنها أكثر تعقيدًا على مستوى النتائج المتوقعة وإمكانية تشكيل الحكومة المقبلة.
وفي تحليل نشرته مجلة «فورين بوليسي» في 19 أكتوبر/تشرين الأول، يرى شالوم ليبنر، الزميل الأول غير المقيم في مبادرة سكوكروفت للأمن في الشرق الأوسط التابعة للمجلس الأطلسي، أن الانتخابات لا تمثل بالضرورة استفتاءً مباشرًا يحسم بقاء نتنياهو في السلطة أو رحيله، كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل إن المعركة الحقيقية ستبدأ بعد إغلاق مراكز الاقتراع، عندما تدخل الأحزاب في مفاوضات تشكيل الائتلاف الحكومي.
ويشير الكاتب إلى أن السنوات الأربع التي أعقبت الانتخابات السابقة شهدت حروبًا ومواجهات على جبهات متعددة، انعكست على المجتمع الإسرائيلي وزادت الانقسامات الداخلية بشأن أداء الحكومة ومستقبل القيادة السياسية. ومع ذلك، فإن حدة الاستقطاب بين معسكر نتنياهو ومعارضيه لا تعني بالضرورة أن أحد الطرفين سيتمكن من تشكيل حكومة مستقرة بمفرده.
ويؤكد التحليل أن طبيعة النظام الانتخابي الإسرائيلي، الذي يقوم على التمثيل النسبي وتعدد الأحزاب، تجعل نتائج الاقتراع مرتبطة بعوامل تتجاوز عدد الأصوات التي يحصل عليها كل حزب، بما في ذلك تجاوز العتبة الانتخابية، واتفاقيات فائض الأصوات، ومواقف الأحزاب من التحالف مع بعضها بعضًا.
نتنياهو ومعارضوه.. صراع على تقييم الحرب ومستقبل إسرائيل
يستند أنصار نتنياهو، وفقًا للتحليل، إلى رواية مفادها أن ما يصفونه بمؤامرات داخل مؤسسات الدولة ساهم في الإخفاقات الأمنية التي سبقت هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. ويرى هذا المعسكر أن نتنياهو استعاد زمام المبادرة بعد الهجمات، ووجّه ضربات إلى خصوم إسرائيل، وأن استمراره في الحكم ضروري لمواصلة ما يقدمه باعتباره تغييرًا استراتيجيًا في الشرق الأوسط.
ويعتبر مؤيدو رئيس الوزراء أن تسليم السلطة إلى قيادة أخرى قد يعرّض المكاسب العسكرية والسياسية التي يقولون إن إسرائيل حققتها للخطر، ويجادلون بأن البلاد تحتاج إلى قيادة تواصل المواجهة مع التهديدات الإقليمية.
في المقابل، يرفض خصوم نتنياهو هذه الرواية، ويطالبون بمحاسبته على الإخفاق الأمني في 7 أكتوبر، معتبرين أن النجاحات العسكرية التكتيكية لم تتحول إلى استقرار استراتيجي أو تسوية سياسية تنهي المواجهات المستمرة.
ويشير المعارضون إلى استمرار الصراعات على جبهات متعددة، من إيران واليمن إلى لبنان وغزة، فضلًا عن اتهامات بالفساد ومشكلات في أداء مؤسسات الدولة وتراجع مكانة إسرائيل الدولية. ويرى هذا المعسكر أن استمرار نتنياهو في رئاسة الحكومة لن يؤدي إلى تغيير جوهري في المسار الحالي، بل قد يفاقم الأزمات الداخلية والخارجية.
لكن ليبنر يلفت إلى أن هذه الانقسامات، رغم عمقها، لم تؤدِّ إلى تحولات كبيرة في الاصطفافات السياسية. وحتى الاتهامات الخطيرة التي أطلقها مسؤول عسكري سابق بشأن احتمال التلاعب بسجلات رسمية مرتبطة بأحداث صباح 7 أكتوبر، وفق ما أورده المقال، لم يظهر أنها أحدثت تحولًا حاسمًا في التوقعات الانتخابية.
وبذلك، تبدو الانتخابات مواجهة بين روايتين متعارضتين لمستقبل إسرائيل، من دون ضمان أن تؤدي نتيجة التصويت إلى حسم واضح للصراع على السلطة.
العتبة الانتخابية.. أصوات قد تضيع وتغيّر الحسابات
يوضح التحليل أن أولى العقبات التي ستواجه الأحزاب الإسرائيلية تتمثل في العتبة الانتخابية، المحددة عند 3.25% من الأصوات الصحيحة. ولا تحصل القوائم التي لا تتجاوز هذه النسبة على مقاعد في الكنيست، ما يعني أن الأصوات التي تُمنح لها لا تدخل في توزيع المقاعد.
ويشير الكاتب إلى أن هذا النظام صُمم للحد من تشتت البرلمان بين عدد كبير من الأحزاب الصغيرة، لكنه قد يؤدي في الانتخابات المقبلة إلى استبعاد قوائم قريبة من تجاوز الحد المطلوب، رغم حصولها على تأييد انتخابي يسمح لها، في ظروف أخرى، بالحصول على تمثيل برلماني.
وتكمن أهمية هذه المسألة في أن أصوات الأحزاب التي تفشل في تجاوز العتبة لا تُحتسب ضمن توزيع المقاعد بين القوائم المؤهلة، وهو ما قد يغيّر التوازن بين المعسكرات السياسية ويؤثر في قدرة أحدها على الوصول إلى الأغلبية.
وفي انتخابات يتوقع أن تشهد منافسة متقاربة، قد تكون الفروق الصغيرة حاسمة، خصوصًا إذا تركزت الأصوات المهدرة في أحد المعسكرين أكثر من الآخر. ولهذا، فإن قياس قوة الأحزاب لا يعتمد فقط على نتائج استطلاعات الرأي، بل أيضًا على قدرتها على تحويل أصوات الناخبين إلى مقاعد فعلية.
ويحذر ليبنر من أن هذه الآلية قد تؤدي إلى نتيجة لا تعكس بصورة كاملة التفضيلات السياسية للناخبين، إذا فشلت قوائم صغيرة في الوصول إلى العتبة المطلوبة.
اتفاقيات فائض الأصوات تمنح الأحزاب نفوذًا إضافيًا
إلى جانب العتبة الانتخابية، تبرز اتفاقيات فائض الأصوات باعتبارها عاملًا مؤثرًا في توزيع المقاعد داخل الكنيست. وتتيح هذه الاتفاقيات لقائمتين متحالفتين انتخابيًا الاستفادة من الأصوات المتبقية بعد توزيع المقاعد الأولية، وفق القواعد القانونية المنظمة للعملية الانتخابية.
وبحسب التحليل، يمكن لهذه الآلية أن تمنح إحدى القائمتين مقعدًا إضافيًا، وهو ما قد يؤثر في التوازن النهائي بين الكتل، خصوصًا عندما تكون المنافسة على الأغلبية البرلمانية شديدة التقارب.
وفي المقابل، قد تجد الأحزاب التي لا تبرم اتفاقات مع قوائم أخرى نفسها في وضع أقل ملاءمة عند توزيع المقاعد المتبقية. ويذكر الكاتب حزب «عوتسما يهوديت» بقيادة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير مثالًا على التحديات التي قد تواجه الأحزاب التي تخوض المنافسة من دون شريك مناسب للاستفادة من فائض الأصوات.
وتعني هذه الحسابات أن الأحزاب لا تتنافس فقط على إقناع الناخبين، بل تسعى أيضًا إلى بناء ترتيبات انتخابية تساعدها على تعظيم حصتها من المقاعد. وقد يكون لهذه التفاهمات تأثير يفوق حجمها الظاهري، إذا أسهمت في منح أحد المعسكرين مقعدًا إضافيًا يحتاج إليه لتشكيل الحكومة.
الرئيس الإسرائيلي يدخل على خط تشكيل الحكومة
بعد إعلان النتائج، تبدأ مرحلة المشاورات التي يجريها الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ مع ممثلي الأحزاب، قبل تكليف مرشح بمحاولة تشكيل الحكومة. وفي هذه المرحلة، تتحول الأنظار من الحملات الانتخابية إلى المفاوضات بشأن توزيع الحقائب الوزارية، والاتفاق على السياسات، وتحديد الأطراف المستعدة للانضمام إلى الائتلاف.
ويرى ليبنر أن مواقف الأحزاب التي تتعهد خلال الحملة الانتخابية برفض التعاون مع خصومها قد تصبح عاملًا حاسمًا في هذه المفاوضات. فإذا تمسك كل معسكر بخطوطه الحمراء، فقد لا يتمكن أي مرشح من جمع أغلبية تبلغ 61 مقعدًا في الكنيست المؤلف من 120 عضوًا.
ويبرز هذا الاحتمال خصوصًا إذا رفضت أحزاب من يسار الوسط المشاركة في حكومة يقودها نتنياهو، في حين ترفض أحزاب من يمين الوسط تشكيل ائتلاف يعتمد على دعم القائمة العربية الموحدة أو غيرها من القوى العربية.
وفي حال تعذر تجاوز هذه الخلافات، قد تدخل إسرائيل مرحلة جديدة من الجمود السياسي، مع احتمال الدعوة إلى انتخابات أخرى خلال الأشهر التالية، بدلًا من تشكيل حكومة مستقرة قادرة على إدارة الملفات الأمنية والاقتصادية والسياسية.
حكومة أقلية أم ائتلاف مؤقت لإزاحة نتنياهو؟
في مواجهة احتمال تعذر تشكيل حكومة بأغلبية واضحة، يناقش التحليل بدائل قد تلجأ إليها المعارضة، من بينها تشكيل حكومة أقلية أو الاتفاق على ائتلاف مؤقت تكون مهمته الأساسية إنهاء حكم نتنياهو وتهيئة الطريق لانتخابات جديدة.
ويشير المقال إلى أن غادي آيزنكوت، الذي يقدمه الكاتب بوصفه أحد أبرز مرشحي المعارضة، طرح احتمال تشكيل حكومة أقلية، لكنه يعتبر هذا الخيار ضعيفًا بسبب صعوبة ضمان الدعم البرلماني الكافي لاستمرارها.
أما البديل الآخر، فيتمثل في اتفاق مؤقت بين أحزاب متباينة سياسيًا، تتفق على إبعاد نتنياهو عن رئاسة الحكومة، مع تأجيل الخلافات الأوسع إلى مرحلة لاحقة. وقد يكون هذا الخيار أقل صعوبة بالنسبة إلى بعض الأحزاب التي ترفض المشاركة في ائتلاف طويل الأمد مع خصومها، لكنها قد تقبل التعاون لفترة انتقالية محدودة.
ومع ذلك، فإن مثل هذا الترتيب سيواجه تحديات تتعلق بمدى قدرة الأطراف على الاتفاق على برنامج حكومي، وضمان استقرار الحكومة خلال الفترة الانتقالية، وتحديد موعد وآلية العودة إلى صناديق الاقتراع.
وبحسب التحليل، فإن هذه الخيارات لا تزال رهينة نتائج الانتخابات ومواقف الأحزاب بعد إعلانها، ولا يمكن اعتبار أي منها مسارًا مرجحًا بصورة مؤكدة قبل اتضاح خريطة المقاعد.
تجارب سابقة تؤكد صعوبة التنبؤ بالنتائج السياسية
يستحضر ليبنر تجارب انتخابية إسرائيلية سابقة لتوضيح الفجوة المحتملة بين ترتيب الأحزاب وفق عدد الأصوات وبين الجهة التي تتمكن في النهاية من تشكيل الحكومة.
ففي انتخابات عام 2009، حصل حزب كاديما بقيادة تسيبي ليفني على عدد من المقاعد يفوق ما حصل عليه حزب الليكود بقيادة نتنياهو، لكن نتنياهو تمكن من تشكيل الحكومة. ويشير المثال إلى أن الفوز بعدد أكبر من المقاعد لا يضمن تلقائيًا الحصول على رئاسة الحكومة، ما لم يستطع الحزب بناء ائتلاف يحظى بالأغلبية البرلمانية.
كما يلفت الكاتب إلى تجربة نفتالي بينيت، الذي قاد حكومة أطاحت بنتنياهو في عام 2021 رغم أن حزبه «يمينا» كان أصغر بكثير من حزب الليكود. لكن الحكومة لم تصمد طويلًا، وانتهى الأمر بحل الكنيست والتوجه إلى انتخابات جديدة في عام 2022.
وتوضح هذه التجارب، بحسب التحليل، أن السياسة الإسرائيلية لا تُحسم بمجرد إعلان الحزب الفائز، بل عبر شبكة معقدة من التحالفات والتفاهمات والقدرة على الحفاظ على دعم الكتل البرلمانية.
مأزق سياسي قد يستمر بعد الانتخابات
يخلص ليبنر إلى أن الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول قد لا تنهي حالة الاستقطاب، حتى إذا أظهرت النتائج تراجعًا في قوة نتنياهو أو فقدانه الأغلبية التي يحتاج إليها. فالمعارضة قد تواجه بدورها صعوبة في جمع أغلبية بديلة، نتيجة التباينات السياسية ورفض بعض الأحزاب التعاون مع أطراف أخرى.
وفي هذا السيناريو، قد يجد الإسرائيليون أنفسهم أمام برلمان منقسم، لا يستطيع فيه أي معسكر تشكيل حكومة مستقرة، ما يفتح الباب أمام مفاوضات طويلة أو ائتلاف مؤقت أو انتخابات جديدة.
ويؤكد التحليل أن العنصر الأكثر وضوحًا في المشهد السياسي الإسرائيلي ليس هوية رئيس الوزراء المقبل، بل استمرار حالة عدم الاستقرار وصعوبة بناء تحالفات قابلة للحياة. فالنتائج ستحدد حجم كل حزب، لكن المفاوضات التي تليها ستحدد ما إذا كان بالإمكان تحويل تلك الأرقام إلى حكومة فعلية.
وبذلك، فإن يوم الانتخابات، وفق خلاصة المقال، ليس نهاية المعركة السياسية، بل بداية مرحلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الحسابات البرلمانية مع الخلافات الأيديولوجية والشخصية، وقد تفضي إلى نتيجة تختلف عن التوقعات التي سبقت الاقتراع.







