أبوظبي - تقود دولة الإمارات جهوداً دولية متواصلة لمكافحة الجوع وسوء التغذية، من خلال منظومة متكاملة تجمع بين المساعدات الإنسانية والشراكات التنموية والابتكار الزراعي، بهدف إنقاذ الأرواح، وتعزيز مرونة النظم الغذائية، وضمان استدامة الإمدادات، لا سيما في المجتمعات الأكثر تضرراً من الأزمات الإنسانية والتغيرات المناخية.
وتجسدت هذه الجهود خلال عام 2026 في مبادرات إنسانية واسعة النطاق، وشراكات دولية لتوسيع برامج التغذية، ومشروعات مبتكرة لدعم الإنتاج الزراعي ورفع قدرة المجتمعات على مواجهة أزمات الغذاء، إلى جانب خطوات لتعزيز مكانة الدولة في منظومة الأمن الغذائي العالمي.
حملة «حد الحياة» تتجاوز مستهدفها بأكثر من 2.8 مليار درهم
حققت حملة «حد الحياة» لإنقاذ 5 ملايين طفل من الموت جوعاً، التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في فبراير 2026، مساهمات تجاوزت 2.822 مليار درهم، بمشاركة 44,208 مساهمين، متجاوزة مستهدفها الأولي البالغ مليار درهم.
وفي إطار الحملة، أعلنت مؤسسة «مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية»، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، ومؤسسة «صندوق الاستثمار للأطفال»، شراكة بقيمة 300 مليون دولار، تعادل نحو 1.0175 مليار درهم، لتوسيع نطاق البرامج التغذوية المنقذة للحياة.
وتتضمن الشراكة مساهمة مشتركة بقيمة 100 مليون دولار من المبادرات والصندوق، فيما تعمل اليونيسف على حشد 200 مليون دولار إضافية عبر شركائها لدعم برامج التغذية والوصول إلى الأطفال الأكثر عرضة للجوع وسوء التغذية.
وتعكس هذه المبادرات توجهاً نحو توسيع نطاق الاستجابة الإنسانية، من خلال حشد التمويل وتنسيق الجهود مع المنظمات الدولية والمؤسسات المعنية، بما يدعم وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر احتياجاً.
مساعدات إماراتية لدعم المتضررين من الأزمات
وعلى صعيد المساعدات الإنسانية، قدمت دولة الإمارات منحة بقيمة 20 مليون دولار لبرنامج الأغذية العالمي، لدعم المتضررين من النزاع في السودان، كما أرسلت 30 طناً من المساعدات الغذائية إلى كينيا لمساندة الأسر المتضررة من الجفاف والتحديات المناخية.
وخصصت الدولة 8 ملايين دولار لتشاد لمواجهة تداعيات ظاهرة النينيو والحد من مخاطر الجوع وسوء التغذية، إلى جانب استمرار تقديم المساعدات الغذائية إلى قطاع غزة براً وبحراً وجواً، ضمن عملية «الفارس الشهم 3».
وفي سياق دعم العمليات الإنسانية وسلاسل الإمداد، نقلت مجموعة موانئ دبي العالمية «دي بي ورلد»، بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي، 5 آلاف طن متري من الأرز إلى بوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، عبر ترتيبات لوجستية ساهمت في تغطية جزء من تكاليف الشحن البحري.
وتبرز هذه الجهود أهمية التعاون بين المؤسسات الإنسانية والقطاع اللوجستي في تسهيل نقل الإمدادات الغذائية، وتعزيز قدرة عمليات الإغاثة على الوصول إلى المجتمعات المتضررة من النزاعات والأزمات المناخية.
دور دولي متنامٍ في منظومة مكافحة الجوع
وفي خطوة تعزز حضورها ضمن آليات العمل الدولي، انتُخبت الإمارات في أبريل الماضي لعضوية المجلس التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي للفترة 2026-2028.
ومن شأن هذه العضوية توسيع نطاق دور الدولة، من تقديم المساعدات الإنسانية إلى المشاركة في توجيه الجهود الدولية الرامية إلى مكافحة الجوع، ودعم العمليات الإنسانية وسلاسل الإمداد، وتعزيز فرص وصول الغذاء إلى الفئات الأكثر احتياجاً في ظل التحديات العالمية.
وتأتي هذه الخطوة بالتوازي مع جهود الدولة لتوسيع الشراكات الدولية، وتطوير حلول مستدامة للأمن الغذائي، بما يربط بين الاستجابة العاجلة للأزمات وبناء نظم غذائية أكثر قدرة على الصمود على المدى الطويل.
الزراعة الآمنة مائياً تمهد لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026
وفي إطار تعزيز الاستدامة الزراعية وإدارة الموارد الطبيعية، عقدت وزارة التغير المناخي والبيئة، في سبتمبر الماضي، مجلساً وزارياً رفيع المستوى وحواراً للتنفيذ في مقر البعثة الدائمة للدولة لدى الأمم المتحدة في نيويورك، تحت عنوان «من الإجهاد المائي إلى التنفيذ – بناء مسارات وطنية للزراعة الآمنة مائياً»، وذلك ضمن مشاركة وفد الوزارة في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.
وركزت المناقشات على تحويل الأولويات الوطنية إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، وتوسيع الوصول إلى الخبرات والبيانات والتقنيات، إلى جانب رفع كفاءة الري، وإعادة استخدام المياه، وحماية المياه الجوفية، وإدارة الملوحة، وتوظيف الحلول الرقمية في تطوير القطاع الزراعي.
ويمهد المجلس لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026، الذي تستضيفه أبوظبي خلال الفترة من 8 إلى 10 ديسمبر المقبل، مستنداً إلى مخرجات مؤتمر الأطراف COP28، بما في ذلك إعلان الإمارات بشأن النظم الغذائية والزراعة المستدامة والعمل المناخي.
وتؤكد هذه الجهود الترابط بين الأمن المائي والأمن الغذائي، في ظل التحديات التي تواجه الإنتاج الزراعي نتيجة تغير المناخ وندرة الموارد المائية، والحاجة إلى حلول تضمن استدامة الإنتاج وتحسين كفاءة استخدام المياه.
«دبي العطاء» تدعم الوجبات المدرسية المستدامة في إفريقيا
وفي مجال التغذية المدرسية، أطلقت مؤسسة «دبي العطاء»، التابعة لمبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية، حملة «أطعم طفلاً وابنِ مطبخاً»، لدعم برنامج الوجبات المدرسية الصديقة للبيئة في كينيا، تمهيداً للتوسع في دول إفريقيا جنوب الصحراء.
وتستهدف الحملة توفير غذاء مستدام للأطفال، وتعزيز قدرة الأسر والمجتمعات على مواجهة الجوع وسوء التغذية، فضلاً عن دعم البيئة المدرسية وتحسين الظروف التي تساعد الطلبة على الحضور والتركيز والتحصيل الدراسي.
وتشير البيانات الواردة في المبادرة إلى افتقار أكثر من 90% من أطفال إفريقيا إلى نظام غذائي متوازن، فيما يعاني 60% من أطفال كينيا من سوء التغذية، وهو ما يسلط الضوء على أهمية برامج التغذية المدرسية بوصفها إحدى أدوات دعم صحة الأطفال وتعليمهم.
وتجمع المبادرة بين تعزيز الوصول إلى الغذاء ودعم الحلول المستدامة، بما يتيح توسيع أثر برامج التغذية وربطها باحتياجات المجتمعات المحلية على المدى الطويل.
استثمارات دولية لتعزيز الابتكار الزراعي والمناخ
وعلى مستوى المبادرات الدولية، قادت الإمارات والولايات المتحدة مبادرة «الابتكار الزراعي للمناخ»، التي أُطلقت في نوفمبر 2021 بتعهد استثماري بلغ 4 مليارات دولار لدعم الابتكار في القطاع الزراعي عالمياً، قبل الإعلان في مايو 2023 عن زيادة الاستثمارات إلى أكثر من 13 مليار دولار.
كما انضمت الدولة إلى «مبادرة التطور الزراعي» بقيادة المملكة المتحدة، التي تستهدف جعل الزراعة المستدامة القادرة على التكيف مع تغير المناخ الخيار الأكثر جاذبية للمزارعين بحلول عام 2030.
وشهد مؤتمر الأطراف COP28، الذي استضافته الإمارات، توقيع 134 دولة على إعلان بشأن الزراعة المستدامة والنظم الغذائية المرنة والعمل المناخي، إلى جانب الإعلان عن حشد أكثر من 2.5 مليار دولار لدعم الأمن الغذائي في مواجهة تداعيات تغير المناخ.
وتعكس هذه المبادرات اتجاهاً دولياً نحو زيادة الاستثمارات في الابتكار الزراعي، وتطوير أساليب إنتاج أكثر استدامة، وتعزيز قدرة النظم الغذائية على مواجهة التغيرات المناخية والاضطرابات التي تؤثر في الإنتاج والإمدادات.
الأمن الغذائي المحلي.. تنويع الاستيراد وتوسيع الإنتاج
وعلى المستوى المحلي، أطلقت دولة الإمارات البرنامج الوطني لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، بهدف تنويع مصادر الاستيراد، ودعم التصنيع والزراعة المحلية، وتوسيع الشراكات الدولية، بما يعزز قدرة الدولة على التعامل مع تقلبات الأسواق والاضطرابات التي قد تؤثر في تدفق السلع الغذائية.
كما استضافت الدولة فعاليات الأسبوع العالمي للغذاء خلال أكتوبر الجاري، مستفيدة من موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا وإفريقيا وأوروبا، ومن بنيتها التحتية اللوجستية المتطورة التي تدعم حركة التجارة وتوزيع المنتجات الغذائية.
وبلغت تجارة الإمارات في المنتجات الغذائية والزراعية والمرتبطة بها 41.8 مليار دولار خلال عام 2025، فيما استقطبت مدينة دبي للتكنولوجيا الغذائية استثمارات بقيمة 50 مليار دولار، لدعم تطوير منظومة غذائية مستدامة تشمل تقنيات الزراعة العمودية والمائية والتخمير الدقيق.
وتنفذ الدولة استراتيجيتها الوطنية للأمن الغذائي، التي تضم 38 مبادرة قصيرة وطويلة المدى، بهدف تحقيق الريادة عالمياً في مؤشر الأمن الغذائي بحلول عام 2051.
الزراعة الذكية والعضوية تدعم استدامة الإنتاج
وفي إطار تعزيز الإنتاج المحلي، شهدت الإمارات تجارب ومشروعات في مجالات الزراعة العضوية والعمودية والمائية، تعتمد على حلول الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتقنيات الحديثة، بهدف تحسين كفاءة الإنتاج وترشيد استخدام الموارد.
ومن أبرز هذه المشروعات «سبع سنابل» في الشارقة، و«بستانك»، التي توصف بأنها أكبر مزرعة عمودية في العالم، و«آيروفارمز AgX»، وهي مزرعة عمودية داخلية متطورة في الإمارات والشرق الأوسط، وفقاً للبيانات الواردة.
كما تضم هذه المشروعات مزرعة الإمارات البيولوجية في أبوظبي، التي توصف بأنها أكبر مزرعة عضوية في الدولة، وتنتج أكثر من 60 نوعاً من المنتجات العضوية المحلية خلال الموسم، إلى جانب مشروع «وادي تكنولوجيا الغذاء» الذي يستهدف مضاعفة إنتاج دبي الغذائي ثلاث مرات.
وتعكس هذه التجارب توجه الإمارات نحو توظيف التكنولوجيا والابتكار في تطوير القطاع الزراعي، وتنويع مصادر الغذاء، وزيادة الإنتاج المحلي، بما يدعم أهداف الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي ويعزز استدامة منظومة الإمدادات.
ومن خلال الجمع بين المساعدات الإنسانية والشراكات الدولية والاستثمارات الزراعية والتقنيات الحديثة، تواصل الإمارات العمل على تعزيز الاستجابة العالمية للجوع وسوء التغذية، بالتوازي مع تطوير منظومتها المحلية للأمن الغذائي، وبناء حلول تستهدف رفع قدرة المجتمعات على مواجهة الأزمات وضمان استدامة الغذاء.






