طولكرم - كشفت دراسة بعنوان «ما وراء الركام: الأثر الاقتصادي للعدوان العسكري الإسرائيلي على المنشآت التجارية والأسر في مخيمي طولكرم ونور شمس منذ كانون الثاني 2025»، أعدتها سلمى حمزة وصدرَت في سبتمبر/أيلول 2026، عن حجم الخسائر التي لحقت بالمنازل والمنشآت التجارية ومصادر دخل الأسر في شمال الضفة الغربية، منذ بدء العملية العسكرية الإسرائيلية التي أُطلق عليها اسم «الجدار الحديدي» في يناير/كانون الثاني 2025.
وبحسب بيانات الدراسة، بلغ عدد المنازل التي دُمّرت بالكامل في مخيمي طولكرم ونور شمس 1633 منزلًا، فيما تعرض نحو 2500 منزل لدمار جزئي، وأُحرِق 125 منزلًا، إلى جانب تضرر 1179 منشأة تجارية. ولا تقتصر تداعيات هذه الأضرار، وفق التقرير، على خسارة الممتلكات والأصول، بل تمتد إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وانقطاع دخول الأسر والعمال، وتعطل العلاقات التجارية والاجتماعية التي اعتمد عليها سكان المخيمين في تأمين احتياجاتهم اليومية.
وتربط الدراسة بين اتساع الدمار واستمرار النزوح، مشيرة إلى أن تراجع فرص العمل وتزايد تكاليف المعيشة يجعلان استعادة النشاط الاقتصادي أكثر صعوبة، خصوصًا بالنسبة إلى أصحاب المشاريع الصغيرة الذين لا يملكون احتياطيات مالية كافية لتحمل توقف أعمالهم لفترات طويلة.
أكثر من 21 ألف نازح من المخيمين
تُظهر البيانات التي استندت إليها الدراسة أن إجمالي الأسر النازحة من مخيمي طولكرم ونور شمس والمناطق المشمولة بالحصر بلغ 5295 أسرة، تضم 21 ألفًا و180 فردًا.
وسجل مخيم طولكرم نزوح 2819 أسرة، بما يعادل 53.2% من إجمالي الأسر المشمولة بالبيانات، فيما بلغ عدد الأسر النازحة من مخيم نور شمس 2341 أسرة، بنسبة 44.2%. كما شمل الحصر 135 أسرة في مدينة طولكرم، تمثل 2.5% من الإجمالي.
وعلى مستوى الأفراد، بلغ عدد النازحين من مخيم طولكرم 11 ألفًا و276 شخصًا، مقابل 9364 شخصًا من مخيم نور شمس، إضافة إلى 540 شخصًا في مدينة طولكرم.
وتوضح الدراسة أن النزوح لم يقتصر على فقدان المساكن أو الانتقال إلى أماكن إقامة بديلة، بل غيّر ظروف الحياة اليومية للأسر، بما يشمل الوصول إلى الخدمات ومصادر الدخل وفرص العمل. كما تركزت أعداد كبيرة من النازحين في مدينة طولكرم والقرى المحيطة، ولا سيما ذنابة واكتابا، حيث واجهوا بيئات اقتصادية محدودة الفرص، واضطر بعضهم إلى البحث عن أعمال مؤقتة أو التوقف عن العمل.
وتشير الدراسة إلى أن استمرار النزوح، من دون وضوح موعد العودة، يضاعف الضغوط على الأسر التي فقدت مصادر دخلها في وقت أصبحت فيه مطالبة بتحمل نفقات جديدة للسكن والمياه والكهرباء والتنقل والاحتياجات الأساسية.
1179 منشأة متضررة.. خسائر تتجاوز المباني والمعدات
يمثل تضرر 1179 منشأة تجارية أحد أبرز مؤشرات الأزمة الاقتصادية التي يتناولها التقرير. لكن الدراسة تؤكد أن الأثر لا يُقاس بعدد المنشآت المتضررة وحده، نظرًا إلى تنوع الأنشطة التي كانت تعمل داخلها واختلاف عدد الأسر والعمال المعتمدين عليها.
فبعض المنشآت كانت المصدر الأساسي لدخل الأسرة، بينما وفرت أخرى دخلًا إضافيًا أو شكلت مشروعات عائلية يعمل فيها أكثر من فرد. كما اعتمد جزء من اقتصاد المخيمين على أنشطة منزلية وحرف فردية ومشروعات صغيرة، بما فيها أعمال تديرها نساء وتستند إلى قاعدة من الزبائن داخل المخيم.
وتوضح الدراسة أن توقف هذه الأنشطة ينعكس على شبكة اقتصادية أوسع تضم الموردين والعمال والزبائن والخدمات المرتبطة بها. وعندما تتوقف منشأة عن العمل، لا يخسر صاحبها دخله فقط، بل قد يفقد العاملون فيها أجورهم، كما يتراجع الطلب على السلع والخدمات التي كانت توفرها، وتتأثر الأسر التي كانت تعتمد على قرب السوق المحلية وسهولة الوصول إليها.
وتلفت الدراسة إلى أن تصنيف الضرر المادي بوصفه جزئيًا لا يعني بالضرورة أن أثره الاقتصادي محدود؛ فقد يبقى جزء من المبنى قائمًا، بينما تتضرر المعدات والمخزونات والأثاث والمواد اللازمة للتشغيل، أو يصبح الوصول إلى المنشأة واستخدامها متعذرًا، فتتوقف عن أداء وظيفتها الاقتصادية بالكامل.
مخبز يخسر نصف مليون شيكل بعد توقف نشاطه
تعرض الدراسة حالات ميدانية لأصحاب منشآت متضررة، بهدف توضيح ما تعنيه الخسائر على مستوى دخل الأسر والعمال. ومن بينها مخبز بدأ العمل عام 2015، وكان يشغّل تسعة أفراد من العائلة، ويحقق دخلًا شهريًا يقدر بنحو 30 ألف شيكل قبل تضرره.
وبحسب البيانات الواردة في التقرير، تعرض المخبز للهدم الكامل في مارس/آذار 2025، وتوقف نشاطه كليًا. وقدّر صاحبه خسائره بنحو 500 ألف شيكل، فيما انخفض الدخل الشهري من نحو 30 ألف شيكل إلى الصفر، ما دفع الأسرة إلى الاعتماد على بعض المدخرات المتبقية.
وتوضح هذه الحالة كيف يمكن لتدمير منشأة واحدة أن يؤثر في مصدر رزق أسرة كاملة، لا سيما عندما يكون المشروع عائليًا ويعتمد عليه عدد من أفراده بصورة مباشرة. كما أن توقف المخبز يقطع علاقاته التجارية مع الموردين والزبائن، ويجعل إعادة تشغيله مرتبطة بتوفير رأس مال جديد وإمكانية العودة إلى موقع العمل.
استوديو تصوير وصالون حلاقة.. ضرر جزئي ونتيجة اقتصادية كاملة
وتعرض الدراسة حالة استوديو تصوير بدأ العمل عام 2000، وكان يشغّل ثمانية أشخاص، وبلغ دخله الشهري قبل الضرر نحو 4500 شيكل. وعلى الرغم من أن الأضرار صُنفت على أنها هدم جزئي، فقد توقف النشاط بالكامل منذ أبريل/نيسان 2025، مع فقدان المعدات والمخزون والأثاث والمواد المستخدمة في العمل.
وقدّر صاحب الاستوديو خسائره بنحو 120 ألف شيكل، فيما انقطع الدخل الذي كانت تعتمد عليه الأسرة. وبحسب التقرير، ظل النشاط متوقفًا حتى وقت إعداد الدراسة، ما يعني استمرار تراكم الخسائر مع مرور الأشهر.
وتبرز الحالة نفسها في صالون حلاقة رجالي بدأ العمل عام 2016، وكان يشغّل عاملين، ويحقق دخلًا شهريًا يناهز 4500 شيكل. وتعرض الصالون لهدم جزئي في عام 2025، لكنه توقف عن العمل بالكامل منذ مارس/آذار من العام نفسه.
وتشير الدراسة إلى أن دخل الصالون كان يمثل المصدر الرئيسي لمعيشة أسرة يعتمد تسعة من أفرادها عليه مباشرة، ما يوضح أن حجم المشروع أو عدد العاملين فيه لا يعكسان وحدهما مدى تأثير توقفه. فالمشروع الصغير قد يكون مصدر دخل أساسيًا لعدد كبير من الأفراد، وقد يؤدي تعطله إلى فقدان مورد الأسرة والوظائف المرتبطة به في الوقت نفسه.
متجر صغير يفقد دخله وعامليه
وتتناول الدراسة أيضًا حالة متجر صغير من نوع «ميني ماركت» بدأ نشاطه قبل نحو ست سنوات، وكان يشغّل عاملين، ويحقق دخلًا شهريًا يقدر بنحو 8 آلاف شيكل، يمثل المصدر الرئيسي لدخل أسرة يعتمد ستة من أفرادها عليه مباشرة.
وتعرض المتجر للهدم الكامل في أغسطس/آب 2025، وقدّر صاحبه خسائره بنحو 100 ألف شيكل نتيجة فقدان المبنى ومحتوياته ومعداته. ومنذ ذلك الوقت توقف النشاط بالكامل، وانخفض الدخل الشهري من 8 آلاف شيكل إلى الصفر.
كما فقد العاملان مصدر دخلهما، ولم تُدفع لهما أجور بعد توقف العمل، بحسب ما أوردته الدراسة، التي أشارت إلى عدم وجود محاولة لإعادة تشغيلهما في موقع آخر.
وتكشف هذه الحالة، وفق التقرير، أن الأضرار التي تصيب المشروعات الصغيرة تمتد إلى أصحابها والعاملين فيها والأسر المعتمدة على دخلها، ولا سيما عندما لا تتوفر موارد تسمح بنقل النشاط أو استئنافه في مكان بديل.
النزوح يرفع النفقات ويستنزف الموارد المتبقية
لا تتوقف الخسائر الاقتصادية عند لحظة تدمير المنشأة أو توقفها عن العمل، بحسب الدراسة، بل تتضاعف مع استمرار النزوح. فالأسر التي فقدت مصدر دخلها تجد نفسها أمام نفقات إضافية للسكن والمياه والكهرباء والتنقل والاحتياجات اليومية، في وقت تتقلص فيه قدرتها على تمويل إصلاح الأضرار أو استئناف العمل.
وتنقل الدراسة شهادة أحد النازحين الذي قال إنه لم يكن مضطرًا قبل النزوح إلى التفكير في دفع تكاليف المياه والكهرباء بالطريقة نفسها. وتعكس هذه الشهادة، وفق التقرير، التحول الذي طرأ على ميزانيات الأسر؛ إذ تزامن فقدان الدخل مع زيادة الالتزامات الشهرية.
ومع مرور الوقت، تتنافس الاحتياجات الأساسية مع النفقات الضرورية لإعادة تشغيل المشروعات. فالأموال التي كان يمكن تخصيصها لإصلاح المعدات أو استئجار محل بديل تصبح مطلوبة لتغطية الغذاء والسكن والخدمات، وهو ما يقلل فرص استعادة النشاط الاقتصادي.
وفي هذا السياق، يشير التقرير إلى مطالبة ممثلين عن المخيم بتخصيص مساعدة شهرية قدرها ألف شيكل للأسر النازحة، بهدف توفير الحد الأدنى من متطلبات المعيشة.
وتوضح الدراسة أن طول فترة التوقف يضيف ثلاثة أبعاد مترابطة إلى الخسارة: استمرار انقطاع الدخل، واستنزاف الموارد اللازمة لإعادة العمل، وتغير البيئة الاجتماعية والسوق التي كانت تستند إليها مصادر المعيشة. ومع غياب موعد واضح للعودة، يصبح التخطيط لاستئناف النشاط الاقتصادي أكثر صعوبة.
تضرر البنية التحتية يزيد صعوبة التعافي
إلى جانب تدمير المنازل والمنشآت، تتناول الدراسة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والخدمات الأساسية في المنطقة. وتنقل، استنادًا إلى بيانات أممية، تضرر نحو 15 كيلومترًا من خطوط المياه، واضطراب الوصول إلى المياه الآمنة لنحو 27 ألف شخص، مع بقاء ما لا يقل عن 7 آلاف شخص غير موصولين بشبكة المياه رغم الجهود المبذولة لإعادة الخدمات.
ويؤدي تضرر البنية التحتية إلى إضافة أعباء على الأسر والمشروعات التي تحتاج إلى خدمات المياه والكهرباء والوصول إلى مواقع العمل حتى تتمكن من استئناف أنشطتها. ومن ثم، فإن إعادة تشغيل المنشآت لا تعتمد على إصلاح المباني والمعدات وحدها، بل ترتبط أيضًا بعودة الخدمات الأساسية وإمكانية الوصول إلى المخيم واستعادة الحركة الاقتصادية داخله.
كما تستند الدراسة إلى تقرير لمكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان صدر في 4 سبتمبر/أيلول 2026، وثّق استمرار منع السكان المهجرين من العودة إلى مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، إلى جانب استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي والتغييرات التي طالت البنية العمرانية للمخيمات.
العودة ليست نهاية الأزمة الاقتصادية
تخلص الدراسة إلى أن السؤال الذي يواجه سكان مخيمي طولكرم ونور شمس لا يتعلق بموعد انتهاء النزوح فقط، بل بما سيجدونه عند العودة. فالمنازل التي تعرضت للهدم، والمنشآت التي خرجت من الخدمة، والشوارع التي تغيرت، كلها عوامل تعني أن استعادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية لن تكون تلقائية بمجرد السماح للسكان بالرجوع.
وتوضح الدراسة أن اقتصاد المخيم لم يكن قائمًا على المحال التجارية وحدها، بل تشكل عبر سنوات من العلاقات بين أصحاب المهن والعمال والموردين والزبائن والجيران والأقارب. وكانت هذه الشبكات تتيح للأسر تشغيل مشروعات صغيرة وتأمين احتياجاتها، حتى في ظل محدودية الموارد.
وتكتسب هذه العلاقات أهمية خاصة بالنسبة إلى المشروعات المنزلية التي تديرها بعض النساء، إذ تعتمد قدرتها على الاستمرار على وجود الزبائن في المحيط القريب، وإمكانية تسليم المنتجات وتحصيل ثمنها. ومع تفرق السكان، لا تفقد صاحبة المشروع مكان العمل بالضرورة فحسب، بل قد تفقد السوق المحلية التي كانت تمنح نشاطها قيمته الاقتصادية.
وتؤكد الدراسة أن تعويض جزء من قيمة منزل أو شراء معدات جديدة أو بناء محل بديل لا يكفي وحده لإعادة إنشاء شبكة العلاقات التي كان النشاط الاقتصادي يعتمد عليها. فالتعافي يتطلب أيضًا استعادة القدرة على الوصول إلى السوق، وتوفير الخدمات، وعودة السكان، وإتاحة الظروف التي تسمح بإعادة بناء مصادر الدخل.
وبذلك، تطرح الدراسة إعادة الإعمار باعتبارها عملية تتجاوز إصلاح المباني والبنية التحتية إلى تمكين السكان من استعادة أنشطتهم الاقتصادية ومصادر رزقهم. كما تشدد على أهمية مشاركة أصحاب المنشآت والأسر المتضررة في تحديد الاحتياجات والأولويات، بحكم معرفتهم بطبيعة الحياة الاقتصادية والاجتماعية التي تشكلت داخل المخيمين.
وتشير النتائج في مجملها إلى أن الخسارة الاقتصادية في مخيمي طولكرم ونور شمس لا تُقاس فقط بعدد المنازل والمنشآت التي تضررت، بل أيضًا بالدخل الذي انقطع، والموارد التي استُنزفت، وفرص العمل التي فُقدت، والعلاقات التي تعطلت. ومع استمرار النزوح وعدم وضوح موعد العودة، تتقلص قدرة كثير من الأسر على إعادة بناء ما فقدته، لتصبح العودة بداية لمسار طويل من التعافي الاقتصادي والاجتماعي، لا نهاية للأزمة.






