تل أبيب - كشف تحقيق نشرته صحيفة «هآرتس» في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2026 عن مشروع تقوده شبكة من المؤسسات الإسرائيلية والأميركية، قالت الصحيفة إنه يستهدف إعادة تشكيل النخبة الإسرائيلية، ولا سيما داخل المؤسسة الأمنية، عبر تمويل برامج لتأهيل شخصيات ذات توجهات يمينية متشددة.
وبحسب التحقيق، فإن «المركز للحرية الإسرائيلية» يمثل نسخة محدثة من نشاط «صندوق تكفاه»، المؤسسة الأميركية التي سبق أن موّلت «منتدى كوهيليت»، الذي ارتبط بدعم مشروع الإصلاح القضائي الذي دفعته حكومة بنيامين نتنياهو.
ويشير التحقيق إلى أن المشروع الجديد لا يركز على الجهاز القضائي فحسب، وإنما يستهدف أيضًا بناء شبكة من الضباط والشخصيات الأمنية والسياسية القادرة على الوصول إلى مواقع مؤثرة في مؤسسات الدولة.
ومن بين أبرز خريجي أحد البرامج التابعة لهذه الشبكة رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك» دافيد زيني، الذي كان من المشاركين في الدورة الثانية لـ«برنامج تشرشل» الذي يديره «معهد أرجمان».
من «كوهيليت» إلى المؤسسة الأمنية
وفق «هآرتس»، فإن «المركز للحرية الإسرائيلية» تأسس بوصفه امتدادًا لنشاط سابق لـ«صندوق تكفاه»، الذي موّل لسنوات مشاريع مرتبطة بالتيار المحافظ واليمين الإسرائيلي.
ويرأس المركز عمّيعاد كوهين، الذي سبق أن ترأس الفرع الإسرائيلي لـ«صندوق تكفاه»، فيما يقول التحقيق إن الجزء الأكبر من تمويل المركز في بدايته جاء من الصندوق نفسه.
وكان «صندوق تكفاه» قد واجه انتقادات في الولايات المتحدة على خلفية نشاطه المرتبط بالمشهد السياسي الإسرائيلي، ونظمت احتجاجات أمام مكاتبه في مانهاتن بعد ارتباط اسمه بتمويل جهات مؤيدة للإصلاح القضائي.
وفي أبريل/نيسان 2024، أعلن مسؤولو الصندوق في الولايات المتحدة أن «المركز للحرية» أصبح منظمة مستقلة. إلا أن التحقيق أشار إلى استمرار الروابط المالية بين الطرفين، معتبرًا أن المشروع يمثل انتقالًا من الاستثمار في تغيير الجهاز القضائي إلى الاستثمار في المؤسسة الأمنية.
وبحسب التحقيق، نقلت أموال من الصندوق إلى المركز خلال عام 2024، بينها 3.5 ملايين دولار في مارس/آذار و1.5 مليون دولار بعد ستة أشهر، فيما أظهرت التقارير المالية التزامًا بتحويل ما يصل إلى خمسة ملايين دولار إضافية في عام 2025.
في المقابل، نفى «صندوق تكفاه» أن تكون هناك علاقة سيطرة أو إدارة بينه وبين «المركز للحرية»، وقال إن الأموال التي قدمها للمركز كانت منحة لمرة واحدة لنقل بعض البرامج التعليمية وإتاحة الوقت للمنظمة الجديدة لبناء مصادر تمويل مستقلة.
«برنامج تشرشل».. إعداد كوادر أمنية
ويضم «المركز للحرية» تحت مظلته «معهد أرجمان»، الذي يرأسه رونين شوفال، أحد مؤسسي حركة «إذا شئتم».
ويُعد «برنامج تشرشل» أحد أبرز برامج المعهد، ويستهدف العاملين في المؤسسة الأمنية والأشخاص الراغبين في التأثير في قضايا السياسة الخارجية والأمن.
وبحسب التحقيق، يجتمع المشاركون في البرنامج بصورة أسبوعية في القدس لمناقشة أفكار محافظة وبناء شبكة مهنية، فيما يصف القائمون عليه هذه الشبكة بأنها قاعدة لنخبة يمينية جديدة.
وتخرج من البرنامج، وفق «هآرتس»، نحو 65 شخصًا حتى الآن، بينهم مستشارون لوزراء، وضباط في الجيش وقوات الاحتياط، وخبراء قانون، وموظفون في مكتب رئيس الحكومة، إلى جانب مسؤولين في منظومة الإعلام الحكومية.
وكان دافيد زيني، الذي يشغل حاليًا منصب رئيس «الشاباك»، من خريجي الدورة الثانية للبرنامج.
زيني: «لدي أجندة وأريد الدفع بها»
وأشار التحقيق إلى خطاب ألقاه زيني قبل نحو ثلاثة أشهر خلال حفل لمعهد أرجمان، أعلن فيه أن لديه «أجندة» يريد الدفع بها إلى الأمام.
وقال زيني، وفق «هآرتس»، إنه يريد أن يكون وفيًا «للمستوى المنتخب»، وهي تصريحات أثارت جدلًا بشأن العلاقة بين قيادة الأجهزة الأمنية والحكومة المنتخبة، بحسب الصحيفة.
ولفت التحقيق إلى أن المناسبة التي تحدث فيها زيني كانت حفلًا نظمته الجهة نفسها التي يرعاها «المركز للحرية»، حيث أعلن المدير العام للمركز أن «نخبة جديدة» تتشكل في إسرائيل.
وثيقة من 270 صفحة ترسم تصورًا أمنيًا جديدًا
وبحسب التحقيق، أعد مشاركون في «برنامج تشرشل» وثيقة من نحو 270 صفحة تتضمن تصورًا للأمن الإسرائيلي والسياسة الخارجية والعلاقة مع الفلسطينيين ودول المنطقة.
وتقوم الرؤية الواردة في الوثيقة، بحسب «هآرتس»، على اعتبار أن السلام ليس هدفًا استراتيجيًا بحد ذاته، وأن إسرائيل يجب أن تستعد لفترات متكررة من الحرب.
وتدعو الوثيقة إلى زيادة حجم القوات البرية، وإقامة مناطق عازلة خارج الأراضي الإسرائيلية قرب الحدود، والاستعداد لخوض مواجهات متعددة الجبهات في الوقت نفسه.
كما تتحدث عن إمكانية تنفيذ عمليات عسكرية عميقة لمسافات بعيدة عن الحدود الإسرائيلية، وتدعو إلى إعداد خطط عملياتية تحسبًا لاحتمال تحول مصر والأردن مستقبلًا إلى دولتين معاديتين، رغم وجود معاهدات سلام مع البلدين.
الضفة الغربية و«الهجرة الطوعية»
ويتناول التصور المقترح أيضًا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إذ تنقل الصحيفة عن الوثيقة دعوات إلى تفكيك السلطة الفلسطينية والتوجه نحو ضم الضفة الغربية، إلى جانب تشجيع ما تسميه «الهجرة الطوعية» للفلسطينيين.
وتتضمن الوثيقة، وفق التحقيق، تقديرات وأهدافًا تتحدث عن مغادرة مئات الآلاف من الفلسطينيين خلال العقدين المقبلين، إلى جانب اقتراح إنشاء وزارة خاصة لهذا الملف ودراسة إقامة مطار قرب معبر اللنبي لتسهيل حركة المغادرين.
وتطرح الوثيقة كذلك إعادة صياغة العقيدة الأخلاقية للجيش الإسرائيلي، بحيث يكون للهوية القومية والانتصار دور أكبر فيها، مقابل تقليص حضور ما تصفه الوثيقة بالقيم الأخلاقية «الشمولية».
شبكة أوسع من المؤسسات اليمينية
ويضع تحقيق «هآرتس» «برنامج تشرشل» ضمن شبكة أوسع من المؤسسات التي تنشط في مجالات القانون والسياسة والاقتصاد والأمن.
وتشمل الشبكة، بحسب التحقيق، «منتدى كوهيليت» و«معهد مشغاف» في مجال صياغة السياسات والقوانين، و«المنتدى الإسرائيلي للقانون والحرية» في مجال تأهيل رجال القانون، إضافة إلى مؤسسات تركز على إعداد القيادات السياسية والأكاديمية ونشر الفكر اليميني.
ويرى التحقيق أن هذه المؤسسات تعمل بصورة متكاملة، بحيث يجري إعداد كوادر في مجالات مختلفة يمكنها الوصول إلى مواقع مؤثرة في أجهزة الدولة.
وتضم شبكة خريجي «برنامج تشرشل» شخصيات مرتبطة بتنظيمات يمينية مدنية وأمنية، بينها مؤسسات تنشط في قضايا الجيش والسياسة والأمن الداخلي.
رافائيل بن ليفي.. مدير البرنامج
ويتولى رافائيل بن ليفي إدارة «برنامج تشرشل»، وهو باحث في قضايا الاستراتيجية والأمن القومي والعلاقات الإسرائيلية الأميركية.
وبحسب التحقيق، سبق لبن ليفي أن عمل في «منتدى كوهيليت» ثم انتقل إلى «معهد مشغاف»، قبل توليه موقعًا قياديًا في «معهد أرجمان».
ويتبنى بن ليفي، وفق ما أوردته «هآرتس» في تحقيقها، رؤية تنتقد فكرة أن إسرائيل ينبغي أن تكون جزءًا من المنظومة الغربية السياسية والقيمية، ويدعو إلى رؤية تستند إلى ما يسميه «القومية التوراتية».
وفي تصريحات سابقة له، تحدث بن ليفي عن أهمية القوة في تحقيق الاستقرار، مستشهدًا بمملكة سليمان بوصفها نموذجًا تاريخيًا لما يراه علاقة بين القوة والهدوء السياسي.
كما نشر بعد هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول مقالًا تناول فيه إبعاد سكان قطاع غزة، ووجدت «هآرتس» تشابهًا بين أجزاء منه وبين وثيقة كانت قد أعدتها وزارة الاستخبارات الإسرائيلية بشأن مستقبل سكان القطاع.
التأثير الفكري للحاخام أوري شرْكي
يرتبط بن ليفي فكريًا بالحاخام أوري شرْكي، أحد الشخصيات البارزة في التيار الديني القومي الإسرائيلي.
وبحسب التحقيق، يصف بن ليفي شرْكي بأنه كان له تأثير كبير في طريقة تفكيره، خصوصًا في ما يتعلق بفكرة وجود «رسالة سياسية» للتوراة وضرورة امتلاك القوة الجيوسياسية لتحقيقها.
ويتبنى شرْكي بدوره مواقف مؤيدة لتغيير النظام القضائي، وسبق أن دعا إلى إنشاء هيئة عليا تستلهم، وفق تصوره، دور «السنهدرين» في التاريخ اليهودي.
كما يدير برنامجًا يهدف إلى إعداد ما يصفه بـ«نخبة فكرية توراتية جديدة»، ويظهر اسم بن ليفي ضمن المحاضرين في هذا البرنامج.
التمويل الأميركي ودور «صندوق تكفاه»
وتعود جذور الشبكة، وفق التحقيق، إلى «صندوق تكفاه»، وهو مؤسسة أميركية تأسست عام 1992 بأموال تركة الملياردير اليهودي زلمان برنشتاين، بهدف دعم التعليم المرتبط بالقيم المحافظة واليهودية.
وتقول «هآرتس» إن نشاط الصندوق تغير تدريجيًا، خصوصًا خلال العقد الأخير، ليتجه بصورة أكبر إلى تمويل مؤسسات تسعى إلى التأثير في السياسات الإسرائيلية وتشكيل نخبة محافظة في مجالات القانون والأمن والسياسة.
وكان الصندوق من الجهات الداعمة لـ«منتدى كوهيليت»، الذي ارتبط بدعم الإصلاح القضائي الذي طرحته الحكومة الإسرائيلية، وهو مشروع أدى إلى احتجاجات واسعة وانقسام سياسي واجتماعي في إسرائيل.
ويرأس الصندوق حاليًا إليوت أبرامز، الذي شغل مناصب دبلوماسية في إدارات أميركية جمهورية، وفق التحقيق.
الصندوق ينفي السيطرة على المركز
ونفى «صندوق تكفاه» ما أورده التحقيق بشأن استمرار سيطرته على «المركز للحرية»، مؤكدًا أن المؤسستين منفصلتان.
وقال الصندوق إن المنحة التي قدمها للمركز كانت مرتبطة بنقل عدد من البرامج التعليمية، وإنها اكتملت خلال عام 2025، مضيفًا أنه لا يعتزم تقديم تمويل إضافي للمركز.
كما نفى الصندوق خضوع منظمة «أصدقاء الحرية الإسرائيلية في أميركا» لسيطرته، وقال إن مجلس إدارة المنظمة تغير في مارس/آذار 2024.
أما «المركز للحرية الإسرائيلية» فلم يرد، بحسب «هآرتس»، على طلب الصحيفة التعليق على ما ورد في التحقيق.
من جهته، قال الجيش الإسرائيلي إن المؤسسة العسكرية لا تعمل مع «معهد أرجمان» ولا تقيم معه تعاونًا مستمرًا، موضحًا أن مشاركة أفراد الجيش في دورات المعهد مسموحة في ظروف محددة، على نفقتهم الخاصة وخلال أوقات فراغهم.







