وكالات - قررت إدارة مهرجان «كولتور اله» (Cultur-ALH) الدولي في مدينة غرناطة الإسبانية سحب دعوة الكاتبة الأرجنتينية أريانا هارفيتش من برنامج الدورة الثانية للمهرجان، الذي ينطلق غدًا الاثنين ويستمر حتى 27 سبتمبر/أيلول الجاري، في خطوة أثارت جدلًا داخل الأوساط الثقافية والجامعية الإسبانية.
وأكدت مديرتا المهرجان، باتريسيا إسكالونا وآنا غاليونو كويناس، أن الدعوة الموجهة إلى هارفيتش أُلغيت، بعدما كان مقررًا أن تشارك في جلسة حوارية بعنوان «معارضة العالم» إلى جانب الكاتب الإسباني خيسوس أورتيغا.
وتأتي الخطوة على خلفية موقف الكاتبة الرافض للمقاطعة الثقافية لإسرائيل، بالتزامن مع تحركات داخل جامعة غرناطة تطالب بعدم استضافتها أو مناقشة أعمالها بسبب مواقفها من الدعوات إلى مقاطعة إسرائيل في المجال الثقافي.
سحب الدعوة قبيل انطلاق المهرجان
كانت هارفيتش، التي وصلت أعمالها إلى القائمة النهائية لجائزة «بوكر» الدولية عام 2018 والمقيمة حاليًا في فرنسا، مدرجة ضمن برنامج المهرجان الذي يقدم نفسه مساحة للحوار بين الأدب والفنون والعلوم الإنسانية.
وبحسب إدارة المهرجان، جاء قرار سحب الدعوة في ظل مخاوف من أن يؤدي حضور الكاتبة إلى احتجاجات داخل الفعاليات، بما قد يؤثر على سير البرنامج ويحوله من نقاش أدبي وفكري إلى مناسبة للاحتجاج السياسي.
وكانت نوادٍ للقراءة في جامعة غرناطة قد أعلنت رفضها مناقشة أعمال هارفيتش أو تنظيم قراءات لها داخل الجامعة، التي تستضيف جانبًا من فعاليات المهرجان، احتجاجًا على مواقفها الرافضة للمقاطعة الثقافية لإسرائيل.
وتحوّل هذا الموقف إلى عامل إضافي في قرار إدارة المهرجان إلغاء مشاركة الكاتبة، وفق ما أعلنته مديرتا الحدث.
هارفيتش: استسلموا للضغط والخوف
من جانبها، اعترضت هارفيتش على قرار استبعادها، وقالت عبر مواقع التواصل الاجتماعي إنها علمت بإلغاء مشاركتها في اللحظات الأخيرة.
واتهمت الكاتبة منظمي المهرجان بالاستجابة لضغوط ناشطين، معتبرة أن القرار يعكس، بحسب تعبيرها، «الاستسلام للضغط والخوف».
وكان من المقرر أن تلتقي هارفيتش بالكاتب الإسباني خيسوس أورتيغا ضمن جلسة تبحث قضايا المعارضة والعلاقة بين الثقافة والواقع السياسي، قبل أن تقرر إدارة المهرجان إلغاء مشاركتها.
ويأتي الجدل حول مشاركة الكاتبة في ظل نقاش أوسع في إسبانيا بشأن حدود المقاطعة الثقافية، ودور المؤسسات الثقافية والجامعية في التعامل مع شخصيات تتبنى مواقف مخالفة للحملات الداعية إلى مقاطعة إسرائيل.
«كولتور اله» ومشروع ثقافي يتجاوز المركز
وانطلق مهرجان «كولتور اله» للمرة الأولى عام 2025، وقدم نفسه باعتباره مساحة ثقافية هجينة تجمع الأدب والفنون والعلوم الإنسانية، وتركز على الحوار بين أصوات وشخصيات من خلفيات مختلفة.
ويهدف المهرجان، وفق التصور الذي يقدمه عن نفسه، إلى تجاوز ثقافة المركز وإتاحة مساحة للتفكير في التحولات السياسية والاجتماعية والمعرفية المعاصرة، إلى جانب بناء جسور بين الثقافات والتيارات الفكرية المختلفة.
واختار المهرجان هذا العام الفيلسوف الأندلسي ابن رشد «ضيف شرف»، باعتباره رمزًا للمعرفة النقدية والتعدد الثقافي والتفاعل بين الحضارات.
وتضم الدورة الثانية عددًا من الأسماء البارزة في المشهد الأدبي والثقافي الدولي، من بينهم الشاعر الإسباني لويس غارسيا مونتيرو، والكاتبة التشيلية لينا مرواني، والروائية والشاعرة الكندية مارغريت آتوود، والكاتب المكسيكي خوان فيّورو، والمؤرخ الفرنسي باتريك بوشيرون، والروائي الإيرلندي جون بانفيل.
غرناطة في قلب النقاش حول المقاطعة الثقافية
وتأتي أزمة مشاركة هارفيتش في وقت تشهد فيه الأوساط الثقافية والجامعية الإسبانية نقاشًا متزايدًا بشأن المقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل على خلفية الحرب في قطاع غزة.
وكانت جامعة غرناطة قد أعلنت مواقف داعمة للفلسطينيين، كما اتخذت إجراءات تتعلق بتعاونها الأكاديمي والعلمي مع مؤسسات إسرائيلية في سياق الحرب على غزة.
وتتقاطع هذه المواقف مع حملة أوسع داخل إسبانيا تدعو المؤسسات الثقافية والأكاديمية إلى مراجعة علاقاتها مع الجهات والشركات التي تربطها علاقات أو استثمارات مرتبطة بإسرائيل.
وفي هذا السياق، جاء قرار مهرجان «كولتور اله» في الأسبوع نفسه الذي طالب فيه أكثر من 30 مثقفًا إدارة «مهرجان الأفكار» في مدريد بقطع علاقته بأحد رعاة الحدث، شركة التأمين الألمانية «أليانز»، بسبب ما وصفه الموقعون باستثمارات للشركة مرتبطة بإسرائيل.
وبحسب المادة، استجابت إدارة «مهرجان الأفكار» لهذا المطلب وقررت إنهاء العلاقة مع الشركة، في خطوة أضافت بعدًا جديدًا إلى النقاش المتصاعد حول المقاطعة الثقافية والاقتصادية في إسبانيا.
جدل يتجاوز مشاركة كاتبة
ولا يقتصر الجدل حول هارفيتش على قرار مشاركتها في مهرجان غرناطة، بل يعكس خلافًا أوسع بشأن العلاقة بين المواقف السياسية والبرامج الثقافية في أوروبا، خصوصًا في ظل الحرب على غزة.
فبينما ترى الجهات الداعية إلى المقاطعة أن المؤسسات الثقافية مطالبة باتخاذ مواقف تجاه ما تعتبره انتهاكات وارتباطات سياسية واقتصادية، تدافع أصوات أخرى عن إبقاء المجال الثقافي مفتوحًا أمام أصحاب المواقف المختلفة.
وفي حالة مهرجان «كولتور اله»، بررت الإدارة قرارها باعتبارات تتعلق بسير الفعاليات وتجنب الاحتجاجات، بينما اعتبرت هارفيتش أن استبعادها جاء نتيجة ضغوط سياسية وثقافية بسبب موقفها من المقاطعة.
وبذلك، تحولت مشاركة كانت مقررة في جلسة أدبية إلى محور نقاش أوسع حول حدود حرية التعبير، واستقلال المؤسسات الثقافية، وتأثير الحرب على غزة في المشهد الثقافي والأكاديمي الإسباني.







