متابعات - حذرت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» من أنها قد تضطر إلى تعليق خدمات أساسية خلال الشهرين المقبلين، ما لم تحصل بصورة عاجلة على دعم مالي إضافي، في ظل استمرار الضغوط على مواردها وتزايد الاحتياجات الإنسانية للاجئين الفلسطينيين.
وجاء التحذير في كلمة ألقاها القائم بأعمال المفوض العام للوكالة، كريستيان ساوندرز، أمام الدورة الـ166 لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، المنعقدة في العاصمة المصرية القاهرة.
وقال ساوندرز إن موارد «أونروا» «تُستنزف بسرعة»، محذرًا من أن استمرار الأزمة المالية الحالية سيجعل الوكالة غير قادرة على الحفاظ على كامل الخدمات التي كلفها المجتمع الدولي بتقديمها للاجئين الفلسطينيين.
وأضاف أن تداعيات نقص التمويل لن تقتصر على الأرقام والبيانات المالية، بل ستنعكس بصورة مباشرة على حياة اللاجئين، من خلال حرمان أطفال من التعليم، وعائلات من خدمات الرعاية الصحية، ومجتمعات من خدمات المياه والصرف الصحي الأساسية.
أكثر من 1.5 مليون شخص يعتمدون على خدمات الوكالة
وأكد المسؤول الأممي أن أكثر من 1.5 مليون شخص يعتمدون على «أونروا» في مجالات التعليم والرعاية الصحية والمياه والصرف الصحي وغيرها من الخدمات الأساسية.
وأشار إلى أن الوكالة لا تزال أكبر مزود للمساعدات الإنسانية في قطاع غزة، فيما يعمل لديها أكثر من 10 آلاف موظف على الأرض، الأمر الذي يجعل استمرار قدرتها التشغيلية عنصرًا مهمًا في الاستجابة للاحتياجات الإنسانية المتزايدة.
وشدد ساوندرز على أن الوكالة، رغم الضغوط المالية والسياسية التي تواجهها، تواصل أداء المهام الموكلة إليها وتقديم الخدمات للاجئين الفلسطينيين في غزة ومختلف أنحاء المنطقة.
غزة تواجه أزمة إنسانية حادة رغم وقف إطلاق النار
وحذر القائم بأعمال المفوض العام لـ«أونروا» من أن الوضع الإنساني في قطاع غزة لا يزال بالغ الخطورة رغم وقف إطلاق النار، مشيرًا إلى أن أكثر من 90% من سكان القطاع لا يزالون من دون مأوى ملائم مع اقتراب فصل الشتاء.
وقال إن نحو 40 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي تتدفق يوميًا إلى البحر المتوسط، بينما لا تتجاوز نسبة الأراضي الزراعية التي لا تزال متاحة وغير متضررة نحو 3%.
واعتبر أن هذه الأرقام لا تعكس مجرد مؤشرات إحصائية، وإنما تكشف عن أوضاع إنسانية تمس حياة ملايين الأشخاص، مؤكدًا أن الوضع القائم «لا يمكن أن يتحول إلى واقع طبيعي جديد».
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تواجه فيه غزة احتياجات واسعة تتعلق بالمأوى والمياه والصرف الصحي والغذاء والرعاية الصحية، بينما يظل اقتراب فصل الشتاء عاملًا إضافيًا يزيد من صعوبة الظروف التي يعيشها السكان.
أونروا: تفكيك الوكالة لا يلغي حقوق اللاجئين
وفي حديثه عن مستقبل الوكالة، قال ساوندرز إن محاولات تفكيك «أونروا» لم تمنعها من مواصلة تقديم الخدمات للاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة ومختلف أنحاء المنطقة.
وأكد أن الوكالة تمتلك بنية تحتية وشبكات عمل وكوادر بشرية تتيح لها الاستجابة للاحتياجات الإنسانية على نطاق واسع، مشيرًا إلى أن الخبرة التي راكمتها خلال أكثر من سبعة عقود تمثل عنصرًا أساسيًا في قدرتها على العمل داخل مجتمعات اللاجئين.
وأضاف أن الثقة التي بنتها «أونروا» مع مجتمعات اللاجئين على مدى أكثر من 70 عامًا تمثل أحد أهم أصولها، معتبرًا أن تجاهل هذه القدرات في ظل الاحتياجات الإنسانية الحالية «لن يكون عمليًا ولا مسؤولًا».
وشدد على أن إزالة الوكالة لن تؤدي إلى إزالة حقوق اللاجئين الفلسطينيين أو حل القضية الفلسطينية، مؤكدًا أن استمرار الخدمات والمؤسسات التي يعتمد عليها اللاجئون لا ينفصل عن الحاجة إلى معالجة أصل القضية سياسيًا.
تحذيرات من تدهور الأوضاع في الضفة الغربية
ولم تقتصر تحذيرات ساوندرز على قطاع غزة، إذ حذر كذلك من تدهور الأوضاع في الضفة الغربية المحتلة، مشيرًا إلى تصاعد عنف المستوطنين وعدم توفير حماية فعالة للمجتمعات الفلسطينية.
وقال إن الاستيلاء على منشآت تابعة لـ«أونروا» في القدس المحتلة، بما في ذلك مكاتب ومدارس ومراكز صحية، أدى فعليًا إلى إبعاد الوكالة عن المدينة، ما ينعكس على قدرتها على تقديم خدماتها للسكان المستفيدين منها.
وأضاف أن «إزالة أونروا لا تعني إزالة حقوق اللاجئين الفلسطينيين، ولا تحل القضية الفلسطينية»، في إشارة إلى أن إنهاء وجود الوكالة لا يعالج قضية اللاجئين أو حقوقهم.
دعوة إلى تطبيق القانون الدولي
ودعا المسؤول الأممي إلى تطبيق القانون الدولي بصورة متساوية على الجميع، محذرًا من أن الاكتفاء بإصدار بيانات القلق من دون اتخاذ إجراءات عملية تجاه الانتهاكات من شأنه أن يضعف الثقة في النظام والمؤسسات الدولية.
وقال إن المجتمع الدولي مطالب بتحويل المبادئ التي يعلنها إلى خطوات ملموسة، خصوصًا في ظل استمرار الأزمات الإنسانية والسياسية التي يعيشها الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية.
وطالب ساوندرز الدول العربية بتقديم دعم إضافي وعاجل لـ«أونروا»، مؤكدًا أن مستقبل الوكالة يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة المجتمع الدولي على التحرك خلال الفترة المقبلة، في ظل التراجع المستمر في الموارد مقارنة بحجم الاحتياجات.
تحذير من تراجع فرص قيام دولة فلسطينية
وحذر ساوندرز كذلك من أن استمرار الجمود السياسي قد يقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، لا سيما إذا استمرت الوقائع على الأرض في غزة والضفة الغربية في الترسخ.
وقال إن «نافذة الفرصة تضيق لكنها لم تغلق بعد»، داعيًا إلى اتخاذ خطوات عملية لحماية حقوق الفلسطينيين، والحفاظ على المؤسسات التي تقدم لهم الخدمات، وصون فرص التوصل إلى سلام عادل ودائم.
ويعكس هذا التحذير، وفق ما جاء في كلمته، ترابط المسارين الإنساني والسياسي، إذ إن استمرار تدهور الأوضاع المعيشية وتراجع الخدمات الأساسية بالتزامن مع التطورات على الأرض قد يزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة.
ساوندرز: دعم أونروا مسؤولية وليس عملًا خيريًا
وفي ختام كلمته أمام مجلس جامعة الدول العربية، أكد ساوندرز أن طلب دعم «أونروا» «ليس دعوة إلى العمل الخيري، بل دعوة إلى تحمل المسؤولية».
ودعا المجتمع الدولي إلى تحويل مبادئه والتزاماته المعلنة تجاه اللاجئين الفلسطينيين والقانون الدولي إلى إجراءات عملية، محذرًا من أن استمرار نقص التمويل قد ينعكس مباشرة على قدرة الوكالة على توفير التعليم والرعاية الصحية والمياه والصرف الصحي والمساعدات الإنسانية لملايين الفلسطينيين الذين يعتمدون على خدماتها.







