رام الله - قالت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إن ما شهدته الضفة الغربية منذ أواخر عام 2022 يعكس مسارًا متدرجًا ومتراكمًا لإعادة هندسة منظومة الحكم والإدارة والتشريع، بما يخدم مشروع الضم والتوسع الاستيطاني الإسرائيلي، مشيرة إلى أن السنوات الأربع الماضية شهدت حزمة واسعة من الإجراءات التشريعية والإدارية والتخطيطية والمالية التي أسهمت في تكريس وقائع جديدة وتوسيع نطاق الصلاحيات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.
وأوضحت الهيئة، في ورقة أعدتها لرصد أبرز خطوات ومراحل عملية تشريع الضم منذ مطلع عام 2023، أن المسار الإسرائيلي اتخذ أشكالًا متعددة، شملت إخضاع ما تسمى "الإدارة المدنية" لمرجعية سياسية مرتبطة بالمستوطنين، وتعديل تشريعات تتصل بفك الارتباط، وتسريع إجراءات التخطيط للمستوطنات، إلى جانب نقل صلاحيات مدنية وإدارية من المستوى العسكري إلى وزراء ودوائر حكومية إسرائيلية.
وبحسب الهيئة، أدت هذه التحولات إلى تقليص ما تبقى من القيود الإجرائية والقانونية التي كانت تفصل، ولو بصورة شكلية، بين إدارة الاحتلال للأراضي الفلسطينية وبين منظومة الحكم المدني الإسرائيلي.
وأكدت أن عملية الضم لا تقتصر بالضرورة على صدور إعلان سياسي رسمي، وإنما يمكن أن تتقدم عبر سلسلة متراكمة من الأدوات التشريعية والإدارية والتخطيطية والمالية، بحيث تنتج هذه الإجراءات مجتمعة واقعًا جديدًا على الأرض يعزز مظاهر السيطرة والسيادة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية.
توسيع الصلاحيات وتسريع الاستيطان
وأشارت الهيئة إلى أن تمكين المستوطنين وتوسيع صلاحيات الوزارات الإسرائيلية داخل الضفة الغربية، إلى جانب فتح مسارات لتسوية وتسجيل الأراضي، وتوسيع نطاق التدخل في المناطق المصنفة "أ" و"ب"، والدفع بمخطط E1، وإقرار عشرات المستوطنات الجديدة، تمثل حلقات مترابطة في إعادة توزيع السيطرة على الأرض والموارد والتخطيط.
واعتبرت أن هذه الإجراءات تنقل المشروع الاستيطاني من مجرد التوسع المكاني إلى إعادة تشكيل منظومة الحكم والإدارة نفسها، بما يؤدي إلى تثبيت وقائع طويلة الأمد على الأرض قبل الوصول إلى أي إعلان رسمي شامل بشأن الضم.
وقالت الهيئة إن إحدى أبرز محطات هذا المسار تمثلت في إعادة صياغة موقع وزير الجيش الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش داخل منظومة ما تسمى "الإدارة المدنية"، الأمر الذي أفضى، وفق الورقة، إلى نشوء بنية مدنية تتمتع بصلاحيات واسعة في ملفات الأراضي والتخطيط والطرق والإنفاذ، إلى جانب الآليات العسكرية القائمة.
وأضافت أن قرارًا صدر في حزيران/يونيو 2023 بتقليص حلقات الموافقة السياسية على المخططات الاستيطانية أسهم في تسريع إجراءات التخطيط، عبر عقد اجتماعات تخطيط بصورة أكثر انتظامًا، وتعزيز القدرة على نقل المخططات بين مراحلها المختلفة، وربط عمليات التخطيط بإعلانات "أراضي الدولة"، وتوسيع مناطق النفوذ وشق الطرق.
البؤر الاستيطانيةوفرض الوقائع على الأرض
ولفتت الهيئة إلى أن هذه التحولات الإدارية والتخطيطية تزامنت مع بيئة سياسية وأمنية أكثر تساهلًا، بحسب تقديرها، مع الوقائع التي يفرضها المستوطنين على الأرض، ولا سيما البؤر الرعوية وعمليات الاستيلاء على الأراضي.
وأشارت إلى أن جزءًا من هذه الوقائع غير المرخصة بات يُتعامل معه باعتباره واقعًا قائمًا يمكن تنظيمه أو توفير الحماية له لاحقًا، بدل التعامل معه باعتباره مخالفة تستوجب الإزالة، ما يساهم في تحويل الاستيطان غير الرسمي إلى واقع قابل للترسيخ ضمن منظومة التخطيط والإدارة.
وفي مسار موازٍ، قالت الهيئة إن ملفات الآثار والمواقع التراثية والمحميات الطبيعية اكتسبت دورًا يتجاوز نطاقها القطاعي، بعدما أسهمت تشريعات وقرارات مرتبطة بها في تكريس منطق يسمح بتوسيع تدخل مؤسسات الاحتلال خارج الحدود الإدارية التي رسمتها اتفاقيات أوسلو.
وأضافت أن هذا التدخل يجري تحت عناوين مختلفة، من بينها "المصلحة القومية" أو حماية "القيمة الأثرية والبيئية"، معتبرة أن هذه الملفات وفرت أرضية لاختبار توسيع الصلاحيات الإسرائيلية داخل المناطق المصنفة "أ" و"ب".
وبحسب الهيئة، يبدأ هذا التدخل في بعض الحالات تحت عنوان حماية موقع أثري أو محمية طبيعية أو منع أعمال فلسطينية، قبل أن يتحول إلى مطالبات بصلاحيات أوسع في مجالات الرقابة والإنفاذ والتخطيط.
تعديل فك الارتباط وإعادة الاستيطان شمال الضفة
وبينت الهيئة أن تعديل قانون فك الارتباط في آذار/مارس 2023 شكّل محطة أساسية في هذا المسار، بعدما أزال مانعًا قانونيًا كان يحول دون العودة إلى مستوطنات أُخليت في شمال الضفة الغربية.
وقالت إن التعديل فتح المجال أمام إعادة بناء الوجود الاستيطاني في تلك المناطق، فيما وفرت إجراءات تسوية وتسجيل الأراضي أداة لإعادة تعريف الملكية والسجلات والجهة المرجعية التي تملك صلاحية حسمها.
وترى الهيئة أن هذه الإجراءات لا تعمل بصورة منفصلة، بل تتكامل مع مسارات التخطيط والاستيطان وتوسيع الصلاحيات الحكومية، بما يؤدي تدريجيًا إلى إعادة صياغة العلاقة القانونية والإدارية بين مؤسسات الاحتلال والأرض الفلسطينية.
مخطط E1 في قلب المشروع الجغرافي
وأشارت الهيئة إلى أن مخطط E1 يمثل أحد أبرز مكونات المسار الاستيطاني، باعتباره مشروعًا ذا أبعاد جغرافية تتصل بفصل القدس الشرقية المحتلة عن محيطها وعمقها الفلسطيني، وربط كتلة مستوطنة "معاليه أدوميم" بالقدس.
وأضافت أن قرارات الاعتراف بالمستوطنات الجديدة، إلى جانب توسيع الصلاحيات الإسرائيلية لتشمل مناطق مصنفة "أ" و"ب"، تأتي ضمن حلقات متتابعة تبدأ بإزالة الموانع القانونية، ثم إنشاء أدوات إدارية جديدة، وفرض الوقائع المكانية، وصولًا إلى منحها اعترافًا وتخطيطًا واختصاصًا دائمًا.
واعتبرت الهيئة أن هذا التسلسل يكشف، وفق قراءتها، عن انتقال المشروع الاستيطاني من مرحلة التوسع في السيطرة على الأراضي إلى مرحلة أوسع تستهدف إعادة تعريف منظومة الحكم والإدارة نفسها.
تراكم الإجراءات بدل الإعلان الرسمي
وأكدت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن تقاريرها السنوية المتتالية تواصل رصد التشريعات والقرارات والإجراءات الإسرائيلية وتحليلها بصورة منهجية، باعتبارها أجزاء مترابطة من سياسة متصاعدة لإعادة تشكيل الوضع القانوني والإداري والمكاني للأرض الفلسطينية.
وقالت إن الرصد التراكمي لهذه التحولات يتيح قراءة الاتجاه العام للسياسات الإسرائيلية، وقياس الانتقال التدريجي من إدارة الاحتلال إلى بناء بنية أكثر رسوخًا للضم، تقوم على تراكم التشريعات، وتوسيع الصلاحيات، وتسريع التخطيط الاستيطاني، وإعادة تعريف العلاقة بين المؤسسات الإسرائيلية والمستوطنات.
وشددت الهيئة على أن متابعة هذه التحولات وتحليلها بصورة مستمرة باتت ضرورية لفهم طبيعة المرحلة الراهنة من المشروع الاستيطاني الإسرائيلي، خصوصًا في ظل اعتماد مسار الضم على إجراءات متراكمة قد تفرض واقعًا جديدًا على الأرض قبل صدور أي إعلان سياسي رسمي وشامل.







